الصمت أساسُ في العلاقة بين أميركا وإسرائيل، فالامتناع عن الكلام المحظور درس قدمته وزيرة الخارجية الاميركية السابقه كوندوليزا رايس لرئيسها جورج بوش، عندما طالبته بأن «يخرس» بعد اسهابه في الحديث على حفل عشاء في القدس الغربية عن ضرورة ابقاء ايهود أولمرت قائداً لاسرائيل لسنوات، لم يكن بوش بالطبع يريد مجاملة المحامي الفاسد، كما لم يكن معجباً في قرارة نفسه بخيبات هذا الحليف في حربي لبنان وغزة لاحقاً، وما ترتب عليهما من اتفاقات أمنية غير مسبوقة، وما كان يقصده بوش ليس إلا إنه لا سبيل ل«حل الدولتين» إلا ببقاء «كاديما».
والصمت الأميركي عن حكومات إسرائيل لا يبدده سوى حوادث قليلة جداً استدعت تأثير دوائر اتخاذ القرار في واشنطن على اختيار رئيس الحكومة المقبل في إسرائيل أو تحديد سياسته، كان آخرها عندما شجعت ادارة جورج بوش الابن آرييل شارون على الانشقاق عن حزب «الليكود» وتأسيس تحالف «كاديما» للمضي في خطة خارطة الطريق وتأمين غالبية في «الكنيست» لتنفيذ الانسحاب الاحادي من قطاع غزة.
والقاعدة المعروفة بالمقابل، التأثير الاستثنائي لقوى الضغط الصهيونة واليهودية بالعموم على توجهات الناخبين الاميركيين في الاقتراع على الرئيس المقبل للولايات المتحدة والتأثير على سياسته، وهذا ما فسره الرئيس الاسبق هاري ترومان بالقول «أنا لليد التي تصافحني»، وفي العام الماضي أعد اليهود ضربتهم الاستباقية، بتجنيد ثقلهم السياسي والمالي وراء باراك أوباما بعد رجحان كفته عقب ضربة الانهيار المالي القاسمة، والتي ستبقيه تحت تأثير دوامتها لعامين.
فيما احيطت ادارته بطاقم يهودي متحمس لإسرائيل بدءاً من كبير موظفي البيت الابيض رام إيمانويل مروراً بالمخضرم دنيس روس وليس أخيراً بالمستشار الأمني دانيال شابيرو، وفي المقابل وجهت إسرائيل ضربة متوقعة لخطة أوباما باحلال السلام في الشرق الاوسط، باقتراع الاسرائيليين لليمين المتطرف في انتخابات «الكنيست» الثامن عشر.
رسائل واشنطن
فبعد أقل من ساعتين على اغلاق صناديق اقتراع انتخابات 10 فبراير تسرب أن حزب «كاديما» بقيادة تسيبي ليفني، رغم حصوله على أكثرية الأصوات (28 صوتاً)، لن يتمكن من تشكيل الحكومة المقبلة لفوز اليمين المتطرف بـ (65 مقعداً) في «الكنيست» (120 مقعداً)، وسارعت واشنطن إلى ارسال أكثر من إشارة إلى الرئيس الاسرائيلي شيمعون بيريز لتسمية ليفني رئيساً للحكومة.
كما وجهت شخصيات يهودية بارزة مقربة من الحزب الديمقراطي رسالة إلى تل أبيب تحضها على أن تتعاون مع لغة الحوار، لأن هناك «اصراراً حقيقياً لدى أوباما على تحقيق السلام في الشرق الأوسط»، منبهة من خطر «الحديث عن طرق للتأثير على ادارته حيث لا فرصة للهروب والاختباء وراء الظهر الاميركي».
لكن محاولة واشنطن ارتدت على اعقابها سريعاً، وتحولت اللهجة إلى الاستعداد للتعاون مع نتانياهو، وكان اللقاء المغلق بينه وبين وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون خلال أول جولة لها في المنطقة ليس سوى تطمينات متبادلة بالتعاون، شريطة أن لا يعيد نتانياهو نهج «تفجير المفاوضات» كما فعل في حكومته الأولى زمن ادارة زوجها بيل كلينتون، وبالمقابل أن يُمنح زعيم «الليكود» الفرصة داخلياً، والضمانات ضد حركة «حماس» وإيران وتأخير المسار التفاوضي السوري.
