المفاوضات الائتلافية بدأت وبدأت معها المقامرة الكبرى: حكومة يمينية ضيقة أم حكومة موسعة. ولا ريب أن هذه المقامرة هي في الوقت نفسه لعبة السياسة الداخلية في إسرائيل من الآن وإلى أربعة أسابيع قادمة. ويبدو أن عبارة حكومة الوحدة ليست كافية بحد ذاتها لدفع أطراف مثل كديما وحزب العمل للمسارعة إلى دخول حكومة برئاسة نتانياهو. فمقابل هذه العبارة هناك ما يبدو وكأنه إصرار من جانب زعيمة« كاديما» تسيبي ليفني على البقاء في صفوف المعارضة. وقد سبق لحزب العمل أن أعلن أن الشعب اختاره لأن يكون في المعارضة.

غيرأن كل هذه المواقف بحاجة إلى تدقيق أكبر لمعرفة مدى تعبيرها عن واقع حقيقي. وليس ثمة ريب في أن حزب العمل الذي قاد إسرائيل لسنوات يرى أنه بحاجة لأن يكون في المعارضة لترميم نفسه. ولكن ثمة بين صفوف قادته من يرون أنهم إذا كانوا في المعارضة إلى جانب«كاديما» فإن هدفهم في ترميم الحزب شعبيا يغدو بعيدا. ف«كاديما» سوف يظهر على أنه الحزب المعارض الرائد مما يعني نسيان الناس لحزب العمل وتحوله إلى حزب هامشي.

وهذا ما لخصه أحد قادة الحزب بقوله أن الخيارات صعبة:«الانتحار مع نتانياهو أو الموت البطيء مع ليفني». ورغم ذلك ليس مستبعدا أن ينضم حزب العمل في نهاية المطاف إلى حكومة نتانياهو. والمشكلة الحقيقية هي مشكلة حزب «كاديما»الذي ينتمي أغلب قادته أصلا إلى«ليكود » وبينهم عدد كانوا من غلاة المتطرفين فيه. ولا حاجة للتذكير بماضي كل من تساحي هنغبي وزئيف بويم وشاؤول موفاز وحتى روني بار أون أو تسيبي ليفني نفسها. ورغم أن ليفني حاولت أن تظهر أن اختلافها مع نتانياهو سياسي بامتياز حيث ركزت على موقفه من«دولتين لشعبين» إلا أن كثيرين في إسرائيل لا يأخذون موقفها هذا على محمل الجد. فقد وافقت عبر حاييم رامون على 90 في المئة من مطالب حزب «إسرائيل بيتنا» وزعيمه أفيغدور ليبرمان.

كما أن تاريخ حكومات« كاديما»برئاسة شارون وأولمرت يشهد على التفافية كبيرة في كل ما يتعلق بالشأن السياسي. وكانت هذه الحكومات هي من ابتدع خريطة الطريق ومفاتيح مكافحة الإرهاب للتملص من أي تقدم سياسي.

وهذا يعني في نظر الكثيرين أن التركيز على مسألة«دولتين لشعبين» ليس أكثر من لعبة ترمي إلى تجريد نتانياهو من أوراقه اليمينية وإبقائه عاريا أمام «كاديما». وهذا ما يعلن نتانياهو أنه يفهمه ولن يقبل به ولذلك فإن كلمة السر الحقيقية في نظر الكثير من المعلقين هي رغبة ليفني في التناوب. فالتناوب يعني الشراكة وبالتالي يعني أن«كاديما» لم يخسر الانتخابات وأنه قادر على تشكيل حكومة بمنع الليكود من تشكيلها لوحده.

والواقع أن «ليكود» قادر على تشكيل حكومة اليمين الضيقة، لكن هذه الحكومة وفق تعبير المعلق السياسي في «معاريف» بن كسبيت هي «الجحيم» الذي لا يريد أحد دخوله. ومع ذلك فإن هذا الجحيم أفضل لنتانياهو من«الجنة» التي تعده بها ليفني والتي تجرده من «شركائه الطبيعيين» وتجعله خاسرا. ولهذا فإن المراهنة بين كل من ليفني ونتانياهو تقوم على أساس من يهرب من الآخر.

فليفني، معها عدد من أنصارها تؤمن بأن حكومة اليمين هي وصفة سحرية لسقوط قريب. البعض في محيطها يقدر أن هذه الحكومة ستسقط بعد ثمانية شهور آخرون يقولون بعد سنة أو سنتين. ولكن هناك في المحيط الأقرب لليفني من يحذرون من أن السقوط ليس مضمونا وأن بوسع بصعوبة نتانياهو إدارة حكومة يمينية ضيقة ومن دون أن تسقط. والسؤال: ماذا سيجري في «كاديما» خلال هذه الفترة؟

بعض المعلقين يرون أن في«كاديما»اليوم قطيع نعاج صامتة تسير خلف زعيمة الحزب من دون طرح تساؤلات. البعض الآخر يقول ان هذا ليس قائما لأن جدار الصمت بدأ في الانهيار بعد أن أعلن شاؤول موفاز أن الجمهور لم ينتخب «كاديما »ليكون في مقاعد المعارضة. وبات موفاز وطبعا بتأييد عدد من أعضاء الكنيست يطالب بتشكيل طاقم مفاوضات مع«ليكود». وباختصار فإن في الحلبة السياسية الإسرائيلية من يراهنون على أن «كاديما» إذا لم ينضم للحكومة فسوف يجد نفسه قريبا أمام انشقاق خطر.

(تنشر بترتيب خاص مع «السفير»)

تقديم وترجمة ـ حلمي موسى