«هذا الرجل الطيب، كم يتحمل من كل الخصوم شمالاً ويميناً»، قالها أحد الحضور في جلسة مع وزير خارجية دولة فلسطين فاروق قدومي، الذي يشغل منصب رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير منذ عقود. وعلى ان «الرجل الطيب» لا يجوز في الحالة السياسية بما هي فن الممكن، الا ان المجاز اللغوي يشفع لمن يحاول دوما امساك العصا من المنتصفز
فها هو قدومي الذي لا يبدي تفاؤلا بالحوار الفلسطيني الجاري في القاهرة، يدعو لأطرافه بالتوفيق والوفاق، ورغم اتباعه دبلوماسية غير معتادة حاليا بين ابناء حركة «فتح» تجاه حركة «حماس»، الا انه يحذر الاخيرة من انها ستغرد خارج الاصطفاف الوطني الفلسطيني، حال رفضها الانضمام لمنظمة التحرير سعيا لبديلها.
بقي ان قدومي على خلاف ليس بالسهل مع الرئيس محمود عباس، لكنه حرص في الحوار التالي مع «البيان»، على التأكيد انه سياسي محض و«لا يفسد للود قضية»: نبدأ من حيث أتيت.. من طهران، حيث شاركت في مؤتمر بشأن غزة، صدر عنه ما استفز أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبدربه الذي دعا الى عدم المشاركة في أي اجتماعات تعقدها او ترعاها ايران؟
بالنسبة لنا ايران تتخذ موقفا معاديا من اسرائيل وليت الجميع يتخذوا مثل هذا الموقف المتحدي لاسرائيل واحتلالها للاراضي العربية. اما اخوتنا في الداخل من العاملين في السلطة الفلسطينية، كنا نتمنى ان يشيروا على الاقل الى ما يريدونه من ايران، وهي دعتنا الى مؤتمر لنصرة الشعب الفلسطيني بعد العدوان على غزة. ونحن نمد ايدينا الى الجميع لحشد الضغوط على اسرائيل للتسليم بحقوقنا المشروعة.
لكن هذا الاجتماع شهد هجوما من المرشد الايراني آية الله علي خامنئي على السلطة الفلسطينية؟
نحن ايضا نوجه انتقادات لبعضنا البعض، فمثلا انا مع المقاومة والسلطة لديها نهج مختلف. وعلى العموم جميعنا نأمل في ان نتوافق على مصالح شعبنا وقضاياه المصيرية وبالاخص بناء منظمة التحرير.
وهل يندرج الخلاف بينك وبين الرئيس محمود عباس في هذا الاطار؟
الخلاف بيننا هو سياسي فقط ولا يفسد للود قضية.
هناك استقطابات واصطفافات حادة في الصف العربي، والسلطة الفلسطينية صنفت مع محور الاعتدال، بينما هناك فريق فلسطيني اخر مع محور آخر يدعى الممانعة، الا يقف ذلك حجر عثرة في وجه التوافق الفلسطيني؟
لا اوافق على مسألة الاستقطابات هذه، نحن ارضنا محتلة، وسوريا ارضها محتلة ونحن جميعا نبحث عمن يدعمنا ويقف الى جانبنا لاستعادة اراضينا. وبعد سنوات من المفاوضات من دون مقاومة مع اسرائيل لم ننتزع حقوقنا، وبالتالي علينا ان نستخلص العبر وان نعود الى تدعيم موقفنا التفاوضي بالمقاومة.
ما الذي تعنيه بالضبط بالمقاومة؟
اعني المقاومة المسلحة.
لكن هناك رأياً آخر يعطي المقاومة مفهوما اوسع، بدلالة ان الانتفاضة الفلسطينية الاولى التي اتخذت شكل العصيان الجماهيري معتمدة الحجر سلاحا، حررت في نهايتها جزءا من الارض، بينما الانتفاضة الثانية التي اعتمدت الرصاص اضاعت هذا الجزء، الا ترون ان خصوصية الوضع في الارض المحتلة واختلال موازين القوى، يحتم البحث عن ادوات مقاومة جديدة؟
انا اعترض على ان اتفاق اوسلو حرر جزءا من الارض، بل المقاومة هي التي حررت، والامم المتحدة اعطت للشعوب المحتلة حق مقاومة المحتل.
أقصد الا يمكن التفكير في اللجوء الى الجماهير مرة اخرى لاجبار اسرائيل على الانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967؟
هذا الامر تقرره الجماهير نفسها، ونحن لا نستطيع ان نحملها ما لا طاقة لها به، لكننا بالتأكيد نشدد على دور الجماهير في مسيرتنا التحررية، وهي معنية ببلورة ادوات المقاومة التي تراها مناسبة لضمان الانسجام بين الاهداف والامكانات.
