بعد جدل طويل وجولات بين نواكشوط وطرابلس، استقبل فيها القائد الليبي معمر القذافي أطراف الأزمة الموريتانية بما فيها اقطابها ، الجنرال محمد ولد عبد العزيز الحاكم العسكري لموريتانيا ، والرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله، وبعد زيارة وصفت بالتاريخية إلى بلاد شنقيط أم فيها القائد الليبي جمع الموريتانيين لصلاة المغرب، إنفض جمع الصفوف التي كانت تقف خلف العقيد بمجرد تصريحه في خطاب المصالحة أن الجنرال ولد عبد العزيز لا يمكن محاكمته.
وعلى عجل غادر العقيد العاصمة الموريتانية وقد تلاشت أحلام المناوئين للانقلاب وخرجوا بمواقف تعود بالأزمة إلى مربعها الأول يوم السادس من أغسطس 2008 فقوى الأغلبية المساندة للجيش، أبدت ارتياحها لموقف القذافي واستهجنت موقف الجبهة من تصريحاته، وقالت إنها تؤيد الخلاصة التي وصل إليها، وضرورة الاحتكام إلى الانتخابات الرئاسية. وتحدثت مصادر في الرئاسة الموريتانية بأن الزعيم الليبي أوصل رسالة إلى الرئيس المعزول ولد الشيخ عبدالله ،طالبه فيها بتقديم استقالته باعتبار أن ذلك سيفتح الطريق أمام حل الأزمة، ورد الاخير عليه بالقول إن الاستقالة خيانة للأمانة.
كما سربت نفس المصادر أن القذافي سيبدأ حشد التأييد في القارة الإفريقية لمواكبة الانتخابات، وسيلقي بكل ثقله وراء الجنرال عزيز، وتنسق الجبهة حاليا لإعداد اجتماع مع مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بالأزمة، للمطالبة باتخاذ موقف وتحديد وسيط جديد أو رفع الملف إلى مجلس الأمن الدولي.
مقابل ذلك، عبر زعيم المعارضة أحمد ولد داداه، عن رفضه ما وصفه بتكريس الأمر الواقع المتمثل في حكم عسكري، خارج الشرعية الدستورية وأصدر كل من الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية وتكتل القوى الديمقراطية المناوئين للإنقلاب بيانا حددا فيه شروطا جديدة للحوار مع العسكر وعبرا فيه عن الأسف لموقف القذافي الذي لم يحددوه بالاسم بل بعبارة الوسيط بسبب وقوفه إلى جانب السلطات القائمة، بدلا من البحث عن التوافق فيما بين الأطراف جميعا. وورد في البيان «إن خطاب (الوسيط) الذي دعا فيه إلى قبول الأمر الواقع وتبني أجندة الزمرة العسكرية، وتصريحه الختامي الذي أعلن فيه أن الملف قد طوي، يقتضيان منا أن نلاحظ، بأسف بالغ، فشل هذا اللقاء».
أما الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله، فقد سارع إلى إصدار بيان موقع من قبل الناطق بإسمه أحمد صمب ولد عبد الله صمب أعلن عن أسفه العميق لفشل الوساطة الليبية «فشلا لا يخفى على أحد في الداخل ولا في الخارج أسبابه الحقيقية. فمن حيث الشكل، قامت الدولة الليبية قبل الانخراط في مسعى الوساطة باعتماد (سفير) للنظام الانقلابي وتوجت مسعاها بزيارة دولة إلى موريتانيا شكلت في مجملها اعترافا ضمنيا بالواقع الانقلابي تحت ذريعة الاحتفال بمولد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام». موقف العقيد الليبي لم يتوقف عند الخطاب الذي ألقاه في نواكشوط، والذي كان مثارا لردود الأفعال المختلفة.
