يحتفظ رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بشخصيةٍ كاريزمية جعلت منه مسؤولاً محبوباً في صفوف غالبية الشعب الروسي. فضابط جهاز الاستخبارات«كي جي بي» السابق وخليفة الرئيس الراحل بوريس يلتسين، يعرف في أروقة الكرملين ببطل حرب الشيشان مطلع القرن الجاري بوصفه الفاعل الأساسي في تلك الحرب التي وضعت أوزارها بانتصارٍ كاسح للقوات الروسية على المتمردين الشيشان.
ولكن بوتين، بطل الجودو وصائد النمور المتوحشة، كما يصفه محبوه، لم يمتلك موهبة التحفظ التي يفترض بها أن تلازم ضباط الاستخبارات الذين يحفظون عن ظهر قلب المثل القائل: «السكوت من ذهب». إذ وقع رئيس الوزراء الروسي أكثر من مرة في زلات لسانٍ «إرادية» إن صح التعبير، حيث يعرب بعض خصومه عن تشكيكهم من أن يكون بوتين في الحقيقة بجاهلٍ عما يقد يسبب له كلامه من متاعب وعواقب، فيما يشير آخرون إلى أنه شخصية عفوية غير منمقة قد تقع في أخطاء بعض الأحيان.
ففي إحدى المرات، أطلق بوتين العنان لغضبه بعدما نصح مراسل صحيفة «لوموند» الفرنسية خلال مؤتمرٍ صحافي بأن «يقوم بختان نفسه» إثر انتقاداتٍ للصحافي تجاه ممارسات الجيش الروسي في الشيشان، فما كان من بوتين إلا أن طلب من المراسل أن «يخضع لعملية ختان في روسيا»، متهماً إياه بالتعاطف مع المتمردين.
وفي زلةٍ أخرى أثارت حرجاً كبيراً، ذكر بوتين لمذيعة في التلفزيون الإسرائيلي في معرض رده على سؤال بشأن تزويد بلاده لصواريخ «إيغلا» لسوريا أن المقاتلات الإسرائيلية «لن تتمكن من الآن فصاعداً من التحليق فوق قصر الرئيس السوري»، في إشارةٍ إلى اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء السورية قبل أعوام.وحاول بوتين استدراك عباراته الثقيلة تلك بالتأكيد على أنه كان يعني بطبيعة الحال أن مهمة تلك الصواريخ تنحصر في حماية الأجواء السورية.
إسرائيلياً أيضاً، أسهب رئيس الوزراء الروسي في مدح الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كتساف، المتهم بالاغتصاب، في لقاءٍ مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المنصرف إيهود أولمرت قائلاً إنه «يحسده» لقدرته على «اغتصاب عشر نساء»، واصفاً إياه بـ «الرجل الحقيقي».
أما أوروبياً، فكان لبوتين صولاتٍ وجولاتٍ عديدة مع المسؤولين الأوروبيين حيال العديد من القضايا.فخلال اجتماعه برئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني العام 2003، طلب منه الأخير إرسال قوات روسية إلى العراق على غرار إيطاليا نفسها، فرد عليه بوتين بكل برود متسائلاً: «وهل نحن مجانين!».
وفي الصيف الماضي وإبان حرب جورجيا الأخيرة، سربت مجلة «لو نوفيل أبزرفاتور» الفرنسية فحوى مكالمة هاتفية هدد خلالها بشنق الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي بالمقلوب خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، مضيفاً: «لم لا؟،فقد شنق الأميركيون صدام حسين».
ووصلت«قفشات» بوتين حتى حدود الولايات المتحدة التي اتسمت علاقته بالإدارة السابقة بالكثير من التوتر.فبعد زيارةٍ إلى واشنطن، أجاب على سؤالٍ عما إذا كانت الدعوة التي لباها للمبيت في مزرعة الرئيس السابق جورج بوش في ولاية تكساس «أقلقته»، بالقول إنه «إذا كان هناك من سيقلق فهو بوش الذي استضاف رجل استخبارات سوفيتي سابقاً في مزرعته».
وبرغم نكاته وزلات لسانه تلك، يبقى بوتين متمتعاً بشعبيةٍ كبيرة في روسيا ربما لكونه ترأس البلاد مع إشراقة اليوم الأول للقرن ال21 وهو لم يكد يبلغ من العمر 47 عاماً، في وقتٍ تعود فيه الروس على تولي (الكهول) لزمام الأمور في وطنهم.أو ربما لأنه يشبه، بحزمه، قياصرة روسيا في العهود الغابرة بعدما أعاد للكرملين شيئاً من هيبته الضائعة.
دبي - رؤوف بكر
