على مدار الحلقات الأربع الماضية أسهب كتابنا في تفاصيل الحديث عن أهمية الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط بالنسبة للإستراتيجية الكبرى التي يقترحها المؤلف على واشنطن، من منظور مصالح أميركا بالطبع..
وفي مجال هذا الإصلاح السياسي كان طبيعيا أن يشدد المؤلف على قضية الديمقراطية، أو بصورة أدق قضية التحول الديمقراطي التي قد تبدأ بتعميق إحساس وروح المواطنة لدى الإنسان العادي في الشرق الأوسط، العربي المسلم في غالبية سكانه.. ولكن هذه الممارسة الديمقراطية لن تنتهي إلا عندما يتم تمكين هذا المواطن العادي من اختيار نوابه ووزرائه وممثليه الذين يرفعون صوته ويصغون إلى مظلمته ويعايشون ما يعانيه في سائر نواحي الحياة، هذا فضلا عما يركز عليه المؤلف أيضاً ـ ونحن نوافقه على ذلك تماما ـ من ضرورة الأخذ الأمين بالمبدأ الجوهري في سياسة الحكم الرشيد وهو مبدأ الضوابط والتوازنات ويعني أن تراقب السلطات بعضها بعضا بحيث لا تجور سلطة على أخرى.
مع هذا كله فلا إصلاحات سياسية إلا و تكملها الإصلاحات الاقتصادية.. وبمعنى آخر لا قيمة لصوت المواطن الحر الديمقراطي، إلا عندما يصبح هذا المواطن آمنا على لقمة عيشه في إطار من الإحساس بالعدل الإنساني وتكافؤ الفرصة بين الجميع. هنا ينقلنا المؤلف إلى الإستراتيجية الكبرى المقترحة ولكن في جانب أجندتها الاقتصادية. وبديهي أن الفكر الأميركي المعاصر وخاصة مع حلول القرن الحادي والعشرين وبالذات وبعد تهافت وانهيار التجربة الاشتراكية ـ الماركسية فيما كان يعرف باسم الاتحاد السوفييتي، هذا الطرح الأميركي يتمحور حاليا حول أسلوب واحد في مجال التحولات الاقتصادية وهو:
* أن الديمقراطية في جانبها الاقتصادي تعني اتباع الطريق الرأسمالي في الاقتصاد.. وفي التنمية.. في الاستثمار.
مرحباً باقتصاد السوق وبعبارات أخرى..
* يعني هذا الطرح أيضاً فسح المجال لما أصبح يعرف في الأدبيات العالمية باسم «اقتصاد السوق» بكل ما يرتبط بذلك من إسناد الدور الرائد في اقتصاد المجتمع إلى فعاليات القطاع الخاص وإلى تحرير الأنشطة الإنتاجية والخدمية من قيود النظم الحكومية التي يقول أصحاب هذا الفكر انها تخنق المبادرة الفردية والمنافسة الحرة وتقطع الطريق على روح الابتكار، وتترك النشاط الاقتصادي في المجتمع الحديث نهبا لأمراض ليس أقلها أن يكون ضحية للبيروقراطية الحكومية أو عبدا لقواعد الروتين البالية.
وكل هذا مفهوم وقد يكون مغرياً.. ومن تجارب الدول النامية ما حقق نجاحات مرموقة ومنجزات لا تنكر من خلال الأخذ بأسلوب اقتصاد السوق ـ وتجربة دول جنوب شرقي آسيا وقد حملت يوما وصف النمور خير شاهد على ذلك.
ضحايا تحرير الاقتصاد
لكن المعادلة لها وجه آخر: إن تحرير التجارة في السلع والخدمات وإزالة القيود ورفع يد الدولة عن تنظيم الأنشطة الاقتصادية بهدف وقف اتجاهات الاستغلال.. كل هذا يؤدي بداهة إلى رفع الأسعار.. وإلى تسريح قوى عاملة كثيرة من المؤسسات التي تخضع لعمليات الخصخصة.. مما قد يشكل مزيدا من المعاناة ـ وخاصة مع بدايات التحول ـ على كاهل المواطن الفقير.
هنا يحسن مؤلف كتابنا صنعا حين ينّبه إلى هذه السلبية التي تجلت عواقبها في أكثر من بلد حاول الأخذ بأسلوب التنمية الرأسمالية.
* المؤلف يدرك أولا أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تنتظرها أميركا وتتوخى نجاحها ـ لخدمة مصالحها الوطنية في الشرق الأوسط ـ هي عملية لا بد وأن تتبع أسلوب من التدرج الواعي الرشيد والوئيد. وفي ضوء هذه الرؤية يطرح المؤلف أجندة تجسد في تصوره (ص 296 وما بعدها) الجانب الاقتصادي للإستراتيجية الشاملة التي يقترح على أميركا أن تتوخى تنفيذها في منطقة الشرق الأوسط من المغرب غربا إلى إيران شرقا.
