شكلت حالة الانقسام العربي بين ما يسمى محور ممانعة ومحور اعتدال عامل ضغط على جميع الدول العربية التي وجدت نفسها في مواجهة نفسها، فيما العدو الإسرائيلي يشن هجومه العاري على قطاع غزة، محاولاً في الوقت نفسه نقل المعركة إلى الجبهة العربية العربية، مجرداً نفسه منها.
«البيان» استطلعت آراء عدد من السياسيين والمحللين السوريين حول ما يسمى محور ممانعة ومحور اعتدال، وآثار هذه التقسيمات على التضامن العربي. فكانت هذه الاجابات: يقول عضو مجلس الشعب السوري الدكتور نصر الدين خير الله:«أنا ضد هذه المصطلحات، وتقسيم المواقف العربية إلى متناقضات وكأنت الممانعة تقف في مواجهة الاعتدال. الموضوع ليس هكذا، لأن الوقائع والأحداث التي تجري على الأرض تفرض علينا كعرب أن نكون ممانعين وأن نرفض الرضوخ والاستسلام للشروط الإسرائيلية وإعلان الهزيمة أمام قوة العدو.
ولكن في المقابل إذا تحسنت الظروف فنحن مع السلام الذي يعيد لصاحب الحق حقه ويضمن عودة الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان ومزارع شبعا اللبنانية، ولذلك فالاعتدال مطلوب في مكانه، إذا توفرت شروط معينة يقر فيها العدو برغبته في عقد المفاوضات ويبرهن عملياً على هذه الرغبة بالإقرار الواضح والصريح والعلني بالحقوق العربية كاملة غير منقوصة. أما إذا شن هذا العدو عدواناً وأراد أن يخضع ويذل إرادة المقاومة والصمود في شعبنا سواء في فلسطين أو في لبنان أو الجولان، فإن الممانعة تصبح هنا خياراً وحيداً لأن أي موقف آخر يعني الاستسلام والإقرار بالهزيمة».
وفي كل الأحوال فإن التضامن العربي مطلوب ورأب الصدع في العلاقات العربية واجب قومي على كل شريف في الوطن العربي، بعيداً عن التقسيمات، وبعيداً عن سياسات المحاور التي لن يستفيد منها سوى العدو الصهيوني. أما مدير مركز سوريا للدراسات مازن بلال فيقول: مع الاعتراف بأن الخلافات العربية العربية ليست جديدة، لأنها سمة واقعية في طبيعة «الدولة القطرية» التي ظهرت بعد الاستقلال، لكنها كانت خلال الخمسة عقود الماضية تقف عند «حدود» الصراع العربي - الإسرائيلي، فالأزمة الحالية تتعلق بافتراق استراتيجي حول النظرة إلى «العدو الإسرائيلي» وطبيعته وإمكانية «اندماجه» في المنطقة، فمسألة المحاور اعتمدت على التصور المستقبلي لهذا الصراع وعلى الأخص بعد احتلال العراق، فما يطلق عليه اليوم محوري الاعتدال والممانعة كان لها «طيف» سياسي سابق في السبعينات، حيث استخدمت في تلك الفترة مصطلحات على شاكلة «الدول الراديكالية»، في وقت لعبت بعض الدول أدوارا سياسية فكانت تتجاوب مع التحرك الدولي، ووسمت آنذاك بأنها معتدلة.
لا شك أننا نعيش مرحلة خاصة في مجال العلاقات العربية - العربية، فمسألة المحاور حملت تفاصيل كثيرة لها علاقة بسيادة الدول، وهي تداخل مع كافة الأزمات الإقليمية ابتداء من لبنان ومرورا بالعراق وانتهاء بفلسطين، في وقت هناك يظهر تباين فاقع مابين رغبات المجتمع وتوجهاته، وسياسات النظام العربي، وهو ما برز خلال الحرب الأخيرة على غزة.
وإذا كان غياب الخلافات العربية أمرا شبه مستحيل لكن التوافق على «الأزمات» الخانقة يبدو جوهريا لأن ما نتعرض له يتجاوز مجرد تباين حول مسائل عارضة، وهو اليوم يمس الوجود الخاص بنا كمجتمعات ودول.
أما الكاتب نجيب نصير فيقول: «لا تبدو سياسة المحاور جديدة على المنطقة العربية فمنذ سايكس بيكو والحضور السياسي للبلدان العربية هو حضور اصطلاحي يأخذ شرعيته من رؤية الآخرين له، هذه الرؤية في العلوم السياسية هي تحديدا رؤية المصالح وهو شأن لا يمكن إدانته أو النظر إليه من باب الرأي أو التفضيل أو الأمنيات ، فما دام الوجود متصالحا خارجيا فالاستقرار مربوط بتوازن العامل الخارجي بما يؤمن الاستمرارية».
لم تغادر سياسة المحاور المنطقة لسبب بسيط هو أن التكلفة صفر والعوائد باهظة كما لحظنا في الحرب العراقية الإيرانية أو في حروب الخليج المتراكمة منذ غزو الكويت. اليوم تتمظهر المحاور بشكلها القديم المتمرن عليها والمثبتة جدواها كحراك سياسي يعزز انفصال الوجود والحضور، فمن يطالب بوجوده فهو ممانع لأن ذلك قد يؤدي إلى الحضور !! ومن أراد أن يكون (واقعيا) أي مستغن عن وجوده وحضوره فهناك مكافأة اسمها الدور الإقليمي يمكن تصنيفها عبر تحويل التفاصيل إلى مشاكل أساسية أو انجازات لا تبارى.
في المقام الأخير المحاور وسياستها تحتاج إلى دولة ومؤسسات ذات بنية حداثية (دون مواربة أو ايهام) تستطيع التفاهم (على الأقل) مع مقابلاتها الخارجية في لعبة المصالح ، فالتغير في ملء الفراغ يحتاج إلى أكثر من مرونة تكتيكية تستوعب المشخص من الأحداث عبر تكاتف واه اسمه المحور لا يلبث أن يتحلل لأسباب كسابقتها، بل تتعداها تحمل عبء استحقاقات الوجود ربما الممانعة هي الأقرب إلى هكذا حراك ولكن معيقاتها هي نفس أسباب وجود الاعتدال.
دمشق- تيسير احمد
