في الثمانينات من القرن العشرين.. أطلق البروفيسور بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي الوصف التالي على منطقة الشرق الأوسط: «قوس المتاعب».. ويبدو أن هذه التسمية هي التي استوحاها «كينيث بولاك» مؤلف كتابنا الذي نختتم معه اللقاء في هذا الحديث، فها يعود ليطلق على الشرق الأوسط وصفا مشابها يقول فيه: منطقة الأزمة وهذا هو بالضبط العنوان الرئيسي الذي اختاره المؤلف للباب الخامس الذي يعرض فيه آخر الطروحات التي يتصورها بالنسبة لاستراتيجية شاملة تعتمدها وتنفذها الولايات المتحدة من أجل تحقيق مصالحها ـ الحيوية حتى لا ننسى ـ في منطقة الشرق الأوسط.

ويضم هذا الباب 4 فصول يجمع ما بينها عامل مشترك.. هو الاهتمام الشديد بقضايا الأمن بكل خطورتها وانعكاساتها السلبية على اللاعبين الأساسيين سواء على صعيد المنطقة أو في الولايات المتحدة نفسها. من هذه الأبواب ما يتعرض للوضع في العراق ويسميه المؤلف «المعضلة».. ومنها ما يتحول إلى علاقات الشد والجذب المتوترة بين واشنطون وإيران ويصفها المؤلف بأنها «التحدي» ـ وبديهيا أن يكون منها أيضاً الصراع العربي ـ الإسرائيلي ويصفه المؤلف بأنه «بالغ الأهمية». من جانبنا نحمد للمؤلف ـ من منطلقنا العروبي ـ أنه يستخدم مصطلح «الصراع» وليس مجرد النزاع.. دليلا على عمق القضية ثم أنه يستعمل مصطلح «العربي» فلا يقصر فقط الصراع على جانب فلسطيني وباعتبار أن المشروع الإمبريالي الصهيوني في المنطقة موجه عدائيا إلى كل أطرافها وليس إلى الشعب الفلسطيني فحسب.

أما الباب الختامي من الكتاب فهو بالغ التكثيف ومن ثم فهو لا يضم سوى فصل واحد فقط.. وإن كان الباب يستمد أهميته من أنه يلقي نظرة شاملة على آفاق المستقبل. يمضي المؤلف ليوضح كيف أن أساليب إدارة الصراع بين واشنطون وموسكو ظلت هي المعتمدة بصورة أو بأخرى خلال السنوات الأخيرة وخاصة في إدارتي كلينتون وإدارة بوش الراهنة. وتحت شعار سياسة «الاحتواء» وقد قال بها الدبلوماسي الأميركي المخضرم جورج كينان لتقضي بمحاصرة الدب الروسي.. داخل أراضيه حتى لا يصل إلى المياه الدافئة.. وقد طبقتها واشنطون بدرجات متفاوتة من النجاح.. المشوب بالفشل في كثير من الأحيان.

عودة إلى سياسة الاحتواء... ورغم انتهاء الحرب الباردة فقد عاودت إدارة كلينتون إلى إتباع «سياسة الاحتواء المزدوج» بالنسبة لكل من إيران والعراق مع محاولة بذلها كلينتون شخصيا للتوصل إلى تسوية سلمية لصراع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ولم تنجح سياسات كلينتون في رأي المؤلف.. ناهيك عن فشل سياسات بوش.. لأن كلتا الإدارتين اعتمدتا في رأيه أيضاً ؟ سياسة مستقاة من أيام الحرب الباردة دون أن تراعي طبيعة وحجم المتغيرات التي استجدت في العقود الأخيرة على الحالة في الشرق الأوسط. والحاصل أن واشنطون ؟ بوش أقحمت نفسها وإمكاناتها في أرض العراق وخلقت من ثم معضلة ثنائية الطرفين بمعنى أنها مثل المركبة التي ساخت قوائمها بالغرز بين طيات الرمال الناعمة.. والخداعة أيضا.

