يواصل المؤلف في كتابه استعراض ملامح الإستراتيجية الكبرى التي يجب على الولايات المتحدة إتباعها بشأن الشرق الأوسط وفي سبيل ذلك يحاول رسم ما يمكن وصفه بخريطة للقوى السياسية المؤثرة في المنطقة والتي يرى أنه على رأسها «الإسلام السياسي» وهو العنوان الذي اختاره المؤلف «كينيث بولاك» للفصل السابع من الكتاب وهو يحاول أن يتقصى جذور تلك الظاهرة من خلال رؤيته كباحث أميركي بطبيعة الحال.. يعود إلى سنوات القرن العشرين ليقول: خلال تلك الفترة حدث أن كثيراً من المثقفين المسلمين انتابهم السخط إلى حد الاغتراب عن المجتمع نظرا لما صادفوه في حياتهم وحياة شعوبهم من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية.
بعدها، وحتى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بدأت جماعات متعددة من المفكرين والمثقفين في المجتمعات العربية الإسلامية تبحث عن طرق بديلة ؟ كما يسميها المؤلف ؟ من أجل إصلاح مجتمعاتهم والنهوض بالحياة التي يعيشونها.. في تلك الفترة (وهي تقبع ؟ كما نتصور من جانبنا ؟ خلال سنوات الربع الثاني من القرن العشرين) بدأ مثقفو مجتمعات الشرق الأوسط يبحثون عن سبل للخلاص وكان أمامهم سبل ومذاهب وأيديولوجيات شتى أفرزتها تلك المرحلة من تاريخ العالم ومنها الاشتراكية.. الفاشية.. الماركسية.. الشيوعية.. القومية العربية.
كان منها في المقدمة أو عند القمة كما يقول مؤلفنا (ص 125) الطريق الإسلامي. وكان المعنى كما تصوَّره أصحاب هذا النهج أن مشاكل الشرق الأوسط (العربي المسلم في غالبيته العظمى) حدثت لأن أهل المنطقة تباعدوا عن اتباع تعاليم الإسلام كما ما جاء به كتاب الله وأحاديث الرسول. لكن هذه المقولة التي كان أصحابها يروجون لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة وجدت كما يضيف مؤلف الكتاب أيضا من يرد عليها من أهل المنطقة على أساس أن الفكرة ليست جديدة وإنما سبق إليها كثيرون في عصور مضت.
في كل حال يقول كينيث بولاك: إن الإسلام السياسي لا يشكل بالضرورة تهديدا للولايات المتحدة وإن كانت مشكلته أنه أصبح ملجأ يلوذ به المتطرفون. في هذا المقام بالذات يحيل المؤلف أيضا إلى باحث أميركي من أصل عربي هو الدكتور «فواز جرجس» الذي يعزو الحمية الدينية التي يشهدها الشرق الأوسط منذ السبعينيات إلى ما يتصوره شعورا عارما ومتوسعا بالغضب (يقصد السخط) إزاء ضروب الفشل والإحباط التي صادفتها أجيال من أهل المنطقة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
وهنا يقول البروفيسور الذي أحال إليه المؤلف بحكم تخصص الدكتور فواز في دراسة ظاهرة الإسلام السياسي: أن الثلث الأخير من القرن العشرين ظل يشهد أعدادا متزايدة من المسلمين وهي تتحول إلى حيث التدين التماسا للسكينة الروحية وبوصفه ملجأ وملاذا ضد تيار التغريب الذي بدا سادرا في اندفاعته دون أن يقدر أحد على التصدي له، فضلا عن النزعات السلطوية في الحكم التي كان أهل المنطقة يعانون من جرائها.
جمال عبد الناصر.. زعيماً
مع ذلك يحرص المؤلف أيضاً (ص 127) على أن يسجل كيف أن دعوة القومية العربية تغلبت في مرحلة قريبة من تاريخ الشرق الأوسط على سائر تيارات التشدد فيقول: تضاءلت أهمية الدعوات الأخرى إلى جانب قوة الدعوة إلى القومية العربية والوحدة العربية وخاصة مع صعود نجم جمال عبد الناصر، الزعيم الكاريزمي من مصر، ليصبح أكبر ناطق باسم هذه الدعوة القومية. وظلت السياسة العربية على هذا النحو إلى أن حلت سنوات الثمانينات والتسعينات فإذا بالعروبة والاشتراكية العربية والقومية العربية والعقائد السياسية الأخرى وقد أصبحت جزءا من التاريخ بعد أن فشلت في تحقيق حياة أفضل للناس.
