منذ حرب يوليو 2006، ازداد الانخراط الأوروبي في الشؤون السياسية والأمنية اللبنانية، وكان أعضاء الاتحاد الأوروبي أهم المانحين للبنان الذي حظي بعلاقات مميزة معهم، وبدا وكأن الحرب مثّلت «نداء صحوة» للأوروبيين، ذكّرهم بالنزاعات غير المحسومة في المنطقة وباحتمالاتها وتداعياتها القوية.

وكان الاتحاد الأوروبي يمانع في السابق التورط بشكل مباشر في مفاوضات حلّ الصراع في المنطقة، تاركا هذا الأمر إلى حد كبير على عاتق الولايات المتحدة، لكنه غيّر من مقاربته في الأعوام القليلة الماضية، مذ أظهر طموحاً إلى أداء دور أساسي على الساحة العالمية. وبدأت دول الاتحاد الأوروبي تنشط تدريجياً في إدارة الصراعات في المنطقة، وتحديداً في لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة.

هذا التطور في المقاربة الأوروبية للبنان وجواره رصده مركز الشرق الأوسط في معهد كارنيغي في تقرير تناول أيضاً السياسات الأوروبية تجاه الأراضي الفلسطينية، وأشار إلى أن اتفاق مكة في فبراير 2007 بين حركتي «حماس» و«فتح» أظهر براغماتية من جانب «حماس» التي اقتربت من تلبية شروط الرباعية الدولية.

لكنه أشار إلى أنه «فيما رحّب الأوروبيون بحكومة الوحدة، فهم لم يرفعوا المقاطعة السياسية عن ممثلي حماس أو يستأنفوا التعاون المالي مع السلطة الفلسطينية. وكنتيجة، أضاعوا فرصة التقارب والاستقرار، وساعدوا في دفع حماس أكثر إلى أحضان إيران».

المحور اللبناني

يسعى الأوروبيون إلى دعم لبنان سيادي ومتعدد وديمقراطي على سلام مع جيرانه، بدلا من أن يكون بمثابة حلبة صراع لنزاعات إقليمية. ولهذا، فهدف الأوروبيين يتركز على تقوية سيادة لبنان وتعزيز نفوذ الحكومة المركزية ومؤسساتها وتثبيت وقف إطلاق النار الإسرائيلي اللبناني عبر وجود دولي، والعمل على إصدار قرار إقليمي في إطار اتفاق سلام دائم بين إسرائيل ولبنان.

ويرى التقرير أن الوجود العسكري الأوروبي ضمن قوات «يونيفيل» نجح، منذ انتهاء حرب يوليو 2006، في تجميد النزاع الإسرائيلي اللبناني بدلاً من إيجاد حلّ له؛ إذ لم يتمّ حتى الآن التعامل بشكل فاعل مع أي من مسببات حرب يوليو.

كما لم يتمّ تطبيق القرار 1701 رغم مرور عامين ونيف على صدوره عن مجلس الأمن سوى بشكل جزئي. وبمعزل عن عملية تبادل الأسرى، لا يزال يتم تسريب السلاح إلى لبنان عبر الحدود مع سوريا «التي لم تظهر تعاوناً بشأن السيطرة على هذه الحدود أو ترسيمها».

ولم يدفع الأوروبيون من أجل مفاوضات مباشرة لتحويل وقف إطلاق النار الإسرائيلي اللبناني إلى اتفاق سلام دائم، باعتبار أن المسار الإسرائيلي اللبناني يتوقف على تقدم في المسار الإسرائيلي السوري. ويحذّر التقرير من «مؤشرات قوية لخطر تجدد المواجهة على الجبهة الإسرائيلية اللبنانية، لأن من المستبعد أن تبقى إسرائيل تشاهد طويلاً استمرار حزب الله بتخزين الأسلحة من دون أن تتدخل».

وتطوعت دول الاتحاد الأوروبي، بعد حرب 2006 لتشكل العمود الفقري لقوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) التي يقودها الجنرال الإيطالي كلوديو غراتسيانو. وقدّم الاتحاد، فضلاً عن مساعداته المالية، تجهيزات وتدريبات عسكرية خاصة لممرات لبنان ومعابره الحدودية والمطار بينها عملية تدريبية واسعة لمراقبة الحدود نفّذتها ألمانيا في شمال لبنان.

كما ساهمت المهمة البحرية لـ «يونيفيل» الأولى من نوعها للأمم المتحدة، في فكّ الحصار الإسرائيلي عن المياه اللبنانية، لكن كل ذلك لم يساعد على منع تهريب الأسلحة لأسباب عدة، أهمها «غياب إجماع حكومي لبناني على التعامل مع الأسلحة التي تملكها المقاومة... وتواجد فلسطيني مسلّح في معسكرين على الحدود الشرقية».

