يؤكد مثقفون وأدباء عراقيون أن التجاذبات السياسية أثرت بشكل كبير على طبيعة المشهد الثقافي في بلدهم، لافتين إلى أن العلاقة بين المثقف والسياسي ما زال يشوبها الكثير من الاختلافات وعدم الثقة، وهو ما دفع بالمثقف العراقي إلى إقامة منظومة خاصة به بعيداً عن الخلافات والمعارك السياسية.

ويقول الشاعر والإعلامي العراقي كاظم غيلان في حديث للوكالة الوطنية العراقية للأنباء «نينا» إنه «بعد تحقيق المتغير السياسي في البلاد في إبريل 2003 ، شهدت الساحة الثقافية العراقية حالة من الانفراج الذي دفع بنا للتفاؤل، لكن سرعان ما تراجعت درجات ذلك التفاؤل وهيمنت حالة عجيبة لم نكن نتمناها، ألا وهي التبعية المقيتة». ويضيف: «في معادلة المثقف ـ السياسي أصبحت ظاهرة شراء ذمم عدد كبير من المثقفين واضحة جدا، اذ شرع العديد من الساسة الجدد لاحتواء المثقفين في الحملات الانتخابية».

ويتابع غيلان قوله إنه «على رغم طبيعة الاحتلال الأجنبي للعراق، والذي هو واقع حال لامناص منه، كان على المثقف استثماره هذا المتغير لتأسيس ثقافة وطنية عراقية خالصة، بعد ان تحررت طبيعة الواقع الثقافي من سيادة الخطاب الأيديولوجي الواحد».

فيما قال المخرج والناقد المسرحي ياسر البراك إن «المثقف العراقي خرج من العصر الدكتاتوري بخسائر كبيرة، لعل في مقدمتها الاتهام المباشر له بمناصرة الدكتاتور بصورة مباشرة او غير مباشرة، وهذا ما أربك طبيعة العلاقة بين السياسيين الجدد في العصر الديمقراطي وبين المثقفين». وأوضح قائلا: «لذلك وجدنا تهميشاً واضحاً من قبل أولئك السياسيين لدور المثقفين في بناء العراق الجديد، وقد بدأ هذا التهميش عبر إدخال وزارة الثقافة في خانة المحاصصة الطائفية، واعتبارها وزارة فائضة».

كما يعتقد الناقد السينمائي كاظم مرشد السلوم «ان الاحداث والتطورات الكثيرة التي طرأت على الساحة العراقية، كان لها تأثيرها الواضح والكبير على مجمل الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في العراق، برزت من خلالها التجاذبات السياسية التي أثرت على المشهد الثقافي العراقي». استطرد السلوم قائلا: «لذا لم تكن الثقافة بمنأى عن هكذا تأثير، كون المثقف الذي هو الجزء الفاعل في هذا المشهد لم تكن له الحصانة الكافية ليتعدى هذه التجاذبات، وما حصل هو العكس، اذ انحاز الكثير من المثقفين الى هذه التجاذبات السياسية وهذا العراك، بل وصل الأمر إلى ان البعض انحاز تماما إلى جهة سياسية دون أخرى».

أما رئيس اتحاد أدباء ميسان جمال الهاشمي فيقول: «ان القضية الوطنية العراقية ومسألة بناء وطن ديمقراطي أو دولة المجتمع المدني، لا يمكن ان تنهض وتؤسس خارج إطار الخطاب الثقافي العراقي، الذي حافظ على الهوية الوطنية للثقافة العراقية وتوجهها الإنساني العام». كما انه يشير الى «أن المثقف يتعامل مع وطن لكل العراقيين، ويطالب بنزعة الإنسانية من خلال تحقيق اكبر قدر من العدالة والمساواة الاجتماعية والتنمية البشرية، فضلا عن احترام حقوق الإنسان من قبل الجميع».

في المقابل، يرى الكاتب تحسين كاظم مزعل ان السياسيين أضفوا «نوعا من الضبابية على المشهد الثقافي العراقي، لان الثقافة انعكاس لواقع لم يرضه السياسي وتتقاطع معه رغباته». ويؤكد مزعل في حديثه على أن «هناك طاقات ثقافية لا يمكن قمعها أو إسكاتها من قبل السياسيين. وبالمقابل، هناك اتباع ورثوا التبعية من أمسهم القريب... تبعية التملق والخضوع والخنوع».

ويتابع مزعل قائلا: ان «الوضوح في المشهد الثقافي العراقي يعكس تطور ثقافي واجتماعي يرفض فيه المثقف مفاهيم المحاصصة والطائفية والإثنية، التي يتعكز عليها السياسي في حياته السياسية اليومية». ويشدد على انه «لا يمكن للسياسي ان يكون مثقفا.. لان الثقافة وضوح في الرؤية ونظرة وتصور لمستقبل، مهما يكون ثقل السياسي، لا يستطيع التنبؤ به».

بغداد- «البيان»