مع هذا كله يحرص مؤلف كتابنا (ص 132) على أن يسجل وجود فئات يصفها بأنها عناصر الاعتدال الإسلامي ممن تبدو برامجهم وطروحاتهم السياسية متوائمة في نظره مع مصالح أميركا في المنطقة بمعنى أنهم ملتزمون بالديمقراطية وعلى استعداد للتفاعل والنشاط السياسي في ظل نظام ديمقراطي.. صحيح أن هذه العناصر تعلن عن عدم رضاها على أميركا وسياساتها (تجاه إسرائيل والمنطقة) لكنهم لن يخوضوا حربا مع أميركا لأنهم يعلنون أيضا عن احترامهم للقانون الدولي والاتفاقات الدولية ويطمحون إلى العيش في سلام.
أخطار زعزعة الاستقرار
وإذ كان المؤلف يرى أن مثل هذه العناصر وغيرها من عناصر الخط الإسلامي لا يشكلون خطرا على أميركا ومصالحها فهو يرى من ناحية أخرى أن الخطر الأكبر المتربص في الشرق الأوسط إنما يتمثل في آفة يحددها على النحو التالي:
** عدم الاستقرار والصراعات الداخلية. وفي هذا السياق يعود الكتاب إلى التذكير بما احتوته صحائف الماضي بل والحاضر من سجل من وقائع العنف الذي اتسمت به منطقة الشرق الأوسط وفي هذا السياق لا يتورع الكتاب عن استعراض المواقع القطرية التي شهدت أحداث العنف ما بين المغرب والجزائر إلى لبنان ومصر والسودان إلى سوريا وشبه الجزيرة العربية.
هذا العنف الذي رصده المؤلف جعله يعود أيضاً إلى الإحالة إلى المستعرب الفرنسي المعروف جيل كيبل الذي كتب يقول إن المنطقة تعاني من تركيبة متشابكة تجمع بين زيادة السكان وبين قلة فرص العمل إلى انخفاض الأجور إلى قصور فرص التعليم ووسائل الاتصالات الحديثة. وهذه الأحوال خلقت بدورها تربة خصبة لاستنبات جذور العنف.
وباختصار يرى الكتاب أن أخطر ما أصاب الشرق الأوسط هو ذلك الترابط بين المعاناة الاقتصادية والإحباط السياسي لدرجة أن كثيرا من العرب (والإيرانيين أيضا كما يضيف المؤلف) باتوا يعانون من آثار الفجوة التي باتت تفصل بين آمالهم وبين واقع الأحوال السلبية التي يعايشونها.
التعليم.. نعمة أم سلبية؟
هنا نلمح ما نستطيع أن نسميه «جدل الظاهرة». وينصرف هذا الأمر على التعليم بوصفه أمرا إيجابيا في حد ذاته في الشرق الأوسط. المؤلف يرصد الحصر من انتصاف القرن الماضي على التوسع في التعليم.. وكان ذلك أمرا إيجابيا بكل مقياس.. لكن هذا التوسع أنتج أعدادا متزايدة ممن تعلموا وتنوّروا وخرجوا إلى معمعة الحياة تحدوهم آمال واسعة وطموحات بغير حدود في حياة أفضل.. ولكنهم فوجئوا بأن الأحوال الاقتصادية أصبحت قاصرة والمعايش أصبحت خانقة والفرص المتاحة أضحت من أضيق ما يكون: هنا حدثت تلك الفجوة التي يسهب المؤلف في رصدها والتحذير من خطورتها على السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط. وكل هذا ليس من أجل عيون شعوبه بل كله من المنظور الأساسي الذي يعتمده على طول طروحات الكتاب وهو المصالح القومية العليا للولايات المتحدة.
عن تشريح الثورة
في هذا السياق بالذات يتحدث المؤلف عن خطورة رفض الأوضاع.. وبالتحديد عن خطورة الثورة على الأوضاع.. ويحيل أيضا إلى الدراسة الرائدة التي سبق إلى وضعها في عام 1965 المحلل السياسي كرين برنتون تحت العنوان التالي: تشريح الثورة يقول برنتون: عادة ما تهب الانتفاضات المدنية العنيفة عندما يشعر عدد كبير من الناس أن هناك من وعدهم بحياة أفضل ثم حرمهم من تلك الحياة الموعودة إما لأن التوقعات (الوعود) لم تكن تستند إلى تقديرات واقعية أصلا، أو لأن الظروف تغيرت فحالت دون تحقيق تلك الآمال وترجمة الوعود إلى حقائق واقعة.
