توجه الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب تاريخي الى القادة الايرانيين وعرض عليهم تجاوز نزاع مستمر منذ 30 عاما، مستخدما خطابا شابته العاطفة والتودد الى طهران، في الوقت الذي رحبت فيه القيادة الإيرانية، وإن بتردد بالمبادرة، مؤكدة ان على الولايات المتحدة اتخاذ مسلك جديد في العلاقات وأن تقدم أفعالاً، بينما أعلنت عن تشغيل بوشهر النووي نهاية العام.
وهنأ الرئيس الأميركي النظام والشعب الايراني بمناسبة رأس السنة الإيرانية (النيروز). وقال في خطاب مسجل على شريط فيديو رافقته ترجمة باللغة الفارسية: «اود ان أتقدم بأحر التهاني الى كل من يحتفلون بعيد النيروز في كافة أنحاء العالم. هذه المناسبة هي تقليد قديم ولحظة تجديد وآمل في أن تستمتعوا في هذا الوقت الخاص من العام مع أصدقائكم وعائلاتكم».
وأضاف: «أود التحدث بشكل خاص مباشرة الى الشعب والقادة في جمهورية ايران الاسلامية. النيروز هو جزء من ثقافتكم العظيمة والجليلة. وعلى مدى قرون اسهمت موسيقاكم وأدبكم وابداعكم في جعل العالم مكانا أفضل وأجمل..
هنا في الولايات المتحدة ساعدت مساهمات الايرانيين الاميركيين في تعزيز مجتمعاتنا. نعلم انكم تملكون حضارة عظيمة كما اكتسبت انجازاتكم احترام الولايات المتحدة والعالم» وأشار الى أنه «على مدى ثلاثة عقود كانت العلاقات بين بلادنا متوترة. لكن في هذه المناسبة نذكر العناصر الانسانية المشتركة التي تجمع بيننا».
واسترسل أوباما بعاطفة لافتة قائلا: «ستحتلفون بالتأكيد بالعام الجديد بالطريقة نفسها التي يحتفل فيها الاميركيون بأعيادهم.. بالتجمع مع الاصدقاء والعائلة، وتبادل الهدايا والحكايات والتطلع الى المستقبل بروح متجددة من الامل.
هذه الاحتفالات تحمل في طياتها وعدا بيوم جديد، وعدا بفرصة لأطفالنا والامن لعائلاتنا والتقدم لمجتمعاتنا والسلام بين الدول. هذه آمال مشتركة، واحلام مشتركة».وأضاف أنه «في فصل البدايات المتجددة هذا، أود ان أتحدث بوضوح الى القادة الايرانيين.
هناك خلافات خطيرة ازدادت مع مرور الوقت. ادارتي ملتزمة الان ممارسة دبلوماسية تعالج كافة المشاكل التي نواجهها والسعي لاقامة علاقات بناءة بين الولايات المتحدة وايران والاسرة الدولية».
وتابع القول إن «هذه العملية لن تتقدم بالتهديد. نسعى بدلا من ذلك الى حوار نزيه وقائم على الاحترام المتبادل. انتم ايضا امامكم خيار. الولايات المتحدة تريد ان تأخذ جمهورية ايران الاسلامية مكانها الصحيح بين الدول. انتم تملكون هذا الحق.. لكنه يأتي بمسؤوليات حقيقية ولا يمكن شغل هذه المكانة بالارهاب ولا بالاسلحة بل بالتحركات السلمية التي تبرهن على العظمة الحقيقية للشعب والحضارة الايرانية.
مقياس هذه العظمة لا يتجسد في القدرة على التدمير، بل في قدرتكم على البناء والابداع. لذلك وبمناسبة عامكم الجديد، أريدكم يا شعب وقادة ايران ان تفهموا المستقبل الذي نسعى اليه. انه مستقبل الاتصالات المتجددة بين شعبينا والفرص الاكبر للشراكة والتجارة.
انه مستقبل يتم فيه التغلب على الانقسامات وفيه تعيشون ويعيش جيرانكم والعالم الاوسع بأمن وسلام اكبر». اضاف: «اعلم انه لا يمكن التوصل الى ذلك بسهولة. هناك من يصرون على ان تميزنا خلافاتنا. لكن دعوني اذكركم بالكلمات التي كتبها الشاعر سعدي قبل العديد من السنوات ابناء ادم هم اطراف لبعضهم البعض لانهم خلقوا من جوهر واحد».
