يعالج هذا الكتاب تأثير الأيديولوجيا على السياسة الخارجية ويحاول أن يكشف كيف تمكن مجموعة من المستشارين الذين مثلوا المحافظين الجدد وحلفاؤهم من اليمين المسيحي واللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل من التحكم في قرارات السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال أزمة أحداث سبتمبر.
ويوسع الكتاب من نطاق تناوله ليكشف كيف تمكن هؤلاء وامتداداتهم في وسائل الإعلام المختلفة الترويج لرؤاهم الكاذبة إلى الحد الذي وصل إخماد أي صوت معارض واتهامه بعدم الولاء. وقد كان من أثر هذه السياسة نتائج أقرب ما تكون إلى الكوارث فقد جراءها الكثير من الأسر ذويهم في حروب وصراعات كان من الممكن احتواء أسبابها بحكمة دون إساءة استغلال، كما ألقت بتأثيرها على جوهر الديمقراطيات الغربية التي فقدت مظهرها الليبرالي حيث تم تقييد الحريات المدنية بسبب ما سمي بالحرب على الإرهاب، وهى الحرب التي يرى المؤلف أنه مهما كانت دقة المصطلحات التي يتم استخدامها في توصيفها فإنها تورط الدين الإسلامي في تعريف العدو من ثم تتغافل الدور الإيجابي للإسلام وتتجاهل الدور الإيجابي له.
تنطلق الفكرة الأساسية للكتاب من أن المروجين لفكرة صدام الحضارات هم مدعو نبوة كاذبة، ويحاول بناء على ذلك أن يقدم الخطوط الرئيسية للحجج التي يقدمها عدد من رواد التيار الذي أطلق عليه «المحافظين الجدد» محاولا شرح الأساس الذي ينطلق منه المؤلف في الإشارة إلى أن منطق هؤلاء يقوم على أساس مغلوط وسوء فهم للتاريخ والأحداث المعاصرة. وحسبما يقول المؤلف ريتشارد بوني فإن الرواد الفكريين لتيار المحافظين الجدد قدموا رؤي تعزز أجواء الصدام مع الخارج وبشكل أساسي مع العالم الإسلامي وعملوا بالتضافر مع السياسيين على تحققها وعلى رأسها أو في القلب منها أحداث 11 سبتمبر والتي أدت بقدر ما إلى التبكير بما يمكن اعتباره صداما للحضارات، الأطروحة التي قدمها صموئيل هنتنجتون، وهي أطروحة تقوم على التنبؤ.
وهنا يوضح المؤلف أنه بفحص مكونات الأطروحة جيدا سنجد بها الكثير من الثقوب بشكل يتجاوز ما يمكن للمرء أن يتصوره. وعلى ذلك يقرر أنه يمكن القول ردا على ما زعمه الرئيس بوش من أن 11 سبتمبر غير العالم، أن رد فعل أميركا على الأحداث هو الذي غير العالم، حيث واجهت الولايات المتحدة هجوما إرهابيا غير مسبوق على صعيد المدى الذي وصل إليه والدمار الذي أحدثه بشكل أفقدها القدرة على الرؤية السليمة للأشياء. فقد تحولت الولايات المتحدة إلى مجتمع يسوده الارتباك والخوف من العالم الخارجي. وكانت الهجمات بمثابة المناسبة التي أطلقت سراح المارد من«القمقم» حيث شنت الولايات المتحدة حربا على أفغانستان ألحقت أضرارا بالغة بل وكوارث بالشعب الأفغاني.
فرضيات زائفة
الأكثر مدعاة للدهشة أنه بمجرد حدوث الهجمات انتشرت ردود الأفعال المبالغ فيها وانتشرت فرضيات عديدة زائفة تكشف زيف ذلك الفريق الذي يصفه المؤلف ب» مدعيي النبوة» ومن ذلك فرضية وقوع صدام دائم يماثل الحرب العالمية الثالثة ؟ الحرب الباردة ؟ وبشكل خاص في حالة حصول إيران على أسلحة نووية وكذلك فرضية الحرب العالمية الرابعة. وفي ذلك كتب أحد ممثلي المحافظين الجدد هو إليوت كوهين مقالا بهذا العنوان، فيما ذهب آخر إلى التأكيد على أنه سواء أصبحت العراق جبهة ثانية في الحرب ضد الإرهاب أم لم تصبح، فالشيء المؤكد أنه لا يمكن الانتصار في هذه الحرب مع بقاء صدام في السلطة. بينما ذهب دانييل بايبس الذي ينطلق في كتاباته من كراهية شديدة للإسلام والمسلمين إلى أن العدو الحقيقي في هذه الحرب ليس هو الإرهاب المجرد وإنما هو ـ حسب زعمه ـ الإسلام المتشدد.
