لم تطفئ استقالة الحكومة الكويتية لهيب الأوضاع السياسية المستعرة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية منذ أيام في الكويت على خلفية الاستجوابات الثلاثة المقدمة من نواب في مجلس الأمة (البرلمان) ضد رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، حيث راجت تصريحات عديدة من قبل النواب تضارب بعضها، ولكن أقواها كان ترجيح قرار أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد حل البرلمان حلاً غير دستوري.. في مقابل تحرك لقوى سياسية لتشكيل جبهة مضادة.
وفي وقت قالت مصادر كويتية مطلعة إن الشيخ صباح «مستاء كثيراً» من كثرة الاستجوابات واستهدفاها بشكل شخصي رئيس الوزراء.. نقل عن النائب عبداللطيف العميري قوله إن هناك مؤشرات تفيد بأن قرارات ستتخذ لعلاج الأزمة الراهنة «خارج إطار الدستور» متمنيا عدم صدق هذه الأخبار. وأضاف العميري أنه «إذا صحت هذه المعلومات فهذا ما كنا نحذر منه بسبب كثرة التأزيم الذي تتحمله الحكومة لعدم القدرة على المواجهة ويتحمله البعض ممن تعسف في استخدام الأدوات الدستورية، مناشدا أمير الكويت أن تكون خياراته في إطار الدستور وألا «يعاقب» الشعب الكويتي بحرمانه من مجلس الأمة ولا تعاقب الأغلبية النيابية التي كانت تنشد الانجاز.
في السياق، أكد النائب محمد العبدالجادر على أن الحل غير دستوري سيدخل البلد أجواء غير مريحة، وقال إن «الجميع متمسك بدستور 1962 وأن أي خطوة خارج إطار الدستور لن تكون في صالح الكويت». وشدد على أن «الجميع يثق بحكمة الأمير»، أعرب عن أمله في أن «تنتهي الأوضاع بما نريده لمصلحة الكويت».
من جانبه، توقع زعيم التيار السلفي في الكويت النائب خالد السلطان أن يكون هناك حل للبرلمان وتعليق العمل بالدستور لمدة عامين، مشيرا إلى أن كل الأمور تتجه نحو هذا الاعتقاد. وحمّل بعض النواب والحكومة مسؤولية ما آلت إليه الأمور، لافتا إلى أن البعض «يسعى إلى التكسب على حساب الشعب الكويتي».
من جهته استغرب النائب محمد هايف هاجس الحل غير الدستوري، مؤكدا أن المنادين به إنما «يريدون إدخال البلاد في أزمة، لاسيما وأن لدينا تجربة في الثمانينات ورأينا المواجهات بين الأمن والمواطنين». وأيضاً، صبت تصريحات النائب خلف دميثير في نفس المسار، إذ قال إن «الأمور تسير في اتجاه الحل غير الدستوري»، وأضاف ان «نبرة الحزن التي اعتلت صوت سمو الأمير خلال لقائه النواب كانت واضحة».. وأضاف: «أنا جمعت أغراضي وماشي!».
أما النائب مسلم البراك، وهو أحد المنتقدين للحكومة وأسلوب عملها، فأوضح انه بعد قبول استقالة الحكومة فإن «الأمر أصبح بحكم المنتهي إذا ما تمت الأمور في إطار الدستور، مشددا على أنه «من غير الجائز لأي كان الحديث عن أمور خارج هذا الإطار أو التحريض على مجلس الأمة» وخصوصا من قبل الأعضاء.
وردا على الترويج للحل غير الدستوري، قال البراك إن «الأطراف المتنفذة لا تستطيع أن تنمو وتكبر مصالحها إلا في غياب الدستور لأنهم يعرفون أن مجلس الأمة سيستخدم كل صلاحياته للوقوف في وجه الفساد ومحاولات التعدي على المال العام كما حصل في قانون الحيتان (يقصد قانون الاستقرار الاقتصادي)».
في المقابل، عبر النائب د. فيصل المسلم عن تفاؤله، مشيرا إلى أنه يعتقد أن ما يثار حول الحل غير الدستوري أمر غير صحيح.