كما قطع نتانياهو وعوداً بادخال حزب «العمل» في حكومته في ظل اصرار ليفني بعد لقاءات خمسة على رفض برنامج خصمها الانتخابي، ولا تبدو هذه التحركات لغاية الآن سوى استجابة لحاجة تشكيل حكومة موسعة قابلة للحياة وقادرة على مواجهة تحديات حرب غزة وترميم آثارها السلبية على الدبلوماسية الاسرائيلية.
واحد من الخيارات
ويقول المقربون من نتانياهو ان اللقاء المغلق مع هيلاري حمل أكثر من ذلك، إذ تعهد رئيس الوزراء المكلف بالانخراط في «حوار» وليس مفاوضات مع الفلسطينيين شريطة عدم الزامه بحل الدولتين وابقائه واحداً من الخيارات الموضوعة على الطاولة، وأن المرحلة الاولى ستتركز في دعم اقتصاد الفلسطينيين.
ووفق الوقائع الحالية، فإن ادراة أوباما حاول جس نبض اسرائيل تجاه معضلة الاستيطان، ولكن في الداخل جاء الرد غير متوقع، فالحكومة الراحلة بقيادة ايهود أولمرت عمدت إلى تمهيد الطريق أمام نتانياهو، باقرارها جملة من التوسعات الاستيطانية غير المسبوقة في الضفة والقدس، كما أنها سلمت ورقتي الجندي جلعاد شليت والتهدئة في قطاع غزة لنتانياهو ليراوغ واشنطن بهما في الفترة المقبلة أملاً في تأخير اطلاق مفاوضات سلام لأطول فترة ممكنة.
تجربة مريرة
ووفق التقديرات الاسرائيلية، فإن أوباما سيضطر إلى مجارات نتانياهو، لاعتبارات الملفات الاميركية المثقلة بمصائب سلفه بوش، إذ ستبقى على الجانب الآخر من الاقتصاد معضلات العراق وأفغانستان وإيران وسوريا وروسيا وكوريا الشمالية على رأس الأولويات شريطة ألا تشاغب اسرائيل أو تغرد خارج السرب، كما أن الادارة الحالية تعي التجربة المريرة مع نتانياهو في حكومته الاولى (1996-1999) ولا تريد أن تعيد نفس السيناريوهات.
فنتانياهو في الفترة الاولى فرض الاستقرار في الاراضي المحتلة لكنه جمد المفاوضات مع سوريا، كما رفض الانسحاب من كامل الخليل واعاد التفاوض على أوسلو - 2 ، وفي واي يفر بدلاً من أن يناقش مع الرئيس الاسبق بيل كلينتون توسيع المناطق «أ» والانسحاب من المناطق «ب» أخذ يجادله في مسألة الافراج عن الجاسوس جوناثان بولارد، وعندما زاد الضغط على تل ابيب أُغرق كلينتون بفضيحة مونيكا لوينسكي، فوجه بذلك صفعة قوية كادت تجبر الرئيس الاميركي على الاستقالة، ويخشى أن يوجه صفعة من نوع جديد لأوباما أيضاً في المستقبل القريب.
لماذا نتانياهو؟
قبيل الانتخابات وفي ديسمبر الماضي تحديداً، أفرزت نتائج الانتخابات التمهيدية داخل «الليكود» سيطرة كاملة لليمين المتطرف على الحزب، وتوضح أن نتانياهو الذي توقعت الاستطلاعات قبل حرب غزة أن يحصل على 34 مقعداً في «الكنيست» لن يخرج عن نطاق هيمنة اليمين المتطرف القادم إلى الحكم، فالنتائج أظهرت تفوق جدعون ساعر الليبرالي المتحفظ على عملية السلام، بحصوله على أعلى الاصوات، كما حصل جناح جلعاد أردان الداعم للاستيطان دون رادع على غالبية المقاعد العشرين الأولى، في حين خرج حلفاء نتانياهو من المنافسة إذ تذيلت ميري ريغيف ومعها عوزي ديان وآساف حيفيتس القائمة وجاءوا في أماكن متأخرة وبعد ترتيب 34.