لم يقتصر الأمر بهذه التحريضات والمبالغات عند هذا المستوى فقط وإنما راح آخرون ـ كاتب يدعى نورمان هورتز ؟ يروجون لإمكانية استمرار الحرب على الإرهاب لثلاثة عقود أو أربعة ومن ثم دعوة الأميركيين إلى الصبر بأكثر مما كانوا في الحرب العالمية الثانية التي لم تستغرق مشاركة الأميركيين فيها أكثر من أربعة أعوام.
وهنا وفي محاولة للربط بين مقولات الأطراف التي تشارك في الصراع يقول المؤلف ريتشارد بوني أن هؤلاء المحافظين الجدد يرددون لغة بن لادن. وفيما يراه هوسا بزعيم القاعدة يشير إلى أن بوش في كلمة له في 28 يونيو 2005 أشار إلى تنظيم القاعدة وبن لادن 118 مرة في غضون 29 دقيقة، وهو ما دعا أحد الكتاب أن يعلق على ذلك في مقال له بـ «الواشنطن بوست» قائلا أن بوش أصبح أفضل دعائي للقاعدة، في ضوء حقيقة أن القاعدة كتنظيم مثل أي تنظيم إرهابي آخر تريد لفت الأنظار وأن يشعر الناس بسطوتها وأن يعيش الأميركيون في خوف متواصل.
ميراث العداء
وقبل أن يدخل المؤلف في موضوعه مباشرة ومن أجل وضع القضية في سياقها الطبيعي يبدأ باستعراض جوانب مما يصفه بميراث العداء بين الإسلام والغرب والأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تتلقى هجمات سبتمبر على النحو الذي جرى على أرض الواقع أدى بها إلى الرد بقدر كبير من الحدة والعنف، على ما تصورت أنه إعلان للحرب ضدها من جانب قوى التطرف.
بعد أن يفصل المؤلف في هذا الجانب في الفصل الأول من كتابه ينقلنا إلى أطروحة هنتنجتون حول صدام الحضارات ومساراتها فيما بعد أحداث سبتمبر. في دلالة على التوظيف السياسي للأطروحة ـ الأمر الذي أشارت إليه الكثير من الدراسات والتحليلات الغربية قبل العربية ـ يشير المؤلف إلى ما ذكره جيمس ولسي مدير السي أي أيه في شهادته أمام الكونجرس عام 1993 من شعوره بالسعادة الغامرة في أعقاب تهاوي الإتحاد السوفييتي والتحذير في الوقت ذاته من غياب منافس قوي لسطوة الولايات المتحدة قائلا أنه إذا كانت الولايات المتحدة قتلت التنين الأعظم فإنها تعيش الآن في غابة مليئة بتشكيلة من الثعابين السامة.
وقد تطلب هذا الطرح مزيدا من التوضيح الأمر الذي تطوع له هنتنجتون من خلال أطروحته التي أطلق عليها «صدام الحضارات»، وهى أطروحة كان لها تأثيرا كبيرا على الفكر الإستراتيجي الغربي بشكل عام والأميركي بشكل خاص. هنا وفي محاولة لربط ذلك الأمر بموضوع كتابه يذكر بوني في معرض تفسيره لأبعاد ذلك التفسير الاستثنائي يذكر أن ذلك يعود إلى الطبيعة الخاصة للمؤسسات الأميركية العامة والأسلوب الذي استطاع به الأكاديميون المرموقون التأثير في السياسة وفي صناعة السياسة، حيث لا يوجد أي نظام سياسي آخر لديه «لوبيهات» ـ جمع لوبي ـ بمثل هذا القدر من التأثير السياسي. كما لا يوجد نظام آخر لديه مثل هذا العدد من مصانع الأفكار جيدة التمويل تعد أبحاثا ممولة إما من أجل تبنيها مباشرة أو من أجل استخدام «اللوبيهات» أو للتأثير غير المباشر على سياسة الولايات المتحدة.
مصانع الأفكار
ومن الأمور الجديرة بالاعتبار التي يذكرها المؤلف في هذا الخصوص أن هنتنغتون تلقى 7,4 ملاين دولار على مدى خمسة عشرة عاما من مصنع أفكار يميني محافظ. وهنا يقدم لنا المؤلف ما يمكن اعتباره جردة ذات دلالة بالغة بشأن اتجاهات الرؤساء الأميركيين منذ عهد ريغان لجهة مدى تأثرهم بهذه المؤسسات البحثية، فيذكر أن اعتماد هؤلاء على الأفراد المشاركين في أعمال المؤسسات البحثية الممثلة لمصانع الأفكار تلك تتنوع تنوعا كبيرا. فقد أسهم حوالي 200 عضو من تلك المؤسسات في إدارة ريغان بين عامي 1981 و1988 (55 من مؤسسة «هوفر» و36 من مؤسسة «هيرتدج» و43 من «أميركان أنتربرايز انستيتيوت» و32 من «لجنة الأخطار الجارية»، و18 من «مؤسسة الدراسات الإستراتيجية والدولية المحايدة»).