جبهة مضادة
ووسط حالة التضارب حيال مستقبل الحياة السياسية في الكويت وهي الأقدم في منطقة الخليج العربي، دعت قوى سياسية إلى تشكيل جبهة مضادة لتلك المطالبات واصفين إياها بالانقلاب على الدستور.. في وقت أعلنت القوى والكتل السياسية عن تأجيل اجتماع كان مقرراً عقده أمس الثلاثاء إلى «حين اتضاح الرؤية» بشأن الإجراءات التي ستتخذها القيادة الكويتية لتجاوز الأزمة السياسية الراهنة، والتي اقتصرت حتى الآن على قبول الاستقالة والطلب من الحكومة الاستمرار في تصريف الأعمال.
السياسيون يترقبون الحل..ومظاهرة غاضبة ضد البرلمانيين
بينما كان الشارع السياسي في الكويت يترقب صدور مرسوم أميري بين لحظة وأخرى يدعو إلى حل مجلس الأمة حلا غير دستوري وتعطيل الحياة النيابية.. فاجأ عدد من المواطنين الكويتيين الطبقة السياسية، والنواب تحديداً، بالتظاهر أمام بوابات مجلس الأمة (البرلمان) دعماً للأمير والقيادة مهاجمين البرلمان والممارسات النيابية.
وكان رئيس مجلس الأمة الكويتي جاسم الخرافي رفع جلسة المجلس اليوم بسبب عدم وجود النصاب لغياب الوزراء بعد أن قدموا استقالاتهم الاثنين.
وقال الخرافي بعد رفعه الجلسة: «نتيجة لعدم اكتمال النصاب وعدم وجود الحكومة حيث بين لي رئيس الحكومة أن الحكومة قدمت استقالتها ولن تحضر، ترفع الجلسة وكل عام وأنتم بخير».
وكان عدد النواب الحضور في الجلسة 24 من بين 50 نائباً، مع غياب كامل أعضاء الحكومة الـ 16 الذين يعتبرون نواباً بموجب الدستور.
وتعليقا على أجواء الحل غير الدستوري للمجلس التي تسود الكويت، قال النائب جمعان الحربش إن كل الخيارات الدستورية مقبولة لدينا تجاه الأزمة السياسية، مشيرا إلى أن تمسك أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح بالدستور.
وأضاف الحربش: «إننا على ثقة بأننا سنتجاوز هذه الأزمة»، مستبعداً الحل غير دستوري للمجلس.. في حين قال النائب محمد الصقر إن السيناريو الوحيد الدستوري الآن هو تعيين حكومة جديدة ورئيس وزراء جديد.
وقال الصقر: «لا نريد أن نستبق الأحداث فالحل غير الدستوري لا نتمناه ونثق بحكمة سمو الأمير».
إلى ذلك، اعتبر السياسي الكويتي المخضرم د. احمد الخطيب ان استقالة الحكومة ليست حلا للازمة السياسية في الكويت.
وقال الخطيب لصحيفة «القبس» إنه «إذا لم يتخل النظام عن سياسته في تدمير الدستور، وفي تحالفه مع القوى الدينية... فلن نرى حلا. والحل بالرجوع الى الدستور والقوانين، وما عدا ذلك يعد حلولا ترقيعية».
وبعدما وصف الخطيب الوضع في الكويت بأنه «مأساوي» و«المشكلة عميقة جداً»، شدد على أنه «إذا لم يتخل النظام عن سياسته فلن نرى مخرجا من الأزمة». وقال إنه «من دون إجراء انتخابات حرة يتم خلالها تطبيق قوانين الانتخابات بحذافيرها، بما فيها الفصل الخاص بالعقوبات، لا يمكن أن تتغير تركيبة المجلس».
في هذه الأجواء، تجمع نحو 20 شابا وفتاة في ساحة الإرادة مقابل مجلس الأمة ورفعوا لافتات تطالب بحل مجلس الأمة. وكتب على أحد اللافتات: «فكونا (خلصونا) من أسر مجلس الأمة»، وعلى أخرى: «حسبي الله عليكم أيها النواب». وحاول بعض المحتجين الدخول إلى ساحة المجلس إلا أن حرس المجلس منعوهم.
الكويت - بدر سالم والوكالات