وختم قائلا: «ومع بدء موسم جديد، يذكرنا ذلك بهذه الانسانية الغالية التي نشترك فيها جميعا. ونستطيع مرة اخرى استرجاع هذه الروح في سعينا لتحقيق وعد البداية الجديدة. شكرا لكم، وعيد مبارك».
وبهذه البادرة، قطع اوباما بذلك التقليد الرسمي بتوجيه التهاني الى الشعب الايراني في عيد رأس السنة الايرانية بتوجهه الى النظام الايراني ايضا، وبدون ان يتحدث بشكل واضح عن دعم الارهاب والسعي لامتلاك اسلحة نووية.
ترحيب متحفظ
بدورها، رحبت إيران برسالة أوباما. وقال كبير مستشاري الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد، علي اكبر جوانفكر: «نرحب برغبة رئيس الولايات المتحدة وضع خلافات الماضي جانبا»، إلا أنه حض الرئيس الأميركي على العمل الملموس لإصلاح الأخطاء الاميركية السابقة.
وأكد جوانفكر على أنه «على الادارة الاميركية ان تدرك اخطاءها الماضية وتصلحها وذلك كوسيلة لوضع الخلافات جانبا».
وقال إن أوباما تحدث عن التغيير الا انه «لم يتخذ اي خطوات ملموسة لاصلاح الاخطاء التي ارتكبت سابقا في حق ايران» واكد ان على اوباما «تجاوز الكلام والقيام بتحرك. واذا اظهر اوباما استعدادا للقيام بعمل، فان الحكومة الايرانية لن تدير ظهرها له»، مشيرا الى أن ايران ترغب في انهاء «العداوات». الا انه اكد على انه يتعين على اوباما احداث «تغييرات اساسية في التوجهات»
واغتنام «الفرصة التي يوفرها عيد النيروز الذي يرمز الى التغييرات في الطبيعة (بداية الربيع)». واضاف ان الخلافات التي اشار اليها اوباما هي نتيجة «التوجهات العدوانية والعدائية والاستعمارية للحكومة الاميركية».
وقال إن «المصدر الوحيد لحالة عدم الاستقرار في المنطقة هو التواجد العسكري الاميركي في العراق وافغانستان»، مضيفاً أن «الدعم الاميركي الاعمى» لاسرائيل هو كذلك سبب للتوتر بين الجمهورية الإيرانية والولايات المتحدة.
تجاهل من خامنئي ونجاد
الى ذلك، اعتبر المرشد علي خامنئي ان القوى العالمية اقتنعت بأنه لا يمكنها وقف تقدم ايران النووي لكنه لم يتطرق بالذكر الى رسالة أوباما.
وفي رسالة مسجلة منفصلة بمناسبة العام الايراني الجديد لم يتطرق الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد أيضا بالذكر الى عرض أوباما الذي جاء في رسالة مسجلة على شريط فيديو بشأن «بداية جديدة» في الحوار الدبلوماسي بين البلدين.
النووي يمضي قدماً
وفي سياق متصل، اعلن وزير الطاقة الايراني برويز فتاح ان ايران «ستستكمل وتشغل» مفاعل بوشهر النووي بنهاية العام في اطار البرنامج النووي الايراني الذي أكد انه سلمي.
وردا على سؤال إزاء ما اذا كانت رسالة اوباما الى الزعماء الايرانيين، قال فتاح ان بلاده «اختارت طريق الحصول على طاقة نووية سلمية. وقد حققنا هذا الهدف».
واضاف في مؤتمر صحافي أنه «بعد 20 يوما بالضبط من الان سنقيم احتفالا اخر حيث سنحتفل بالانجازات التي حققناها للحصول على طاقة نووية سلمية. وستسمعون هذه الاخبار». وتابع أن «ايران ستنتهي وتشغل مفاعل بوشهر بنهاية هذا العام».