وفي المقابل حاول الرئيس جورج بوش الأب تحصين نفسه ضد المؤسسات والأفراد ممن كان لهم روابط وثيقة مع سلفه، كما عمل الرئيسان بوش الأب وكارتر بعيدا عن تأثير تيار المحافظين الجدد، وعلى هذا فقد تم إقصاء كثير من أنصار ذلك التيار مثل جين كيرباتريك وإرفينج كريستول وغيرهما ممن كانوا مصدر إلهام إدارة ريغان وإمدادها بالأفكار المتطرفة. أما كلينتون فقد اعتمد على المجموعات الوسطية من أمثال معهد السياسة التقدمية. وجاءت إدارة بوش الابن لتغير مسار دفة الأمور وتزيد من نطاق اعتمادها على هذا التيار ليزدهر ذكر أمثال فوكوياما وهنتنجتون من حيث التأثير المباشر على الحكومة.
وعودة إلى هذا الأخير يذكر المؤلف أن حفنة من الطيارين الانتحاريين حولوا نظريته إلى حقيقة على أرض الواقع ما أدى إلى ذيع صيته باعتباره المنظر الأول والرئيسي على المستوى العالمي في العصر الحديث. وفي معرض الكشف عن جوانب ضعف النظرية ينقل المؤلف انتقادات البعض لها ومنها أن التركيز على صدام الحضارات والإرهاب ـ الذي يتم دمغه بأنه إسلامي ـ يلغي أية مسؤولية أميركية عن الظلم الذي يشكو منه الكثيرون في العالم الإسلامي والتي وإن كانت لا تبرر الهجمات إلا أنها حسب المؤلف تفسر سياق حدوثها.
وعلى هذا يخلص بوني إلى أن هنتنغتون كان ذا فائدة كبيرة لنظام بوش وداعميه في الحرب على الإرهاب، فمن خلال نظريته مثلا يمكن أن يتم إغفال صدام القوميات ـ الفلسطيني الإسرائيلي مثلا ـ وسط غموض الهوية الحضارية وخطوط المواجهة المزعومة التي تفصل بينهما. وفي ذلك يقدم المؤلف بعد النقاط المهمة بشأن موقف هنتنجتون من اليهودية فيذكر أنه يقصي اليهودية من قائمته للحضارات ويبعد إسرائيل كذلك عن هذه القائمة.
ويورد ما يذهب إليه البعض من أن الإجابة كامنة في جوهر تحليله فهي جزء من الحضارة الغربية، فضلا عن أنه إذا كان الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين قد يفاقم التوترات الدولية إلا أنه ليس مصدر صدام جوهري بين الغرب وبقية الأمم. إلا أن هذه الرؤية تفتقد التماسك في منطقها حيث أنه لا يمكن إنكار أن جانبا من التوتر الذي يشوب علاقات العالم الإسلامي مع الغرب في العقود الأخيرة يعود في جانب كبير منه إلى الصراع العربي الإسرائيلي ودعم الغرب لإنشاء دولة إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية، ما يفند التقليل الذي يحاول هنتنجتون أن ينسبه إلى دور هذا الصراع في مسيرة أجندة العلاقات الدولية.
ضعف النظرية
وعلى ذلك يشير المؤلف إلى ضعف الأسس التي تقوم عليها النظرية مما يقوض من أهميتها رغم الضجة التي أثارتها على الصعيد العالمي وفي ذلك ينقل المؤلف عن البعض في معرض نقده لنظرية صدام الحضارات تأكيده على أن النظر إلى العالم من خلال عدسات حضارية قد يعمي صناع القرار عن الانقسامات الموجودة داخل الحضارات، بما فيها حضارتهم والانقسامات العابرة لتلك الحضارات والتي قد توفر فرصا للتعاون. فضلا عما سبق فإنه من المرجح لسياسة الاحتواء الثقافي أن تثير صراعات متبادلة بين الدول بتشجيع هذا الاحتواء للسياسات العدوانية تجاه الدول ذات الثقافات المختلفة بينما تخلق حسا زائفا بالأمان الذي ينجم عن الاعتقاد بتلاقي مصالح الدول والمجموعات ذات الحضارة الواحدة.
الصفحات: 352 صفحة (متوسط)
الكتاب: مدعو نبوة: صدام الحضارات وحرب الإرهاب
تأليف: ريتشارد بوني
عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق
الناشر: بيتر لانج أكسفورد