خطة سباعية المقياس
نحن إذن إزاء أجندة سباعية.. نحاول أن نوجزها بتكثيف شديد على النسق التالي:
* أولا: على أميركا وحلفائها أن يدركوا بادئ ذي بدء أن التحول (في الشرق الأوسط) إلى اقتصاد السوق أمر ليس بالهيّن ولا الميسور: يكفي أنه ينطوي على إلغاء الرقابة على الأسعار (ضوابط الأسعار كما يسميها الكتاب) وما في حكمها من رسوم.. فضلا عن وضع مقاليد الصناعات في يد فعاليات القطاع الخاص، ثم اشتعال حمى المنافسة مع العمالة الخارجية والصناعات الأجنبية..
كل هذا من شأنه ـ كما يوضح المؤلف ـ أن يفضي إلى آثار «مدمّرة» تلحق بالطبقات الدنيا والوسطى في المجتمعات العربية (والإيرانية) على السواء، تلك الطبقات التي ظلت ردحا لا يستهان به من الزمن محمية من غوائل ارتفاع أسعار السلع والخدمات بفضل نظم الحماية الحكومية.
في هذا السياق بالذات يحيل المؤلف إلى الخبير الاقتصادي العربي «سفيان العيسى» الذي يقترح على أميركا وسائر الدول المتقدمة أن تنشئ برنامجا خاصا للمعونات يكفل مساعدة البلدان الشرق أوسطية على أن «تبنّي شبكة أمان اجتماعي فعالة تعين الفئات المهمشة والطبقات المحرومة على مواجهة الآثار السلبية الناجمة عن برامج الإصلاح الاقتصادي إلى حين يتاح لهذه الطبقات (يسميها المصريون محدودي الدخل) فرصا جديدة وثمارا أفضل نتيجة هذه الإصلاحات.
* ثانيا بديهي أن اقتصاد السوق سوف يكفل فرصا أوسع للأنشطة الاقتصادية السوبر ـ ضخمة أو ما يسمى في المصطلح الدارج باسم حيتان السوق وبعضها يمعن في النشاط الاقتصادي إلى حافة الاحتكار.
وبديهي أيضاً أن مثل هذه الظروف تجعل من الصعوبة بمكان على أصحاب المشاريع الصغيرة أو المتوسطة أن ينافسوا في خضّم هذا البحر الاقتصادي المتلاطم، وهنا تعود الإستراتيجية الأميركية إلى اقتراح أن تبادر أميركا وحلفاؤها ـ بالتواصل مع المؤسسات المالية الدولية ـ البنك والصندوق الدولي بالذات ـ إلى إنشاء برامج للإقراض البالغ الصغر ـ «ميكرو سلفيات» كما قد نترجمها عن مقولات كتابنا، مع تقديمها إلى صغار ومتوسطي المستثمرين كي يبدأوا بها مشاريعهم التي تدر دخلا وتؤدي إلى توليد فرص للعمل..
في هذا السياق أيضاً يوضح المؤلف أن ثمة تجارب أثبتت نجاحها في هذا المضمار وإن كان لم يشر ـ ربما لأغراض المساحة ـ إلى أنجح هذه التجارب على حدود تكاد تتاخم الشرق الأوسط وهي «تجربة بنك الفقراء» ـ التي قدمها الاقتصادي المسلم البنغالي محمد يونس واستحقت جائزة نوبل الدولية الرفيعة.
* ثالثا يؤكد هذا الجانب الاقتصادي ـ الاجتماعي من الاستراتيجية الأميركية على ضرورة أن تبذل واشنطن جهودها مع أصدقائها وحلفائها في الشرق الأوسط على أن يكون جميع العاملين في المشاريع المستجدة والممولة من صناديق المعونة الأميركية أو الأوروبية (أو اليابانية) أو الدولية ـ من أبناء المنطقة دون الحاجة إلى استيراد أي عناصر من الخارج. والمؤلف بهذا يردد ما أصبح يعرف في مصطلحات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأنه الملكية الوطنية للمشاريع.
* رابعا: أن يتوازى مع كل هذه التحولات ـ أو فلنقل الطموحات الاقتصادية المنشودة في الشرق الأوسط ـ طموحات وإجراءات أخرى سياسية واجتماعية وتشريعية تؤكد على سيادة القانون وعدم سجن أصحاب الأصوات المعارضة وتأكيد الديمقراطية وإقرار حقوق الإنسان لكل المواطنين وتمكين المرأة بكل أهميتها في مضمار التنمية البشرية وتكريس مبادئ الشفافية بعيدا عن منطق التعتيم أو التكتيم في زمن الانفجار الإعلامي والمعلوماتي، حيث لم يعد هناك ما يمكن أن يخفى أو يظل مستورا لأمد طويل.. وأخيرا تكريس مبدأ المساءلة بحيث يشعر الموظف العام أنه مسؤول عن خدمة الشعب.. في نهاية المطاف.