ففي تصريحات صحافية له من غينيا بيساو قال القذافي «في موريتانيا واقع الأمر يختلف .. تولى الجيش السلطة بدل الرئيس ، لكن من ناحية أخرى فإن الجيش لم يلغ المؤسسات الدستورية ، ولم يغير الدستور والمؤسسات ، أو يعرقله ، ولم يلغ النشاط السياسي أو الأحزاب ، وانحصر العمل في إقصاء الرئيس فقط عن منصبه»، وهو ما يعني ردا على الجبهة المناوئة للإنقلاب ومساندة ضمنية للانقلابين، فالقذافي يرى أن الانقلابيين فقط قاموا بخلع الرئيس الذي قال عنه «أنا دعوت الرئيس المخلوع إلى سرت وجاء وقابلني هناك ، وقد سمح له العسكريون بالسفر إلى ليبيا ، وقابلني ، ورجع بأمان».
وأضاف« أن الرئيس نفسه لم يطلب وساطة ولا مصالحة .. هو يقول (أنا رئيس منتخب وتمت الإطاحة بي ، إما أن يرجعوني إلى المكان الذي أزاحوني منه أو أبقى في قريتي) هو يعرف أن عودته لمنصبه مستحيلة إذن هو باق ولايطلب أي شيء ولايطلب وساطة ولا مصالحة ولا أي شيء ، لأن الأمر واضح جدا : إما أن يعود لمنصبه الذي أزاحوه منه بالقوة .. أو يبقى في بيته ، والعسكريون لا يمكن أن يسمحوا له بالعودة إلى المنصب الذي أزاحوه منه إذن يقبل بالأمر الواقع ويبقى في بيته».
ويضيف القذافي في تصريحاته «هو ليس أول رئيس يطيح به الجيش ، فمثله مثل ولد دادا ، وولد السالك ، وولد هيدالة ، وولد الطايع ، وكذلك هو ولد الشيخ وقد قابلت الرؤساء المخلوعين الأحياء .. قابلت ولد السالك وولد هيدالة، ويتمتعون بالإحترام وبالحكمة و بالسلام وبالحرية ، وأنا أحترمهم كلهم ، وأحترم الرئيس الذي أُطيح به» .
لكن القذافي في المقابل، نقل تطمينات الانقلابيين بتنظيمهم لانتخابات في السادس من يونيو المقبل، وهو ما أكده الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي تعهد بتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة تتيح المجال أمام الموريتانيين لإنتخاب رئيس مدني للبلاد ، فمن وجهة نظر الزعيم اليبي أمام العسكر فقط ثلاثة أشهر للتوصل إلى الحل الذي يبعد شبح العقوبات على بلادهم، وهي مدة يمكن للمجتمع الدولي تحملها شريطة وجود ضمانات كافية من العسكريين، وهو طرح لم يرض ولد سيدي الشيخ عبد الله وأنصاره الذين تبدو مطالبهم مستحيلة في الوضع الراهن، فكلفة عودة ولد الشيخ عبد الله بالقوة إلى سدة الرئاسة لن يتحملها اي طرف، وإحتمال التدخل العسكري الخارجي تلاشى مع مرور ثمانية شهور على الانقلاب.
وبدا الموريتانيون أكثر قبولا للخطوات التي اتخذها العسكريون من ذلك إغلاق سفارة إسرائيل في نواكشوط، وأطلقوا سراح المعتقلين السياسيين ، وما تبقى خطوات وعد بها الجنرالات الزعيم الليبي خلال زيارته، وهي وقف الحملات الإعلامية المضادة لعهد الرئيس المخلوع ، وما تبقى تقرير القذافي الذي سيرفعه إلى مجموعة الإتصال الدولية التي ستجتمع في 24 من الشهر الجاري لتقيم التقدم الحاصل، والذي يحمل فيه القذافي المسؤولية للجبهة المناوئة للانقلاب والرئيس المخلوع، وهو ما سيبرز الجنرلات كطرف متفهم ومتعاون وهو ما سيخفف من حدة الضغوط عليهم، أو خيار الفصل بين موقف القذافي بوصفه رئيسا للإتحاد الإفريقي، وموقف الإتحاد الذي لم يصدر عنه أي شيء بهذا الخصوص حتى الآن .