ودخل «الليكود» المنافسة ضد تحالف «كاديما» - «العمل» على رأس تحالف يميني متطرف بالشراكة مع «اسرائيل بيتنا» بقيادة افيغدور ليبرمان، وأدت هذه التحالفات الانتخابية إلى العودة مجدداً لصداع طريقة الحكم في اسرائيل، إذ قضى «كاديما» على اصوات «العمل»، فيما أعاد ليبرمان «الليكود» إلى المرتبه الثانية بحصوله على 27 مقعداً، ولم يفز أي حزب بعدد كبير من الاصوات ليمنحه المرونة في مفاوضات تشكيل الحكومة الائتلافية.
وقرر بيريز حينها اعطاء الافضلية لنتانياهو بذريعة أنه الأقدر وفق القانون، لكن بحسب القانون الأساسي فإن ليفني كانت قادرة على تشكيل الحكومة بالعودة إلى صيغة التحالف السابقة مع «العمل» و«شاس» لتشكل حكومة من 52 مقعداً وبحماية 11 صوتاً للاحزاب العربية وثلاثة أصوات لميريتس الجديد، أو بمعنى آخر العودة إلى صيغة «العمل» - «ميريتس» والاحزاب العربية في التسعينات والتي مررت اتفاق أوسلو.
وكان يمكن لهذا الائتلاف الافتراضي أن يفلت من عنق الزجاجة مستفيداً من الخصومة بين «شاس» و«اسرائيل بيتنا» مع وعود بعدم التفاوض على الحوض المقدس في القدس الشرقية في المرحلة الحالية. إلا أن ليفني وعناصر مؤثرة من داخل «كاديما» غير قادرين على الارتهان للصوت العربي في «الكنيست»، إذ أنه مرفوض في اسرائيل منح أي ثقة للحكومة بالاعتماد على أصوات الاحزاب العربية.
مصاعب الائتلاف
ولكن حتى تكليف نتانياهو نفسه يحمل مصاعب كثيرة، والرأي السائد للمراقبين أنه سيكون من الصعب على هذه الحكومة أن تحقق أياً من أهدافها، بسبب التناقضات الموجودة لدى أحزاب الائتلاف في الأمور الداخلية، وأن عمرها لن يتجاوز ال18 شهراً.
والتحدي الاول ظهر في النزاع على حقيبة الخارجية بين سيلفان شالوم (الليكود) وليبرمان الشريك الرئيسي في التحالف بـ (15 مقعداً)، كما ان مطالبة الأخير بسن قوانين مدنية وتغيير قانون الانتخابات وسن قانون الاخلاص للدولة ليس إلا قنبلة موقوتة قابلة للانفجار بأي لحظة مع حزب «شاس» (11 مقعداً)، ويتوقع أن تلجأ إسرائيل إلى اسلوبها القديم بتحريك قضايا ملفات الفساد ضد ليبرمان لاحقاً لاجباره على التنازل عن كثير من مطالبه الحزبية.
ولو أراد نتانياهو تقديم تنازلات لليفني للتخلص من ابتزاز ليبرمان فإن المشكلة تكمن بتوقع انقلاب داخل «الليكود» نفسه على زعيمه، لأن نتانياهو محكوم أيضاً بتيار قومي متشدد داخل حزبه يرفض برنامج «كاديما» السياسي. إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار مفاوضات سياسية يقودها شاؤول موفاز من «كاديما» وزعيم «العمل» إيهود باراك لتشكيل حكومة ثلاثية تحت قيادة نتانياهو تعمل على تغيير طريقة الحكم في اسرائيل وتكون «جسماً مانعاً» يستمر في المفاوضات مع الفلسطينيين وسوريا.