قال الجندي البسيط

وبعيدا عن التنظير السياسي.. يحكي المؤلف عن زيارة قام بها مؤخراً إلى العراق.. وفي حديث شخصي مع العسكر.. أوجز المعضلة جندي أميركي بسيط حين قال (ص 341):

يا سيدي: نحن لا نستطيع البقاء.. ولا نستطيع الرحيل.. وأيضا لا نستطيع أن نفشل. فماذا عسانا فاعلون؟

يعلق المؤلف في هذا الصدد قائلا:

من منظور الاستراتيجية الكبرى التي نطرحها في هذا الكتاب، وأيضا من منظور مصالح أميركا الأوسع نطاقا.. لا بد أن نقول إن كل إجراء تم اتخاذه (من جانب إدارة بوش) بشأن العراق أسفر عن عواقب سلبية جسيمة للغاية.. وبمعنى أن جاءت سلبياته أفدح بكثير من إيجابياته. ثم يقول المؤلف: تلك هي المحصلة الموروثة عن أخطاء ارتكبت بغير حصر من جانب إدارة بوش في الأشهر التي سبقت غزو العراق والأشهر التي تلت هذا الغزو.ومن عجب أن المؤلف ما زال مؤمنا بأن على أميركا أن تختار بين الأمور الثلاثة بكل مرارتها.. بمعنى أن تبقى.. أو أن ترحل أو أن تفشل.. وهناك ثمن مدفوع لأي خيار منها في كل حال.

ثم ماذا عن إيران؟

بالنسبة لإيران تنصح الاستراتيجية التي يطرحها المؤلف بأن يتوخى الجانب الأميركي تحقيق الأهداف وأن يتغاضى ؟ ولو إلى حد التساهل ؟ عن وسائل الوصول إلى تلك الأهداف.

ومن الواضح أن التركيز لا يزال على أهمية صرف طهران عن مواصلة نشاطها النووي وفي الوقت ذاته إبعادها عما يصفه المؤلف بأنه دعم للجماعات الإرهابية وكذا معارضتها لسلام يقوم بين العرب وإسرائيل.

ورغم أن كلا من هذه الأهداف التي يصفها الكتاب بأنها غربية (بمعنى ليست مقصورة على أميركا) يمكن الرد عليها بمقولات تؤكد فيها طهران أن نشاطها النووي سلمي التوجهات.. وأن حزب الله جماعة وطنية لا تمارس الإرهاب وأن ليس هناك رفض للسلام بقدر ما أن الرفض ينصب على الاحتلال الصهيوني للأرض العربية وأن السلام لا بد وأن يكون عادلا، رغم هذا كله فالمؤلف يمضي إلى نصح واشنطون أن تتساهل في أمر الصياغات والطرائق التي يمكن من خلالها التفاهم مع الإيرانيين: محادثات على أي مستوى.. مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة.

تبادل أفكار عن طريق وسطاء.. هنا لا يجدي التمسك بالشكليات.. بل الأهم تحقيق الأهداف.. على أن يتم هذا من منطلق الوعي بالشعار ؟ التحذيري كما قد نسميه الذي يركز عليه المؤلف بصدد «التحدي الإيراني» وقد حرص المؤلف على أن يصوغه في عبارة واحدة أفرد لها عنوانا بأكمله (ص 370) والعبارة تقول بغير مواربة ما يلي:

ــ حذار من الخيار العسكري

ثم تجاوبها عبارة أخرى هي أقرب إلى النصيحة (ص 372) وتقول بدورها:

ــ عودوا إلى (سياسة) الاحتواء.

وبين التحذير والنصيحة.. يحاول المؤلف التدليل على نجاعة سياسة المحاصرة أو الملاحقة الدبلوماسية أو السياسية أو الاقتصادية على أساس أنها أوفى بالغرض بدلا من الركون إلى الحرب بكل ما ينجم عنها من أخطار.

لا للحل العسكري

الأسلوب العسكري ليس دائما الحل الأمثل للمشكلات الدولية. هكذا يؤكد مؤلف الكتاب. وهو يدلل على ما يقول من خلال استقراء أحداث التاريخ المعاصر القريب نسبيا.

يحكي (ص 421 وما بعدها) عن صفقة الأسلحة التشيكية التي عقدها جمال عبد الناصر في عام 1955 وعن إقدامه على تأميم قناة السويس عام 1956 ونهوضه ليصبح «زعيم حركة القومية العربية» التي كانت تهدد بتقويض هيمنة الغرب (وقتها) على مقاليد الشرق الأوسط.

ويضيف المؤلف أن هذه الإجراءات «جاءت بدورها لتدفع كلا من بريطانيا وفرنسا إلى شن حرب السويس في عام 1956 إذ كانتا تأملان في الإطاحة بعبد الناصر وإعادة تأكيد سيطرتهما على أقدار المنطقة». وبديهي أن الحل العسكري لم يجد فتيلا فقد بقي عبد الناصر زعيما عربيا في القاهرة ولكن انهارت ثم انتهت الكيانات الإمبراطورية لكل من لندن وباريس.

النجوم تأتي من الصين

الدرس التاريخي الثاني.. أكثر قربا من زماننا وربما أكثر طرافة أيضا: إنه درس الصين كما يعرضه المؤلف حيث يراه نموذجا قابلا للنسج على منواله بالنسبة لاستراتيجية عظمى في الشرق الأوسط.