الوضع الداخلي الفلسطيني
انطلقت يوم الثلاثاء الماضي في القاهرة اعمال لجان الحوار الوطني الفلسطيني الخمس، واعقدها لجنة اعادة بناء منظمة التحرير(بدلالة ان حماس خصصت لهذه اللجنة اثنين من كبار قادتها موسى ابومرزوق ومحمود الزهار) لما يحمله هذا الموضوع من تعقيدات، كيف تنظر الى افاق النجاح في هذا الملف؟
الامر ليس معقداً، فمنظمة التحرير شكلت من ست منظمات واتسعت بعدها كثيرا، ونحن نرحب بانضمام حركتي حماس والجهاد الاسلامي لما لهما من ثقل في الشارع الفلسطيني.
هل انت متفائل بنجاح لجان الحوار؟
لا لست متفائلا بان تتوصل لجان الحوار الى اتفاق على تفاصيل موضوعات الحوار، بل الى خطوط عامة، وارجو ان يوفقهم الله.
واين انت من هذا الحوار؟
هذا الحوار موضوعه السلطة الفلسطينية ولا شأن لي بذلك، فانا اختص بمنظمة التحرير التي تعنى بكل الشعب الفلسطيني في كل اماكن تواجده، بخلاف السلطة المعنية بالشعب في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة فقط. وهنا اود ان اركز على ان جميع الفصائل المشاركة في هذا الحوار تبحث عن المشاركة في السلطة الفلسطينية لا منظمة التحرير، والمنظمة لها سياق اصلاحي آخر.
لكن الحوار واقعيا هو بين «فتح» و«حماس» وبقية الفصائل؟
لا الحوار هو بين السلطة الفلسطينية وحماس وبقية الفصائل، وجوهر هذا الحوار هو تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، ومنظمة التحرير وضعت فقط كعنوان.
الحوار الجاري لاعادة بناء منظمة التحرير اتى على خلفية الدعوة التي اطلقها رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل لمرجعية جديدة للفلسطينيين وهو ما فسر على انه بديل للمنظمة؟
منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني المعترف بها عربيا وعالميا، ولا شرعية لاي اطار اخر، واي طرف يسعى الى الشرعية لا مناص امامه من الانضمام الى المنظمة.
لكن صدرت غير مرة تصريحات من قادة لحماس لا تعترف بمنظمة التحرير؟
اذا انضمت حماس لمنظمة التحرير فنحن نرحب بها، اما اذا ارتأت عدم الانضمام للمنظمة فاننا سنمضي قدما في اعادة بناء المنظمة بمشاركة غالبية الفصائل، وبالتالي ستكون حماس خارج هذا الاصطفاف الفلسطيني الواسع.
الاخ ابواللطف.. ناضلتم عشرات السنين في سبيل قراركم الوطني المستقل، والان انتم امام تحد جديد يتمثل في تبعية وولاء حماس لجماعة الاخوان المسلمين؟
اولا حماس ليست تحديا امام فتح بل هي رديفة لحركتنا طالما انها منسجمة مع قناعات فتح الخاصة بمقاومة المحتل الى حين التحرير، وهي ايضا حركة فلسطينية ولا تعنينا امتداداتها خارج فلسطين.
على الارض هناك صراع محتدم بين الحركتين؟
هذا خطأ من الطرفين فكلاهما يتنازعان على سلطة لا تمثل سوى جزء من الشعب الفلسطيني، وانا ارى كتيار ثالث مثلا ان لا بديل عن الوحدة الوطنية على اساس برنامج واستراتيجية متفق عليهما من خلال منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل جميع ابناء الشعب الفلسطيني.
انت ترى الحل هو عودة الجميع لمنظمة التحرير، هل هناك مؤشرات على منظمة جديدة؟
لا هي منظمة التحرير نفسها بمجلسيها الوطني والمركزي ولجنتها التنفيذية، وما سيجري فقط هو انضمام اعضاء جدد اليها.
وهذا الانضمام على قاعدة التمثيل النسبي؟
لا ليس التمثيل النسبي بل هناك آلية ضم موجودة ونتمنى ان نتمكن من اعتماد النسبية التي تتطلب اجراء انتخابات.
لكن حماس تطالب بحصة الاسد من مقاعد المجلس الوطني (قيل انها 41%) تأسيسا على انها تعتبر نفسها القوة الكبرى على الساحة الفلسطينية؟
هذا خاضع للنقاش بيننا وبين الاخوة في حماس ونسبة التمثيل سيحددها الامناء العامون للفصائل. وانا هنا اود ان اوضح امرا جوهريا: الحوار الجاري في القاهرة بشأن اعادة بناء منظمة التحرير لا تتعدى صلاحياته الاتفاق على العموميات، اما التفاصيل التي هي مصيرية فانها من صلاحيات لجنة من المجلس الوطني والامناء العامين للفصائل ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس.
