من مدعي النبوة الزائف الأول وهو صموئيل هنتنجتون الذي عرضنا لرؤية المؤلف بشأنه ينتقل بنا ريتشارد بوني بعد ذلك إلى ثانيهما ممثلا في برنارد لويس والذي أصبحت الساحة خالية أمامه بعد 11 سبتمبر باعتباره المتخصص في الشرق الأوسط وحده.
وفي استعراضه لجذور مواقفه يذكر المؤلف أن لويس اختار في سنواته المتقدمة في سبتمبر 1990 أن يعيد إطلاق نظريته المزعومة عن الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية وكأن كلا منهما يتواجد في مناطق محكمة الإغلاق على ساكنيها. وقد أحسن لويس اختيار التوقيت الذي طرح فيه رؤيته فمع انهيار جدار برلين عام 1989 كانت الأمور تشير إلى انهيار رمز من رموز الشيوعية وكان البحث عن عدو أيديولوجي جديد يمكن للمجمع الصناعي العسكري الغربي من خلاله اتخاذه ذريعة لمواصلة إنتاجه الضخم للأسلحة الفتاكة. وفي مجال تناوله بالتفصيل لمواقف لويس ورؤاه يشير المؤلف إلى أن هذا المستشرق لم يقدم مصطلح صدام الحضارات عام 1990 وإنما فعل ذلك قبل هذا التاريخ بثلاثة وثلاثين عاما أي في عام 1957 خلال مؤتمر عن الشرق الأوسط في جامعة جون هوبكينز.
في استعراض التفاصيل الأولى لجذور مصطلح صدام الحضارات يشير المؤلف إلى أن لويس أعلن خلال المؤتمر المشار إليه أنه يمكن فهم الوضع بشكل أفضل إذا نظرنا إلى مظاهر الغضب الحالية في الشرق الأوسط، لا على أنها صراع بين دول أو أمم بل على أنها صراع بين حضارات. وعلى ذلك يذكر ريتشارد بوني أن المفهوم بالنسبة للويس لم يكن جديدا وإنما جزءا مركزيا من مجمل أعماله وبخاصة السنوات التي أصبحت فيها كتاباته تنطلق من أساس أيديولوجي عدواني حسب توصيف إدوارد سعيد. وقد كتب لويس في عام 1990 في مقالته التي جاءت تحت «جذور الغضب الإسلامي» : إن هذا ليس أقل من صدام حضارات، ربما يكون غير عقلاني، لكنه بالتأكيد رد فعل تاريخي لخصم قديم ضد إرثنا اليهودي المسيحي وحاضرنا العلماني وانتشارهما في جميع أنحاء العالم.
وفي إشارة إلى أن دوره يتجاوز الفكر إلى نطاق السياسة يذكر المؤلف إشارة البعض إلى أن لويس ظل لاعبا حزبيا ذي نفوذ في القضايا السياسية المعاصرة ومن ذلك مثلا أنه كان من بين الذين تم استشارتهم حول مسألة اتخاذ الإسلام دين الدولة في العراق الجديد، كما أن حضور ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق الحفل الذي أقيم بمناسبة بلوغ لويس عامه التسعين والكلمة التي ألقاها على شرفه لا يترك مجالا للشك بشأن نفوذه في إدارة بوش. وحسبما يشير ناقدو لويس فإن ما يشار إليه على أنه مبدأه «مبدأ لويس» أي الفكرة القائلة بأنه يمكن للغرب غرس الديمقراطية في الشرق الأوسط هو المبدأ الذي يواجه اختبار قاسيا في العراق في الوقت الحالي. وذلك بعد أن ساد التسليم بالمبدأ ، الذي يقوم على أن غالبية الدول الإسلامية قد فشلت فشلا ذريعا في تحديث مجتمعاتها وأنها الآن تطلب من الأميركيين التدخل، بشكل أصبح معه أساس السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة.
مواقف تحريضية
وعلى المنوال نفسه يستعرض الكاتب موقف لويس التحريضي الذي أورده في كتابه «أين الخطأ» وفيه دعا إلى المخاطرة بتغيير الأنظمة الحاكمة مشيرا إلى أن لويس كان قد أمد مجموعة بيلدربرج السرية بخطة لإعادة رسم حدود الشرق الأوسط الكبير بحيث يصبح مجموعة فسيفسائية من الكيانات الصغيرة المتناحرة ويضعف بذلك الجمهوريات والممالك القائمة حاليا. وأصبح حافز إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد هاجسا خطيرا يسيطر على إستراتيجيي السياسات في الولايات المتحدة.