وتبقى احتمالات تشكيل تحالف ثلاثي ضعيفة جداً، كما أن المراهنة على قدرة أي حكومة في اسرائيل على المضي في مفاوضات السلام تبدو وفق المشهد السياسي في الاراضي المحتلة معدومة جداً، ويفسر ذلك المحلل السياسي مناحيم كلاين بأن «المجتمع الاسرائيلي اتجه فعلا نحو اليمين. وبنتيجة ذلك، من الصعب تخيل ان تكون الحكومة المقبلة مستعدة للقيام بالتنازلات المطلوبة». كما أن وجود «اسرائيل بيتنا» في الحكم يعزز مناخات التوتر في المنطقة ككل، ويعطي ايحاءً بأن المرحلة المقبلة «ستعزز القوى المتطرفة على الجانب العربي أيضاً، وتزيد من احتمالات افتعال الحروب».
ليفني والفولفو والسلام
في ختام اللقاء بين ليفني ونتانياهو قالت زعيمة «كاديما» لصحيفة «يديعوت احرونوت» إنه «ليس لدينا ما نفعله معاً. انا السياسية الوحيدة المستعدة للذهاب الى الصحراء السياسية. كان بوسعي ان اصبح محبوبة العالم وان تلتقط لي الصور كل يوم أحد في جلسة الحكومة. هل هذه مصلحة الدولة؟ تسويغ ايديولوجيا تتعارض مع مصلحة الدولة؟. لو دخلت، على الفور كانوا سيقولون أني التصقت بالفولفو وسيسألون بعد شهرين: لماذا لا تستقيلين؟».
وفي حكومات اسرائيل عموما يتم استخدام سيارات الفولفو عوضا عن المرسيدس لأنها من صناعة ألمانيا النازية، فيما لم يمنع ذلك من استحلاب ألمانيا طوال الستين عاما الماضية على سبيل التعويض من «الهولوكوست». وعودة إلى ليفني التي بت قرارها بالتوجه للمعارضة بالقول «الحكومة ليست خطة بقاء. قررت مبدأ وأنا مصرة عليه. توجد خلافات عميقة في المجال السياسي. ليس لدي ما ابحث عنه في حكومة أساسها عدم التقدم في مسيرة السلام». ويعتقد أشير كوهن، من جامعة بار ايلان قرب تل ابيب أن «الفلسطينيين يرون ان ليفني هي السياسية الوحيدة في اسرائيل المعنية بالتوصل الى اتفاق سلام».
الجمهورية الثانية
نتائج الانتخابات زادت الوعي الشعبي في إسرائيل لما كان معروفاً منذ زمن «الحكم الاسرائيلي ليس فعالاً»، ففي ظل الواقع الحالي، لا تتيح القيود المفروضة على الحكومة الاسرائيلية سوى تنفيذ عمليات الادارة اليومية. فاسرائيل خليط من الطوائف والثقافات والاقليات، ملزمة بتحديد قواعد واضحة من خلال دستور ووثيقة حقوق. هذه كانت رسالة مفتوحة وجهها اكاديميون يهود وصاغ أفكارها سكرتير الحكومة الاسرائيلية المستقيلة عوفيد يحزقيل، ونشرت في «يديعوت أحرونوت» وتطالب بتنظيم العلاقة بين «الكنيست والحكومة».
ويرى يحزقيل أنه «في ظل الوضع القائم، يمكن القول ان الدولة لا تتقدم للامام فقط، لا بل انها تفقد ما قد حققته بسبب المشاكل التي تعاني منها في اتخاذ القرارات والمشاكل الصعبة في التنفيذ»، ويشير إلى أن الاستخلاص المطلوب من كل ذلك هو ان «الجمهورية الاولى في اسرائيل قد انهت ايامها. من الواجب ان ترحل عن هذا العالم. علينا ان نرسخ اسس الجمهورية الثانية. التي ترتكز على الدستور والمجتمع المدني لا يمكن للحكومة أوالجهاز السياسي والحزبي ان يتجاهلاها».
الجيل.. المستوطنون والحكم في إسرائيل
لا تعدّ نتائج الانتخابات في إسرائيل مؤشراً على ميول الناخب اليهودي الحزبية، بقدر ما هي اشارات لتوجه الجمهور في طريقة معالجة القضايا الكبرى، القدس والأمن والهجرة، والذي يحكمها عامل (الجيل) كافراز طبيعي للوقائع الموضوعية التي فرضت نفسها على تكوين الدولة الاستيطانية في الأراضي المحتلة وسيرورتها إلى الآن وفي المستقبل، والتي تتجلى بسؤال من الأحق بحكم اليهود في مرحلة ما؟، بما يتجاوز صناديق الاقتراع والمعايير التقليدية لحكم الأحزاب وتداول السلطة.
