بعد أن استعرضنا مع المؤلف تناوله لأفكار اثنين من الممثلين الفكريين لتيار المحافظين الجدد ممن يدعوهم المؤلف بمدعي نبوة وهما صموئيل هنتنجتون وبرنارد لويس نتابع مع ريتشارد بوني في هذه الحلقة أراء ناشط ثالث ضمن هذا التيار يتميز برؤاه الزاعقة ضد الإسلام والمسلمين ويدعي خبرته الفاعلة بقضايا وشؤون الشرق الأوسط وهو دانيال بايبس.

فمواصلة للمشوار ذاته الذي بدأه سلفيه إذا صح التعبير راح بايبس يعلن في نوفمبر 1994 أن الشرق الأوسط قد حل محل الإتحاد السوفييتي كمحك للسياسة والأيديولوجيا.

وفي موقف يتسم بالخفة على عكس من سبقه في ضوء عدم ثقله الأكاديمي أعلن بايبس أن سعيد بوصفه بأنه من المحافظين الجدد وكان يعرف آرائه السياسية بأنها الآراء السياسية البسيطة لسائق شاحنة وليست آراء الأكاديميين المعقدة، حيث لا تتوافق آراؤه حسبه مع مؤسسات التعليم العالي. وفي ضوء فشله أكاديميا مثل والده جعل بايبس الجامعات هدفا له ولذلك كان يصف القائمين على الجامعات بأنهم متعصبون ويساريون وأخذ في شن حملة على الجامعات وبخاصة مراكزها لدراسات الشرق الأوسط باعتبارها تسيء إلى سمعة المؤسسات الأكاديمية.

يذكر المؤلف أن مواقف بايبس اتسمت بالعداء البالغ تجاه كل ما هو عربي وإسلامي الأمر الذي انعكس في بعض السياسات الأميركية. وقد صب جانبا من نشاطه على النيل من المؤسسات الأكاديمية باعتبار أنه يتهددها طابور خامس من الأساتذة يؤمنون بأيديولوجيا يراها بايبس معادية لإسرائيل ومعادية للسامية ومؤيدة للفلسطينيين وللإسلاميين.

وعلى خلفية هذا الفهم أنشأ موقعا على الإنترنت بعنوان «كامبوس ووتش» أي مراقبة الحرم الجامعي هدفه إدانة مثل تلك الأنشطة المزعومة المعادية لأميركا في خطوة نقدها خصومه باعتبارها مكارثية وتنال من الحرية الأكاديمية ومحاولة لإخراس النقد للسياسات الأميركية تجاه إسرائيل والعالم العربي. وهو ما انتهى به إلى خوض صراع مع لجنة الحرية الأكاديمية التابعة لرابطة دراسات الشرق الأوسط بأميركا الشمالية فرد بايبس بإنشاء منتدى الشرق الأوسط وأصبح مديرا له.

منتدى الشرق الأوسط

فما هي أنشطة المنتدى والأفكار التي يقوم عليها؟ يشير المؤلف إلى أن المنتدى والذي يصفه نفسه بأنه مصنع للأفكار وتبلغ ميزانيته السنوية 1,1 مليون دولار يسعى إلى التعريف بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط وتعزيزها ويرى أن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة تتمثل في محاربة الإسلام المتشدد أيا كان شكله والعمل على قبول الفلسطينيين لإسرائيل وتحسين إدارة جهود الولايات المتحدة للديمقراطية وتقليص الاعتماد على الشرق الأوسط كمصدر للطاقة والدفاع الجازم عن مصالح الولايات المتحدة في مواجهة بعض دول المنطقة بأسلوب أكثر غلظة ومجابهة التهديد الإيراني. وينشر المنتدى دورية الشرق الأوسط ربع السنوية ويزم أنها أصبحت أهم مرجعية في أميركا تعالج شؤون الأوسط وأن صناع السياسة والرأي والأكاديميين والصحافيين يلجأون إليها من أجل التحليلات العميقة للمشهد الذي يتغير بأشكال سريعة في أكثر مناطق العالم تفجرا.. الشرق الأوسط.

وضمن هجومه على المؤسسات الأكاديمية صادق بايبس بحماس على أطروحات الأميركي مارتن كريمر في دراسته «أبراج عاجية على الرمال.. فشل دراسات الشرق الأوسط في أميركا» ونادي فيها بإدانة الأنشطة اليسارية التي تتخفى في زى أكاديميا الشرق الأوسط منتقدا بشكل خاص جامعة كولومبيا التي أمدت خصم بايبس الأيديولوجي الراحل إدوارد سعيد بموطن أكاديمي في ضوء ما كان معروف عن سعيد من كونه أكثر المدافعين عن القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة جرأة وصراحة. ويشير المؤلف هنا إلى أن الهدف الحقيقي من كامبوس ووتش الذي أنشأه بايبس لم يكن كتابة المراجعات النقدية عن دراسات الشرق الأوسط في أميركا بهدف تحسينها، وإنما كان أقرب إلى حملة صليبية أيديولوجية تحرم البرامج الدراسية التي لا تمتثل لمعاييرهم من التمويلات الفيدرالية.