ولأن الحكومة اللبنانية أعلنت مراراً وتكراراً، بعد «حرب يوليو» أنها ستكون الدولة الأخيرة التي توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، اعتبر الأوروبيون أن سوريا هي الأساسية في إنجاح أي مسارات سلام في المنطقة.

ولذلك، حاولوا إقناع إدارة جورج بوش السابقة ببذل الجهود، ليس فقط لإعادة إحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، بل أيضاً لبعث المباحثات الإسرائيلية السورية، وهو ما تجلّى في مؤتمر أنابوليس في نوفمبر 2007، وإن لم يسفر المؤتمر عن نجاح ملموس. فأجهض عقد مؤتمر متابعة في موسكو في ربيع 2008، بسبب غياب الدعم الأميركي.

وحتى الآن، تركزت خطة الدعم الأوروبي للبنان على ثلاثة نواحٍ: الإصلاح السياسي، الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ودعم إعادة الإعمار بالتوازي مع انخراط دول الاتحاد الأوروبي في بناء مؤسسات الجيش والأمن الداخلي بمختلف فروعه.

في الإجمال، يعتبر الأوروبيون سوريا «دولة محورية في عملية السلام في الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته شريكا مثيرا للمتاعب بسبب سياساتها تجاه لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية».

وبعكس الولايات المتحدة، فإن الأوروبيين لم يركزوا فقط على محاولات تغيير سياسة سوريا في المنطقة، بل استهدفوا أيضا دعم الإصلاح الداخلي عوضاً عن محاولة تغيير النظام (بشكل مفاجئ أو تدريجي). وهو ما جعلهم ينجحون في إثارة اهتمام النظام السوري، لا عدوانيته.

وآثرت أوروبا، كما يلاحظ التقرير، النأي بسياستها تجاه سوريا عن المقاربة الأميركية التي وضعت سوريا في محور الشر، ووصفتها بأنها دولة تدعم الإرهاب، وتناولت تغيير النظام وسحبت سفير واشنطن من دمشق. على العكس، فأوروبا لم تصدر قرارا يؤيد العزلة التامة لسوريا، وحاولت تغيير السلوك السوري وليس تغيير النظام، تجنباً لزيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة. لكنها، في الوقت عينه، قلصت إلى حد كبير اتصالاتها الرفيعة المستوى مع دمشق.

وأصدر التقرير جملة توصيات إلى دول الاتحاد الأوروبي، حول إستراتيجيتها المقبلة في لبنان وسوريا. وفي الآتي أهم الخطوات المقترحة حول لبنان:

- الاستمرار في دعم مشروع المراقبة في الحدود الشمالية، ليس فقط بالمال، بل بالانخراط المباشر لبناء إستراتيجية إدارة حدودية في لبنان، مع الإشارة إلى أن أي حلّ دائم للنزاع مع إسرائيل سيعني ضرورة تهيئة الحدود بإستراتيجية لبنانية جاهزة، من أجل استقبال بديل قوات المقاومة التي ستظل تعتبر جزءا شرعيا من الدفاع القومي، طالما استمرّ النزاع من دون حلّ؛ وأيضاً الحثّ على إنشاء هيئة حرس حدود منفصلة، لكن ليس في ظلّ جوّ هشّ كما هو عليه الحال الآن.

وعلى الأوروبيين أن يتابعوا مع الجانب السوري من أجل التعجيل بترسيم الحدود والمعابر الحدودية، وتثبيت التعاون السوري اللبناني الحدودي.

ــ تقوية المؤسسات اللبنانية، عبر دعم إجراء الانتخابات المقبلة في موعدها وبشكل نزيه، وتقديم كل مساعدة مطلوبة لتأمين شفافية عملية الاقتراع.

ــ مساندة الحوار الوطني، عبر تقوية المؤسسات الديمقراطية بدلا من دعم رجال السياسة.

ــ في ما يتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان، يجب على الأوروبيين أن يحجموا تحت جميع الظروف، عن التورط في صفقات سياسية مع سوريا، ويقاوموا إغراءات تسييس المحكمة، وبالتالي تشويه سمعتها.، عبر تحويلها إلى موضوع مساومة في المفاوضات السياسية. إنه لمن المهم جداً إنهاء ثقافة الحصانة التي تحيط بعمليات الاغتيال السياسي.