والجيل كاصطلاح «سوسيوبولتيك» إسرائيلي، مؤشر مركب يستقرئ توجهات الحكم تبعاً لأي صهيونية ينتمي لها اليهود الآن، وينقادون لها بما لا يتساوق مع التغيير في المجتمع الطبيعي بل بالنظرة إلى الفلسطينيين، وهو ما عبّر عنه بن غوريون بحتمية (المملخاة) أو قيادة الوعي اليهودي لصالح حماية الدولة، فيما لخصه الأكاديمي اليهودي غيرشون شافير بظاهرة الاستعمار الصهيوني المتجدد، أما باروخ كيملينغ فأعاد المصطلح بالكامل إلى قانون (من يحكم إسرائيل - من يبيد الفلسطينيين سياسياً).
وبالنظر إلى تاريخ إسرائيل نجد أن (الجيل) كان دائماً المركب بين أيديولوجيا المهاجرين اليهود وطبيعة النشاط الاستيطاني واللذان يفرزان الحكومة في اسرائيل، بمعنى أنه في زمن العمل العبري والهجرات الصهيونية الخمس هيمنت على الوكالة اليهودية في فلسطين أيديولوجياً جيل (الصهيونية العمالية) المتحدرة من روسيا وبولندا، والتي هيمنت على صوت الناخب اليهودي طوال الفترة ما بين 1935 وحتى العدوان الثلاثي على مصر.
لتبدأ بعدها مرحلة الصدام جيلي «اليشوف» والدولة، وبين النخبة المتجاهلة لـ «الهجرة الجماهيرية» والقوى الأشكنازية البرجوازية المهيمنة على يهود العراق والمغرب، وهذه الفترة من الخمسينات والستينات من القرن العشرين عرفت بمرحلة الاطاحة بدفيد بن غوريون وصعود جيل اسحق رابين (مواليد الارض) من داخل عباءة حزب «الماباي» والتي ترجمت سياسياً بحسم مشروع الدولة (حرب 1967) وبدء ثورة الفهود السود (تمرد اليهود الشرقيين) ونهاية مبادرة «ماتسبن».
وبين صعود العلمانية إلى أعلى درجاتها في اسرائيل قبل حرب أكتوبر وتشكل جبهة رواد الاستيطان الديني في الضفة الغربية والقدس (المفدال - البيت اليهودي) صعد جيل ثالث (المتدينين الشرقيين) والذي تسلل إلى الحكم تحت قيادة مناحيم بيغين (حكم الليكود) واصطدم باخفاق 1982، لتدخل إسرائيل بعدها حقبة التنافس بين خريف الصهيونية العمالية وبين عنفوان الصهيونية الجديدة (اليهودية الاثنية) لتحسم عناصر أربعة (هجرة الروس، أوسلو، انتفاضة الاقصى، الانسحابات الاحادية) الصراع لصالح جيل المستوطنين الجدد، وذلك وفق تعريفات جديدة ومغايرة للانساق السابقة.
إذ لم يعد في اسرائيل الحالية أي اتصال مادي مباشر بالإرث الصهيوني الاسرائيلي، فغالبية الجمهور في الأراضي المحتلة أسقط من الوعي الانتماء للأسرلة (مجتمع إسرائيلي يعترف بتعدد الديانات) ويعرف ذاته بأنه يهودي متعدد القوميات، ومع توافد أكثر من مليون شخص غير منتمين للعبرية في السنوات العشرين الماضية، فقد خيار تحصين الهوية بالانفصال عن غالبية الفلسطينيين جاذبيته، لصالح التنافس بين اليهودية العلمانية واليهودية الدينية أو بمعنى أدق (اليمين ينافس اليمين) على التهديد بطرد العرب وتعزيز الاستيطان وتحجيم مشروع الدولة الفلسطينية.
رامي سلامة