ومن الرؤى التي يؤكد ريتشارد بوني على أهميتها إشارته إلى أن بداية سوء فهم أمريكا للعالم العربي ومغامرتها الفاشلة في العراق من المرجح أنها تعود الى الرؤية التي طرحها لويس بشأن وجوب نشر الديمقراطيات في الشرق الأوسط على غرار تلك الديمقراطية العلمانية «المتغربنة» التي أقامها أتاتورك في تركيا، حيث أنه رغم تهاوي كافة أسباب بوش للحرب على العراق التي تعتبر أكثر المغامرات الخارجية كلفة في التاريخ ، فإنه لم يعد لديه من ذريعة سوى تحويل العراق إلى ديمقراطية علمانية ورغم تسليمه السيادة الاسمية للعراقيين، وتراجعه العشوائي تحت النيران، فإن بوش حتى آخر أيام رحيله من البيت الأبيض، لم يكن يريد تسوية في العراق تقوم على أساس شكل مخفف من الديمقراطية ينطلق من أسس إسلامية، حيث تواصل مبدأ لويس يملي على إدارة بوش هدفها الماثل في إقامة نظام حكم «متغربن» على نمط ما أقامه أتاتورك يصبح دعامة لأمن أمريكا ونموذجا للمنطقة.
تفكيك الشرق الأوسط
ويوضح المؤلف النظرة بالغة التبسيط التي قامت عليها مواقف لويس لجهة تفكيك دول المنطقة وهو ما يبدو في تأكيده على أن «غالبية دول الشرق الأوسط تشكلت حديثا بأسلوب مصطنع وهى قابلة لعملية اللبننة وعرضة لها إذا تم إضعاف السلطة المركزية بشكل كاف فلن يكون هناك مجتمع مدني حقيقي يعمل على تماسك نظام الحكم، أو حتى شعور بهوية قومية أو ولاء مهيمنا للدولة القومية ومن ثم ستتحلل الدولة كما حدث في لبنان إلى طوائف وقبائل ومناطق وأحزاب متصارعة وتسود الفوضى». ذلك هو السيناريو الذي يرسمه لويس ويدعو الى تطبيقه في الشرق الأوسط، وهو ما يقرأه المؤلف على أنه نبوءة غريبة مخيفة لما قد يأتي به التدخل الأمريكي في العراق عام 2003، وهو تدخل دعا إليه لويس وكأنما قد نسى مخاطره.
وقد أدت أرائه هذه إلى الاحتفاء الفائق به في إسرائيل وكذلك من قبل لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة حيث قوبل في فبراير 1996 بالترحاب والتكريم في القدس حيث ألقى الخطاب السنوي التاسع لمركز بناي بريث حول موضوع دخول الشرق الأوسط عام 2000. وهنا وحسب الرؤى العدائية للويس يشير المؤلف إلى أنه ينطلق من أن العداء لإسرائيل يحل محل الحرمان الاقتصادي والقمع السياسي في الأجزاء الأخرى من العالم الإسلامي بالشرق الأوسط كوسيلة وكوسيلة لتحويل الغضب الناجم عن ذلك.
وإذا كان لويس لم يتنبأ هو أو غيره من المعلقين بأحداث سبتمبر فإنه سارع إلى التعليق عليها بمجرد حدوثها حيث عقد مع رامسفيلد وزير الدفاع آنذاك اجتماعات بالبنتاجون الذي كان الدخان يتصاعد منه. وخلال الاجتماع أكد لويس على ضرورة رد أمريكا على الهجمات باستعراض للقوة وإلا اعتقد العالم الإسلامي ـ حسب رؤيته ـ أن ذلك دلالة على الضعف. في الوقت ذاته أكد لويس ضرورة دعم أمريكا من وصفهم بالمصلحين الديمقراطيين في الشرق الأوسط من أمثال، وهنا استدار إلى المتحدث الثاني الذي استضافه ريتشارد بيرل، أحمد الجلبي، والذي أكد بدوره أنه على الرغم من عدم وجود أدلة تربط العراق بأحداث سبتمبر إلا أن الدول الفاشلة من أمثال العراق تحت قيادة صدام تعتبر أرضا لتفريخ الإرهابيين، مضيفا أن العراق يمتلك كذلك أسلحة دمار شامل.
دعوة لاستخدام القوة
غير أن الملفت للنظر وفق سياق الرؤية التي يقدمها المؤلف أن تبني لويس لاستخدام القوة لم يقتصر على الأحاديث في اجتماعات كتلك بل أيضا في كتاباته، حيث سرعان ما كتب مقالين للصحف بعد ذلك في الأشهر المتبقية من 2001 يزعم أحدهما أنه يفسر للجمهور الأمريكي ما يصفه لويس بـ «ثورة الإسلام» ومتى بدأت وكيفية إنهائها. أما الثاني فقد زعم أنه يفسر مفهومي الحرب الصليبية والجهاد ورأى لويس في المقال الثاني أن استخدام بوش لتعبير الحرب الصليبية حينما دعا إلى حشد جهد مشترك في مواجهة الإرهاب، كان استخداما غير موفق رغم إمكان تبريره وكان دليلا على الجهل أيضا بالتاريخ ذاته. وهنا يشير المؤلف إلى أن ذلك الاستخدام من قبل بوش أثار المخاوف من إمكانية إشعال صدام حضارات بين المسلمين والمسيحيين على النحو الذي دعا بهوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي إلى القول أنه علينا تحاشي صدام الحضارات بأي ثمن، علينا تحاشي السقوط في هذا الفخ الضخم المرعب الذي هدف إليه من حرضوا على الهجمات.