المبادرة ستلقي بظلالها على العراق وفلسطين ولبنان
رأى خبراء أميركيون وايرانيون ان مبادرة الرئيس باراك اوباما نحو ايران، يمكن ان تمهد الطريق لانهاء ثلاثة عقود من التوتر بين البلدين، ما سيحقق الاستقرار في كل من العراق وافغانستان ولبنان واسرائيل والاراضي الفلسطينية.
وأكد الخبير في منع انتشار الأسلحة النووية ورئيس صندوق «بلاوشيرز» جو كيرينكيون ان «ايران دولة محورية في حل اصعب التحديات في السياسة الخارجية الاميركية». واضاف ان «هذه التحديات متداخلة واوباما يفهم ذلك»، مشيرا الى أن أوباما استخدم في خطابه كلمات مهمة بالنسبة للايرانيين مثل «الاحترام المتبادل.. الايرانيون يريدون ان يكونوا على طاولة المفاوضات متساوين مع الطرف الاخر».
وبالنسبة لكيرينكيون فان اللهجة التي تحمل احتراما في المبادرة تذكر «بالتحركات التي قام بها نيكسون تجاه الصين» عندما بدأ حوارا استراتيجيا مع بكين وعزز ميزان القوى الاميركية مع الاتحاد السوفيتي.
بدوره، رأى رئيس المجلس الايراني الاميركي القومي كيرينكيون وتريتا بارسي ان بادرة اوباما كانت لبقة لانها خلت من التضخيم وتطرقت الى المخاوف الايرانية ووعدت بتغيير استراتيجي وليس تكتيكيا في العلاقات.
وافاد بارسي بأن «القيادة الايرانية افزعتها محاولات ادارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش تغيير النظام»، مشيرا الى عبارة اوباما التي ذكر فيها ان «الولايات المتحدة ترغب في ان تأخذ الجمهورية الاسلامية مكانها المناسب في المجتمع الدولي».
وقال بارسي ان القيادة والشعب الايرانيين سيرحبون بدعوة اوباما لوضع المكاسب على المدى البعيد فوق المكاسب القصيرة الامد، وانهاء العداوة المستمرة بين واشنطن وطهران، مضيفاً ان اوباما «يشير الى نية استراتيجية. وهو يتحدث عن هدف اقامة علاقات بناءة بين ايران والولايات المتحدة».
من جهته، اشاد حسين حيراني مجاهد الخبير الايراني في جامعة استراليا القومية في كانبيرا برسالة اوباما. وقال لوكالة «فرانس برس» إن «هذه اول واهم قناة حوار بين البلدين والقيادتين .. وهي ايجابية تماما من كافة النواحي. انها ما يريد الايرانيون ان يسمعوه». وقال ان هذه البادرة تحمل امكانيات تحسن طويل الامد في العلاقات الاميركية والايرانية وكذلك حل المشاكل الاقليمية التي تعتبر ايران طرفا فيها. في اشارة الى أفغانستان والعراق ولبنان والأراضي الفلسطينية.
واعرب عن اعتقاده بأن «القيادة الايرانية سترد بشكل ايجابي على تلك البادرة، ولكنها ستذكر الولايات المتحدة بحقوقها ومصالحها».
حدث وحديث
ــ أعرب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا عن أمله في ان تكون الرسالة التي وجهها الرئيس الاميركي باراك اوباما الى ايران بداية «فصل جديد» في العلاقات الدولية مع طهران.
ــ اعتبر الفرنسي نيكولا ساركوزي بادرة اوباما حيال ايران «نبأ ساراً» يعبر عن «التزام اميركا مجددا في الملف الايراني».
ــ أعلنت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل ان رسالة أوباما تجسد وجهة النظر الاوروبية حيال ايران وقالت «أعتقد أن الرسالة تجسد بدقة ما كان يرغب فيه الاوروبيون دائما.. ألا وهو تقديم عرض لايران».
ــ اعتبرت روسيا ان استئناف الحوار بين الولايات المتحدة وايران يمكن ان يساهم في ارساء الثقة بطبيعة البرنامج النووي الايراني.
ــ رحب وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني «بروح القيادة الكبرى» التي أبداها اوباما تجاه ايران وقال «أنه (أوباما) ابدى روحا قيادية كبرى»: وأضاف: «سنرى الخطوة التالية في لاهاي» التي تستضيف في اواخر الشهر مؤتمرا دوليا حول افغانستان.