يقول المؤلف: جاءت إلى المنطقة مؤخرا دون أن تشغل نفسها لا بأساليب الحكم، ولا بأنماط الثقافة ولا بعلاقات النظم ومواطنيها. لا بمواريث التاريخ ولا بتعقيدات الزمن الحاضر. لم تقصد أبواب السياسة.. ولا الدبلوماسية ولا التعقيدات الثقافية.

دخلت الصين إلى ساحة الشرق الأوسط من باب وحيد هو: التجارة. ومن عجب أن كان هذا هو حال سائر القوى الكبرى على مدى مراحل مختلفة من التاريخ الحديث كانت فيها التجارة هي المفتاح السحري إلى المنطقة وشعوبها.

يقول المؤلف في هذا المضمار (ص 423): عبر الشرق الأوسط.. أصبحت الصين هي أحدث وأهم قوة خارجية تفد إلى المنطقة وأكثرها شعبية وقربا من وجدان الناس.. ومن الرباط إلى القاهرة ومن بغداد إلى دبي إلى طهران.. أصبح رجال الأعمال الصينيون ومسؤولو الحكومة الصينية هم النجوم الجدد في الشرق الأوسط.. بالضبط كما كانوا يفعلون مع رجال البيزنس الأميركان ومبعوثي واشنطون الحكوميين من 50 إلى 60 سنة من عمر زماننا.

حقائق

أخيرا، وفي معرض الحديث عن قضية إسرائيل وخطوات إقرار السلام في الشرق الأوسط، في إطار الاستراتيجية الأميركية المقترحة، يؤكد المؤلف على عدة حقائق يراها جوهرية بالنسبة للمصالح الحيوية للولايات المتحدة. وفي مقدمة هذه الحقائق ما يلي:

ــ إن السلام معناه ضمان أمن بل وجود إسرائيل بالدرجة الأولى حيث أن حياة سكانها (من الإسرائيليين) ما برحت مهددة ومزعزعة الاستقرار

ــ إن السلام معناه أيضاً إزالة حالة التوتر التي تصرف المنطقة عن تطبيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي يتصورها الكتاب بالنسبة لسكان المنطقة

ــ السلام معناه كذلك أن تتحرر أميركا من الوقوف عند الخيار الصعب بالتزامها بتأييد إسرائيل (لإرضاء اللوبي اليهودي الداخلي) وهو ما يزيد من مشاعر غضب وسخط الأطراف العربية على الولايات المتحدة وسياساتها.

ــ إن السلام في التحليل الأخير، معناه القضاء على بؤر التوتر وإتاحة السبيل لإصلاحات جذرية تصب في صالح شعوب المنطقة ؟ كل هذا كفيل بتقليص، إن لم يكن إنهاء، الأسباب الداعية إلى العنف الذي يعرفه المصطلح الأميركي المفضل باسم.. الإرهاب.

وفي هذا ينقل المؤلف ملاحظة أبداها البروفيسور «شبلي تلحمي» وتفيد بأن حوادث العنف انخفضت بشكل ملحوظ في المنطقة في الفترة 1999-2000 عندما «ساد الاعتقاد بين جماهير الشرق الأوسط بأن ثمة عملية سلام تمضي على قدم وساق (كامب ديفيد الثانية في آخر حقبة كلينتون) وأنها كفيلة بأن تفضي إلى العدالة والأمان لسائر الأطراف.

في التحليل الأخير يخلص المؤلف إلى أن الشرق الأوسط منطقة حافلة بكل عوامل التوتر وبؤر المشاكل واحتمالات الصراع. لكنه يعترف موضوعياً أنها ليست الوحيدة في هذا كله: لقد كانت ساحة لاقتتال الأخوة وللحروب الأهلية والقتل والأوبئة والموت جوعا.. على مراحل شتى من تاريخها.

يضيف المؤلف قائلا إن أميركا ساعدت أوروبا بعد الحرب العالمية الأخيرة على أن تعيد بناء نفسها وعلى معاودة انطلاقاتها من جديد.

ومن ثم فالشرق الأوسط أمامه فسحة من الأمل يتعين على أميركا بحكم مصالحها.. أن تتواصل مع شعوبه.. بشرط أن يكون ذلك ضمن رؤية مستنيرة واستراتيجية عامة تدرك موضوعياً أخطاء الماضي وإلا عادت كي تكررها فتدفع ثمنها من جديد.

الصفحات: 540

الكتاب: مسار خارج الصحراء

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: راندم هاوس، نيويورك