أحداث سبتمبر ومقولة الكراهية

وفي لمحة من ملامح استعراض النبوءات التي يتصور بايبس أنه كان له الفضل في طرحها قبل حدوثها يعرج بنا المؤلف على موقف بايبس من أحداث 11 سبتمبر حيث يشير إلى تأكيد هذا الأخير على فضله في التنبؤ بها قائلا: إنني رأيت قبل 11/9 الخطر الذي يمثله المتشددون على الولايات المتحدة.

وعازفا على مقولة الكراهية مؤكدا بذلك على تبعيته كتلميذ للويس الذي يصفه بايبس بأنه أهم أكاديمي في الدراسات الإسلامية يقول: إنهم يكرهوننا بسبب من نحو لا بسبب ما نفعله! وعلى هذا النحو واصل طرح نفسه إلى الحد الذي وصل فيه إلى المزج بين الإسلام الذي يصفه بالمتشدد والشيوعية بما يحمله من أجندة تهدف إلى امتلاك أسلحة دمار شامل وتدمير إسرائيل وبث الذعر في أوروبا وشن الهجمات على الولايات المتحدة، وابتزاز «حكومتنا» بحيث تصبح انعزالية.

وفي مسعى لتشويه الحقائق يضخم نهج بايبس حجم من يراهم كأعداء محتملين لأميركا وعددهم إلى الحد الأقصى ومن ذلك مثلا أنه في نهاية نوفمبر 2001 قدر دونما الاستشهاد بأية أدلة على أن «بن لادن يدعم نصف العالم الإسلامي، مضيفا أن الحماس الواسع العميق لابن لادن في العالم الإسلام لتطور غاية في الأهمية علينا فهمه وعدم تجاهله. وإزاء هذه الآراء التي تمثل قمة في التطرف فإن بايبس لم يجد مجالا للإنكار في الاعتراف بأنه داعية أميركا الأول للإسلاموفوبيا، بالقول: إنني حقا داعية لفوبيا التطرف الإسلامي.

مهاجمة منظمة «كير»

وفيما يؤكد هذه الحقيقة تبدو مشكلة بايبس إذا نظرنا لموقفه من المسلمين في الولايات المتحدة والذين من المفترض أنهم يتسقون مع طبيعة الحياة في المجتمع الأميركي ولا يمكن بأي حال من الأحوال إلصاق صفة الإرهاب أو غيره من الصفات التي تلصق زورا بالمسلمين في بقية أنحاء العالم.

وهنا فإنه يسيطر عليه هاجس الطابور الخامس من الإسلاميين على نحو يطلقه دون وجل على مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية ـ كير ـ الذي يسميه في محاولة للإساءة إليه «تنظيم الإسلاميين الرئيسي بالولايات المتحدة» بسبب ما يزعم بايبس أنه روابطه الإرهابية.. هكذا وافتراء ودون تقديم أي أدلة! بل إنه يصل في مواقفه بالغة التطرف، وفق السياق الذي يشير إليه الكتاب، إلى حد الدعوة إلى تبرير إجراءات طرد الشخصيات البارزة مثل طارق رمضان ويوسف إسلام من الولايات المتحدة وفرض إجراءات أخرى لتفحص شخصيات المسلمين وتاريخهم لدى دخولهم الولايات المتحدة وهو ما يرتقي إلى التمييز ضدهم.

وفي عرض لمواقفه المتطرفة يشير المؤلف إلى ذلك الذي أعلن عنه بشأن رد فعل العالم الإسلامي على أقوال البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2006 وعلى الأحداث التي سبقت تلك التعليقات مثل الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، حيث يقول إنها حملة ـ من المسلمين ـ تستهدف التخويف من المؤكد أن تتبعها حملات أخرى. بل ويصل بايبس إلى حد العنيف لموقف بعض الدول الأوروبية وبريطانيا خاصة من أقليتها المسلمة.

من التناول المفصل لهذه المواقف يصل المؤلف إلى حد توصيف بايبس بالنازي الجديد حيث انه على قدر العداء الذي يظهره للمسلمين نراه على قدر كبير من الحساسية المفرطة لمعاداة السامية، إلى الحد الذي يرى معه أن رفض معاداة السامية وليس معاداة المسلمين يجب أن تكون معيار المجتمع المتحضر.