وكم أحسن المؤلف من ناحية أخرى حين رصد هذه الهوة الفاصلة بين الأمل والواقع، لا من منظور الاقتصاد وحسب ? ولكن من ناحية نظرة العرب والإيرانيين إلى أنفسهم يقول المؤلف (ص 142):
إن كثيراً من أبناء تلك الشعوب يعرفون تماماً الوزن النسبي لبلادهم (وحضارتهم وثقافتهم) على المستوى السياسي والدبلوماسي والعسكري والاقتصادي.. ولكنهم غاضبون ساخطون عندما يعاينون الواقع السلبي الذين يعيشون دون أن يتفق مع جدارة بلادهم ومكانتها التي يعرفونها. ويضيف المؤلف الأميركي قائلاً في نفس السياق: إنهم قوم معتزون بأنفسهم.. يتطلعون إلى صحائف تاريخهم في الحقب التي سبقت من الماضي، حيث كانت أمتهم على اختلاف الظروف من أقوى الأمم وأغناها.
طفرة الشباب وآثارها
وإذا كان الكهول في المنطقة قادرين على التطلع إلى هذا السجل التاريخي بحكم النضج والعمر.. فإن المشكلة الأخرى التي تواجه المنطقة، في رأي كتابنا، وفي رأي جمهرة أخرى من الباحثين والمحللين هي ما اصطلحوا على وصفه بالتسمية التالية: طفرة الشباب.. ومعناها أن الشرق الأوسط من أهم مناطق العالم التي تضم أجيالا بالملايين من الشباب اليافع الطالع والمتطلع في الوقت نفسه إلى حياة آملة واعدة وجديدة.
ومرة أخرى يعود المؤلف إلى الدراسات الدولية الوصفية ومنها دراسة حول السكان والأمن اهتمت بنسبة أجيال الشباب من الجنسين في مجموعة العمر 15-29 سنة في دول الشرق الأوسط المسلمة. وتخلص الدراسة التي أشار إليها الكتاب إلى علاقة الارتباط بين زيادة نسبة الشباب بكل مطالبهم وإحباطاتهم وبين احتمالات السخط والرفض والتمرد ومن ثم زعزعة الاستقرار.
و.. لنا ملاحظة بالاختلاف
ولكننا نرى نظرة مغايرة أو فلنقل مكملة للصورة التي حاول مؤلفنا رسمها، وبمعنى أن ظاهرة «شبابية السكان» كما يسميها علماء الديموغرافيات ليست ظاهرة سلبية على إطلاقها إن ثمة أقطارا سوبر متقدمة في العالم. مثل ألمانيا.. إيطاليا.. اليابان.. تضع أيديها على قلوبها أسفا وحسرة لأنها تفتقر إلى شبابية السكان بعد أن أصبحت أغلبية سكانها في حال من علو السن لدرجة تصفها علوم الديموغرافيا بأنها «شيخوخة السكان» بكل ما تعنيه هذه السلبية من تهاوي قوى الإنتاج وزيادة تكاليف التقاعد والتأمين الصحي وإصابة المجتمع بعامة لا بما يشبه داء تصلب الشرايين بمعنى عدم التجدد والتوثب وسيادة آفة الجمود. والمعنى هو أن وجود نسب كبيرة من شباب السكان يمكن أن يكون ذخيرة اجتماعية ثمينة إذا ما أحسن استثمارها بقدر ما يكون ـ كما يحذر المؤلف من منظوره الذي نراه تشاؤميا ـ أمرا منذرا بخطر التمرد وتعكير السلام الاجتماعي بشكل عام.
تركيبة اليأس والغضب
المهم باستمرار هو أن تتلافى النظم والنخب الحاكمة في المنطقة أن توصل جماهير مواطنيها ولا سيما فئات الشباب وانتلجنسيا المثقفين ومن في حكمهم من قادة الرأي وأركان المجتمع المدني إلى حال مرفوض يجمع بين عنصرين في غاية السلبية وهما: الغضب واليأس. وعند المؤلف أن هذا الخليط الخطير يمكن أن يفضي إلى سلبية تحمل صفة، مما يوجب المسارعة إلى التماس الحلول.
الصفحات: 540
الكتاب: مسار خارج الصحراء
تأليف: كينيث بولاك
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: راندم هاوس، نيويورك


