رفضت الحكومة الباكستانية في وقتٍ متأخر من الليلة قبل الماضية، احتجاج المعارضة بإعادة رئيس المحكمة العليا المقال افتخار شودري إلى منصبه عقب أسبوع من الاحتجاجات الصاخبة تخللها وساطات دولية كان لها اليد الطولى في تهدئة الأوضاع في الدولة النووية.
فيما ردت المعارضة على هذا الإجراء بأحسن منه بإعلانها إلغاء «المسيرة الطويلة» التي كان من المقرر لها أن تحط رحالها أمس في العاصمة إسلام أباد وتستقر أمام البرلمان، تزامناً مع تأكيد الحكومة إلغاء الحظر على التجمعات العامة وإطلاق سراح من اعتقلتهم مؤخراً، فضلاً عن عزمها إعادة النظر بحكمٍ يحظر على زعيم المعارضة نواز شريف تولي أي منصب حكومي، ما أثار ترحيب السفارة الأميركية في إسلام أباد.
وفي خطابٍ إلى الأمة بثته المحطات الباكستانية، أعلن رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني إعادة افتخار شودري، البالغ من العمر 60 عاماً، إلى منصبه الذي كان أقيل منه كرئيسٍ للمحكمة الدستورية العليا مع عدد من كبار القضاة في شهر نوفمبر من العام 2007 بموجب حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس السابق برويز مشرف آنذاك.ويبدو أن القرار اتخذ بعد اجتماعٍ عقده جيلاني ليلاً مع الرئيسة الباكستاني آصف علي زرداري وقائد هيئة أركان الجيش الجنرال أشفق كياني.
وقال جيلاني في خطابه: «أعلن إعادة السيد افتخار محمد شودري وكل القضاة المقالين إلى مناصبهم»، موضحاً: «مواطني الأعزاء ، في هذه الفترة الحاسمة ، نعيد التأكيد على تعهدنا بتعزيز سياسات المصالحة».وأضاف أن الحكومة تسعى لمراجعة حكم محكمة يحظر على زعيم المعارضة ورئيس الوزراء الأسبق نواز شريف وأخيه شهباز من الترشيح لتولي أي منصب وحل حكومة حزبهما الإقليمية في البنجاب.
وبموجب هذا القرار، سيعود شودري إلى منصبه يوم السبت المقبل فور تقاعد كبير القضاة الحالي عن منصبه.وأمر جيلاني صباح أمس أيضاً بإطلاق سراح كافة المعتقلين ورفع الحظر عن التجمعات العامة، مطالباً وطالب الشعب ب«الاحتفال بصورة جماعية بهذه اللحظة التاريخية بأسلوب مبجل».
إلغاء المسيرة
وعلى الفور، ردت المعارضة، والتي كانت تنوي الوصول إلى العاصمة إسلام أباد ب«مسيرتها الطويلة» للتظاهر والاعتصام أمام البرلمان، بإعلان إلغائها لتلك المسيرة، برغم أن البعض واصل طريقه إلى العاصمة ل«الاحتفال بالنصر».ودعا شريف أنصاره إلى وقف «مسيرة الاحتجاج الطويلة».
وأفاد من سيارته التي غطتها الزهور لدى عبوره مدينة غوجرانوالا وسط البلاد أن هذا القرار «اتخذ بالتشاور مع زعماء المعارضة الآخرين ومندوبي المحامين».وأكد شريف أنه «وفي القريب العاجل، سنضطلع بدورنا في تطبيق ديمقراطية حقيقية في هذا البلد»، مضيفاً: «سنقيم قضاءً مستقلاً».
واشنطن ترحب
بدورها، رحبت الولايات المتحدة بالتدابير التي اتخذتها الحكومة الباكستانية والتي «أتاحت تجنب مواجهة خطيرة» والقيام ب«خطوة جوهرية نحو المصالحة الوطنية»، بحسب بيانٍ للسفارة الأميركية في إسلام أباد.
وذكر البيان أن قرار إعادة شودري «يليق برجل دولة»، منوهاً إلى أن «الوقت حان لجميع الباكستانيين وممثليهم السياسيين أن يعملوا معاً بدعم من أنصارهم وحلفائهم لتعزيز ديمقراطيتهم بطريقة سلمية».
وكانت السفارتان البريطانية والأميركية تدخلتا بشكلٍ كبير في الأزمة الأخيرة من خلال اتصالاتهما بالرئيس الباكستاني وشريف في محاولةٍ لنزع فتيل الأزمة وإقناع الطرفين بالتوصل إلى تسوية فيما بينهما.
يذكر أن زرداري، الذي خلف مشرف، كان وعد في بادئ الأمر بإعادة شودري، الذي تحول إلى رمزٍ لاستقلالية القضاء، إلى منصبه قبل أن يتراجع عن ذلك ما أثار غضب حليفه السابق شريف.واستهلت أعمال الاحتجاج باعتقالات واسعة طالت ما يربو على 1500 ناشط مناهض للحكومة ومحامٍ وذلك لإحباط عمليات التحريض، كما قامت الحكومة بإغلاق البلدات الواقعة في طريق «المسيرة الطويلة» لاحتواء الاحتجاجات.وبذلك تفادت الحكومة الأسوأ في اللحظة الأخيرة.
كما يبدو فيما كان آلاف المتظاهرين يستعدون للتوجه إلى إسلام أباد بقيادة شريف الذي كان أطلق أول من أمس تحدياً مذهلاً للسلطات متجاهلاً فرضها الإقامة الجبرية عليه، حيث كان غادر مع موكب كبير للتوجه إلى العاصمة، في وقتٍ كان من الممكن فيه أن تفجر هذه الأزمة ضيقاً اجتماعياً في بلد يعاني من أزمةٍ اقتصادية ونشاطات متزايدة لمتطرفين إسلاميين.
سيرة
شودري «بيضة القبان»
يعرف عن رئيس المحكمة الدستورية العليا في باكستان افتخار شودري، وهو الذي كان محور الأزمة الأخيرة في البلاد بكونه نظيفاً ومناصراً لمفهوم استقلالية القضاء في بلدٍ تتداخل فيه السياسة وإرادة العسكر في القوانين.
وشودري، ابن مدينة كويتا، هو الرئيس ال20 للمحكمة العليا، وكان عين في الـ 7 من شهر مايو من العام 2005 من قبل الرئيس السابق برويز مشرف قبل أن يعزله الأخير بعد عامين على إثر إعلان حالة الطوارئ خوفاً من احتمال قيام شودري بإصدار قرارٍ ينزع الصفة الشرعية عن نية مشرف البقاء في منصبه.
ويبدو أن شودري سيبقى يشكل «بيضة القبان» في بلدٍ يتنافس فيه الجميع على إظهار ولائهم للسلطة الثالثة في وقتٍ تغيب فيه هذه السلطة أو تغيب كلما أراد الساسة ذلك.