* خامسا ترتبط هذه النقطة بسابقتها من حيث أهمية تدريب الموظف العام ـ وبالذات المسؤول القيادي في هذا الموقع أو ذاك على مبدأ المساءلة والشفافية.. ولا يتأتى مثل هذا التدريب سوى بإنشاء برامج متخصصة تصاغ بمنهج علمي يرتبط أساسا باحتياجات هذا المجتمع أو ذاك في مشرق المنطقة وفي مغربها.
على أن يشارك في هذه البرامج التدريبية والتكوينية عناصر من المفكرين الخبراء والعلماء والقادة الجماهيريين ومن ثم تجمع بين جهود المؤسسات البحثية من جهة والدوائر القيادية الحاكمة من جهة ثانية.. إضافة إلى المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني من جهة ثالثة.
واشنطن.. والحوافز
* سادسا وتلك نقطة تكاد تتصدرها كلمة واحدة هي:
* الحوافز. ويقول فيها المؤلف بالحرف:
* يمكن لواشنطن أن تستحدث برامج جديدة لتقديم المعونة تكفل التزويد بالقروض وضمانات الاستثمار والحوافز الضريبية والائتمانات الإيجابية إلى المشاريع والشركات في الشرق الأوسط أو حتى إلى الشركات الأجنبية الراغبة بالاستثمار في أقطار المنطقة.
مثل هذه الحوافز يمكن أن تكون بمثابة قوة الدفع اللازمة لبدء أنشطة فعالة وبنّاءة للقطاع الخاص الشرق أوسطي.
رأي خبير بالشرق الأوسط
* سابعا: ومرة أخرى يحيل المؤلف إلى خبير، أميركي هذه المرة، ولكنه حصَّل تجارب واسعة النطاق، بعضها من خلال المعايشة المباشرة لقضايا المنطقة.. الإحالة هنا إلى المبعوث الأميركي الشهير «دينيس روس» الذي يستعرض كتابنا موجزا لمقترحاته التي تضمنت عددا من البرامج.. الابتكارية كما يصفها المؤلف..
يرى مع «روس» أنها تخلّف تأثيرا مباشرا وملموسا على حياة سكان المنطقة، برامج تحتاج إلى دعم مالي ولوجستي وبشري من جانب أميركا والدول العربية والمنظومة الدولية.. ويعرضها المؤلف أيضاً على النحو التالي:
* إنها تشمل أنشطة لما بعد اليوم الدراسي ينخرط فيها طلاب (وطالبات) العالم العربي (وإيران طبعا) لاكتساب مهارات جديدة يقتضيها أسلوب الحياة العملية في هذا القرن الجديد.. وفي مقدمتها تعلم وإتقان اللغة الإنجليزية (بوصفها لغة عصر المعلومات)، فضلا عن مهارات الحاسوب والتخاطب والتواصل الإلكتروني، إلى جانب برامج بعثات التدريب الداخلية لاكتساب مهارات مهنية تقنية.
ويمكن تنظيمها وتسييرها بالتعاون مع شركات ومؤسسات من القطاع الخاص على أن تلتزم هذه المؤسسات بتشغيل خريجي تلك البرامج هناك أيضاً مراكز توزيع الأغذية في المناطق المحرومة والأحياء الفقيرة وهناك أيضا ـ نشر العيادات التي تعالج شتى الأمراض ومنها عيادات طب الأسنان في المناطق النائية والمحرومة وقد تشمل مهنيين ومثقفين وفنيين واختصاصيين متطوعين للخدمة العامة وما أكثرهم في منطقة الشرق الأوسط.
إضاءة
يشير المؤلف إلى أنه يمكن لواشنطن أن تستحدث برامج جديدة لتقديم المعونة تكفل التزويد بالقروض وضمانات الاستثمار والحوافز الضريبية والائتمانات الإيجابية إلى المشاريع والشركات في الشرق الأوسط أو حتى إلى الشركات الأجنبية الراغبة بالاستثمار في أقطار المنطقة. مثل هذه الحوافز يمكن أن تكون بمثابة قوة الدفع اللازمة لبدء أنشطة فعالة وبنّاءة للقطاع الخاص الشرق أوسطي.
الصفحات: 540
الكتاب: مسار خارج الصحراء
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: راندم هاوس، نيويورك