وفي محاولة لتعزيز رؤيته في الكتاب بالأسانيد من خلال كتابات من يصفهم بمدعيي النبوة يقدم المؤلف تحليلا شاملا في هذا الجزء لكتابات برنارد لويس والتي تكشف عن أسلوبه التحريضي، ونبؤاته الزائفة التي جلبت الدمار والخراب ليس فقط على الدول التي جرى الاعتداء عليها وإنما كذلك على الولايات المتحدة ذاتها. وفيما يؤكد أن لويس لعب دور مهندس مشروع غزو العراق، يشير ريتشارد بوني إلى مقال للويس نشره في صحيفة « وول ستريت جورنال» سبتمبر 2002 بعنوان «حان وقت الإطاحة» عاد فيه إلى مهمته في الدعوة للإطاحة بصدام حسين.
في ذلك الصدد يقول : « لن تصنع الديكتاتوريات التي تحكم معظم الشرق الأوسط الآن للسلام، بل إنها حقا لا تستطيع ذلك لأنها بحاجة إلى صراع يبرر قمعها الاستبدادي لشعوبها، ولكي تنحرف بغضب تلك الشعوب وتوجهه إلى عدو خارجي، وكما كان الحال مع دول المحور والإتحاد السوفييتي، لن يتحقق السلام الحقيقي سوى بهزيمة تلك الأنظمة أو انهيارها وإحلال حكومات تم اختيارها، حكومات يمكن للشعوب إسقاطها ومن ثم ستعمل على حل الصراعات لا على إشعالها».
ولم يقصر لويس جهده على هذه الزاوية الداعية لإسقاط صدام وإنما مدها إلى أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة محرضا بأسلوب بالغ الضراوة على هذه الدول، حيث يقول: « تخيلوا لو أن «الكوكلوكس كلان» أحكمت قبضتها على ولاية تكساس وأصبحت تتحكم في مصادر النفط وتجهيزاته هناك ثم مضوا يستخدمون أموال النفط في إنشاء شبكة جيدة التمويل من الكليات والمدارس في أنحاء العالم المسيحي يسوقون فيها تصوراتهم بالغة الغرابة من الديانة المسيحية. إذا ما تخيلنا ذلك، فستصبح لدينا صورة تقريبية لما حدث في العالم الإسلامي الحديث».
الحرية أو الدمار
ومواصلا جهوده على هذا الطريق رغم مؤشرات الفشل فقد راح لويس في محاضرة ألقاها في روما في مارس 2004 يعيد التأكيد على رأيه بأن الحرب على العراق كانت معنية بشكل أساسي بمنع الإرهاب وتحقيق الحرية للعالم العربي، وإن أعترف لويس بأن بعض المزايا المتوقعة من غزو قوات التحالف لم تؤت ثمارها بعد إلى حد كبير نتيجة لتأخر القبض على صدام حسين الأمر الذي شجع على تمرد العراقيين من السنة والشيعة. هنا يشير ريتشارد بوني عن حق إلى التزام لويس الصمت بشأن الكلفة البشرية الهائلة المروعة من المدنيين والعسكريين معا. وإزاء وطأة الواقع لم يجد لويس بدا من الاعتراف في حوار أجرى معه في 27 أبريل 2006 بأنه من الواضح أن الوضع في العراق يسير إلى الأسوأ بمرور الوقت.
غير أن ذلك لم يكن كافيا ليكف لويس عن نبؤاته الزائفة بل راح يواصل مهمته مؤكدا أنه بالإمكان الإتيان بالعدالة والحرية معا إلى شعوب الشرق الأوسط التي عانت طويلا. وكان مجمل طرحه وفق المؤلف العبارة التي يمكن صياغتها بالقول: «إما أن نأتيهم بالحرية أو يدمرونا». ولذلك لم يكن من الغريب، أن يحصل رغم كل شئ على جائزة «أرفينج كريستول» من «الأمريكان أنتربرايز إنستيتيوت» حيث يبرهن ذلك بوضوح على الصلة بين أبطال صدام الحضارات أو أدعيائها بمعنى أصح، وبين المحافظين الجدد.. الفكرة الأساسية التي يؤكد عليها مشروع الكتاب الذي نتناوله بالقراءة والتحليل.