تأييد فج لإسرائيل

وعلى غرار أستاذه لويس، نجده في هذا الخصوص لا يتوانى عن أن يعلن مواقفه المؤيدة لإسرائيل وفي محاولة للترويج لتميزها وكونها أكثر بلدان الشرق الأوسط تحضرا يقول إن المسلمين في فلسطين يفضلون العيش في إسرائيل عن العيش في دولة خاصة بهم، دون أن يذكر في هذا الخصوص أي شيء عن حصار إسرائيل للفلسطينيين وعدوانها عليهم وابتلاع أراضيهم والاستيلاء على التمويلات الخاصة بهم.

ويصل في تطرفه، على غرار لويس كذلك، إلى حد المناظرة بين أعداء إسرائيل وألمانيا النازية حيث يقول في معرض الحديث عن الصورة السلبية لليهود: بلغت تلك النظرة ذروتها في ألمانيا النازية في معسكرات الموت، واليوم بالإمكان أن ينتهي بها الأمر إلى وابل من القنابل النووية تتساقط على إسرائيل.. هولوكوست ثانية يذهب ضحيتها ستة ملايين يهودي مرة أخرى!!

في كشف لزيف هذا النوع من التفكير يشير ريتشارد بوني إلى أن خداع بايبس ومغالطاته هنا يبدو في خلطه بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، حيث أن زعمه أن أي نقد للصهيونية هو بمثابة انتحار لليهود والإسرائيليين لا يدعم موقفه في شيء، حيث لا بد من التمييز الواضح بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية. ويدلل المؤلف على وجهة نظره بالإشارة إلى أن ثمة يهود أرثوذكس معادون للصهيونية، على نحو لا يمكننا معه القول أنهم معادون للسامية منتهيا إلى أنه وفقا لعدد من المعايير التي وضعها البعض فإن بايبس يعتبر من «النازيين الجدد».

ويضيف أنه بموقفه الخبيث الضاري ضد أية تنازلات للفلسطينيين إنما ينطلق من معايير مزدوجة. وهنا يفصل المؤلف في فضح مواقف «النازي اليهودي الجديد» ومدى تطرف أفكاره إلى الحد الذي يمكن معه إدراجه بأنه يأتي على يمين مواقف متطرف مثل شارون وهو ما يبدو في وصفه لقرار شارون بسحب المستوطنين اليهود من غزة بأنه حماقة سياسية تاريخية.

سر العداء للاجئين

يتساءل المؤلف إزاء هذه المواقف من بايبس عن سر عداوته الضارية للاجئين الفلسطينيين إلى حد وصفه لها ـ بايبس ـ بأنها مصطنعة. في معرض الإجابة يقول ريتشارد بوني السبب هو أن اللاجئين يعرفون بصفتهم مقتلعين من أرضهم، وأنهم كانوا من يعيشون في فلسطين حتى عام 1948 وفقدوا وطنهم معه،.

كما أن نسلهم أصبحوا أيضا لاجئين، وبايبس والفريق الذي يمثله ليس على استعداد للاعتراف بأنه يجب تصحيح أي من مظالمهم التاريخية لأن ذلك سيعني في منظوره الإضرار بمشروعه الصهيوني الجديد لخلق دولة دينية ذات مركزية إثنية ومن ثم فمن البديهي أن يزعم بايبس أن إقامة دولة فلسطينية ستمثل كابوسا للعرب وإسرائيل معا.

وفي إشارة ذات دلالة على صعيد القضية الرئيسية التي نذر المؤلف لها كتابه بشأن تأثير الأيديولوجيا على السياسة الخارجية الأميركية يتناول المؤلف جانبا من مواقف بايبس العدائية التي وجدت طريقها إلى التحقق على الصعيد السوري، حيث صنع بايبس أسمه في البداية باعتباره متخصص في الشأن السوري وعلى ذلك كان اختياره عضوا في «لجنة الولايات المتحدة من أجل حرية لبنان». وقد اشترك هو ومؤسس اللجنة ـ عربي ـ عام 200 في كتابة تقرير بعنوان «إنهاء احتلال سوريا للبنان: دور الولايات المتحدة» قالا فيه أن الحكم السوري بالإنابة في لبنان يناقض المثل الأميركية المباشرة.

وعزز هذا الجهد بآخر وحده من خلال مقال عنونه بـ «لسنا في حاجة إلى سوريا في لبنان» ساوي فيه بين ما اعتبره نضالا ضد الوجود السوري في لبنان وبين النضال من أجل تحرير شعوب أوروبا الشرقية المقموعة التي كانت واقعة في أسر النفوذ السوفييتي.. الأمر الذي مثل جانب من ضغوط تفاعلت على نحو انتهى إلى ما هو عليه الوضع الآن.. ووضع سوريا في دائرة الاستهداف الأميركي!

الصفحات: 352 صفحة (متوسط)

الكتاب: مدعو نبوة: صدام الحضارات وحرب الإرهاب

تأليف: ريتشارد بوني

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: بيتر لانج أكسفورد