هل هناك أي حوارات او نقاشات تجري بينكم وبين حماس حول هذا الامر؟
الحوار معهم بدأ منذ العام 2005 وشاركت فيه معظم الفصائل الفلسطينية لكن ما منع نجاح هذه الحوارات الخاصة باعادة بناء منظمة التحرير هو الخلافات بين حماس والسلطة الفلسطينية في غزة.
تقصد سيطرة حماس على قطاع غزة بالقوة المسلحة؟
أقصد الخلافات بين السلطة وحماس في غزة.
نقطة نزاع : بوصلة الدم الفلسطيني في غابة البنادق
لما كانت العشوائية هي الناظم، تاريخياً، للاتجاهات السياسية والعسكرية للحركة الوطنية الفلسطينية، بقي الرهان الأخلاقي على «ديمقراطية غابة البنادق» لمنع الانزلاق من علو النزاع الرئيسي مع اسرائيل، الى قاع الصراعات الداخلية السفلي.
ولأن الأخلاق في عالم متغير تتخذ مفاهيم نسبية، ولاسيما اذا اضيفت اليها تلاوين السياسة، فإن الرهان سرعان ما سقط وجرى مع جريان دم الأشقاء في غزة، حين أخطأت البندقية الهدف وخرقت شعار «حرمة الدم الفلسطيني».
على هذا، فان الروائح المتسربة من حوارات لجان الفصائل الفلسطينية في القاهرة، لا تشير الا لحرائق مقبلة، في انتظار ريح المكائد الاسرائيلية، أو الأجندات الاقليمية على حد سواء. ذاك ان رفاق الدرب الذي تشعب كثيرا، لم يحرصوا قبل البدء بهذه الحوارات، على تحديد معدن البوصلة، أو الاطار العام الهادي لهذا التناحر الداخلي. فلا أحوج للفلسطيني الآن من ضمانات مكتوبة في صيغة ميثاق مثلاً، يحرم اللجوء الى السلاح في فض الخلافات مهما كانت مصيرية، ويعد لمنتهك هذا الميثاق مكانة المنبوذ والملفوظ خارج الصف الوطني.
القضية المركزية في الشرق الاوسط الآن، باتت نهبا لموازين قوى مختلة، واجندات اقليمية متضاربة حولتها الى أداة حصد مكاسب مع القوة الاميركية المهيمنة، ومختبرا لنماذج حكم ايديولوجية مرتبطة بفزاعة «الاخوان المسلمين» المعولمة. كل ذلك يجعل من «ديمقراطية غابة البنادق» وهما جديدا ينضاف الى قاموس اليوتوبيا الفلسطيني المتخم. وعليه فلا بديل من آلية جديدة ناظمة للعلاقات الفصائلية يتم تضمينها في لوائح منظمة التحرير والقانون الاساسي للسلطة الفلسطينية.
هذا أيضا ينطبق على المنطق السياسي والبرنامجي للفصائل الفلسطينية، التي يجب اشتراط التزامها بطهارة السلاح، لاتخاذ حيز في الصف الوطني، فضلا عن ضرورة تنظيف خطابها من الازدواجية الانتهازية، وهنا نحن معنيون أساساً بالقوتين الرئيسيتين: «فتح» و«حماس». فـ «فتح» مطلوب منها حل معضلة «الحركة والسلطة»، والغاء هذا التواري الممجوج في عملية صنع القرار بين مؤسسات السلطة والحركة ومنظمة التحرير، والابقاء على خيار المقاومة قائما لرفد المسار التفاوضي.
أما «حماس» فالمعضلة لديها أشد تعقيدا: اطلاق شعارات طوباوية في هذه المرحلة، من مثل تحرير فلسطين من البحر الى النهر، وفلسطين وقف اسلامي، لا يتقرر مصيرها الا بعد موافقة آخر مسلم في غابات اندونيسيا مثلا. ومن ثم التصريحات العشوائية السابحة في فضاء الحيرة السياسية؛ فكل ما سبق فوجئ بمبادرة تسووية حملت اسم احمد يوسف لدولة على اراضي67 بحدود مؤقتة، وتصريحات مهادنة من زعيم الحركة نفسه خالد مشعل، بالاستعداد لمفاوضة نتانياهو وان «حماس» أقوى وأضمن من محمود عباس الذي لم يستطع الالتزام باستحقاقات الاتفاقات مع اسرائيل.
خالد أبوكريم