ــ التوصل إلى حلّ للنزاع اللبناني الإسرائيلي، يشمل ضمانات أمنية متبادلة، وصيغة بشأن إدارة المياه، وحلّ لقضية اللاجئين الفلسطينيين. وستبقى سوريا معارضة لأي مفاوضات إسرائيلية لبنانية مباشرة تسبق اتفاقاً بينها وبين إسرائيل. وعلى الأوروبيين، هنا، أن يسعوا إلى اتفاق حول المسار الإسرائيلي اللبناني يتركز في ثلاث خطوات:

منع الضربات الاستباقية والإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة عبر الأمم المتحدة.

إقناع الولايات المتحدة بالمساعدة في التوصل إلى اتفاق مؤقت بشأن قرية الغجر ومزارع شبعا، حتى قبل إبرام أي اتفاق سلام.

التحضير لوضع نهائي للمفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، عبر دعم منتديات ودراسات تقدم خبرات معمّقة لوضع مسودات الحلول للمسائل الثنائية.

وفي ما يتعلق بسوريا، شدد التقرير على أن دعم استقرار طويل الأمد لسوريا عبر التنمية الاجتماعية الاقتصادية وتحضير أرضية لينة للنظام السوري، لأن من مصلحة الأوروبيين والولايات المتحدة والمنطقة أن تكون سوريا مستقرة عوضا عن زعزعتها، حيث انها مضغوطة جغرافيا بين عدد من مناطق النزاعات (العرب وإسرائيل، العراق، وإيران) وهي تعاني من نتائج هذا الأمر (على رأسها العدد الضخم من اللاجئين). لكن أي إجراءات مع سوريا «لن تكون فعالة إلا إذا تم التواصل معها بشكل كامل، عوضا عن أرجحتها بين العزل والتعاون».

وحول العلاقات السورية اللبنانية، دعا التقرير الأوروبيين إلى «الكفّ عن النظر إلى سوريا فقط من منظار لبنان... وعدم فصل اتفاقية الشراكة عن سياسة سوريا الإقليمية فقط» رغم توصيته بتوقيع اتفاق الشراكة بين أوروبا وسوريا.

فمع إبرام «اتفاق الدوحة» في العام 2008 والقمة اللبنانية السورية وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين «أزيل عدد من العراقيل السياسية الرئيسية أمام المصادقة على اتفاق الشراكة... لكن قبل التقارب الكامل مع سوريا، على الأوروبيين التأكد من أن يعقب إعلان النوايا حول العلاقات اللبنانية السورية خطوات ملموسة وعملية لتبادل السفراء وترسيم الحدود ومنع تهريب الأسلحة بشكل فعال». ويمكن أن يتم ذلك عبر نقل موقف أوروبي موحد في رسالة إلى وزير الخارجية السورية وليد المعلم تربط تحسين العلاقات الأوروبية السورية وتوقيع اتفاق الشراكة، بتطبيع العلاقات السورية اللبنانية.

لا استغناء عن سوريا

في بند عملية السلام في الشرق الأوسط، يقول التقرير إن «سوريا شريك لا يمكن الاستغناء عنه في عملية السلام، كما أنها مفسد محتمل للجهود المبذولة لاستقرار لبنان والأراضي الفلسطينية والعراق، إذا رأت انه تم تجاهل مصالحها أو تم تهديد نظامها».

وأضاف التقرير أن «تقدم العلاقات بين سوريا وإسرائيل والتوصل إلى اتفاق سلام بينهما قد يكون نقطة تحول بالنسبة إلى المنطقة.

كما انه قد يفتح الباب أمام المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وأمام تخفيف (وليس فك) التحالف الإيراني السوري، وحسر مصالح سوريا في استخدام حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى كوكلاء لها في المعركة مع إسرائيل».

ويشدد التقرير أن على الأوروبيين أيضاً «دعم المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركيا، لتتحول إلى مفاوضات مباشرة ترعاها الولايات المتحدة».

وهو يلفت إلى أن «الرعاية الأميركية المباشرة ستكون حاجة ليس فقط لتقديم ضمانات أمنية مقنعة للطرفين، بل أيضا للتأكد من أن الاتفاق السوري الإسرائيلي لن يتضمن أي تفاهمات تعيد بعض السيطرة السورية على لبنان»، وأن على الأوروبيين بالمثل «عرض دعم أو إتمام التوسط في المحادثات التي تتوسط فيها تركيا، وإقناع الأميركيين بعدم وضع أي شروط مسبقة وغير واقعية قبل رعاية مثل هذه المحادثات، كأن تفصل سوريا تحالفها عن إيران أو ميليشيات فلسطينية أو لبنانية».

ساهم في الإعداد والترجمة: فايز عجور وديالا شحادة