جمعهم في الصلاة فرقهم في خطاب
مثير للجدل دوما ، محرك لغبار الأسئلة دائما ، كذا هو العقيد الليبي معمر القذافي ، فمن بلاد شنقيط هذه المرة وبعد أن جمع القائد الليبي كل الموريتانيين خلفه في صفوف الصلاة ، فرق بينهم في خطاب القاه أمامهم ورفض فيه معاقبة الجنرال عزيز على الانقلاب، معتبرا في الآن نفسه تاريخ أنظمة الحكم في موريتانيا ومنذ الإطاحة بالرئيس الاسبق ولد داداه حتى السادس من أغسطس «حلقة واحدة» و«سلسلة من الانقلابات».
وعلى الطريقة الموريتانية ، انتفض من كان قبل ساعات مرحبا بوساطة العقيد معلقا الآمال على دوره في «حل تاريخي» لا بصفته من أقدم زعماء القارة فقط بل بصفته رئيسا للإتحاد الإفريقي الذي تعامل بحدة سياسية مع الإنقلابيين، لتنقلب التصريحات المرحبة إلى تنديد بموقف الزعيم الليبي الذي اتهمه فريق من الموريتانيين بدعمه للإنقلابيين، لكن هذا الفريق ذهب بعيدا في آماله بل تجاهل الواقع السياسي الموريتاني الذي فرضه الإنقلاب منذ ثمانية أشهر، وهو أن الحكم الفعلي بيد الجنرالات.
وأن مؤسسات الدولة في أغلبها دانت له، بل أن قائد الإنقلاب جلس فعليا إلى جوار القادة العرب في قمة الدوحة الأخيرة رئيسا كامل الحقوق البروتوكولية، تزيد في الإهتمام الإعلامي ولا تنقص من رئاسته لبلاده شيئا، وهو الكلام الذي أكده القذافي بعد مغادرته لموريتانيا في غينايا بيساو، حينما قطع الطريق كليا على الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله ، بقوله حرفيا «أنا دعوت الرئيس المخلوع إلى سرت وجاء وقابلني هناك ، وقد سمح له العسكريون بالسفر إلى ليبيا ، وقابلني ، ورجع بأمان».
اضاف «الرئيس نفسه لم يطلب وساطة ولا مصالحة .. هو يقول (أنا رئيس منتخب وتمت الإطاحة بي ، إما أن يرجعوني إلى المكان الذي أزاحوني منه أو أبقى في قريتي) هو يعرف أن عودته لمنصبه مستحيلة ..إذن يقبل بالأمر الواقع ويبقى في بيته». ووفق القذافي فولد الشيخ عبد الله ليس أول رئيس يطيح به الجيش ، فمثله كثيرون .ومن هنا فإن تشخيص العقيد الليبي للحالة الموريتانية على غاية من الدقة وإن تعارض مع أحلام المناوئين للإنقلاب فمسيرة أنظمة الحكم المتعاقبة في موريتانيا منذ استقلالها في بداية الستينات من القرن الماضي، لم تعرف عودة مخلوع إلى الحكم من قبل خالعيه.
وكذا الأمر اليوم في البلاد التي تتهيأ لإنتخابات السادس من يونيو والتي بدا القذافي واطراف عدة من المتحمسين لإنعقادها بشروط تضع موريتانيا على سكة الديمقراطية التي تجنبها منزلقات الإنقلابات المحتملة ، ومرة أخرى يرحل الحل إلى الموريتانيين أنفسهم فعليهم أن يدركوا أن مشكلات بلادهم لن تختزل في عودة مخلوع جار عليه قادة جيشه، بل في الظروف التي جعلته بعد مجد ديمقراطي، معتكفا في قريته لا يطال من مؤسسات دولة كان رئيسها سوى التصريحات والبيانات، بل قلب الرحى في الأزمة مؤسسات مهترئة لم تتحمل عبء نظام ديمقراطي فرضته ظروف غير منطقية، فولد النموذج الديمقراطي خداجا ومشوها لم يقو على التنفس الطبيعي في مناخ مشبع بغبار الحسابات القبلية والعرقية والعائلية الذي يعلو ليخفي على الجميع ملامح مصلحة الوطن.
محمد الحناشي
