يتطرق الباب الأول من الكتاب إلى ما يصفه المؤلف بأنه..«مصالح أميركا في الشرق الأوسط» وهو يعدد هذه المصالح حسب ترتيبها على مدى الفصول الأربعة التي يتألف منها هذا الباب.. والترتيب هو: النفط، إسرائيل، حلفاء أميركا، عدم الانتشار (لأسلحة الدمار الشامل).
منذ السطور الأولى يبدي كينيث بولاك ملاحظة نراها بالغة الأهمية حين يشدد على أن مصالح أميركا البترولية في الشرق الأوسط لا ترجع فقط إلى كمية النفط التي تستوردها واشنطون من المنطقة، ولكن أيضا إلى أن البترول مهم بالنسبة«لاقتصادنا ومن ثم لسائر اقتصادات بقية العالم الذي تعد تجارتنا معها أمرا حيويا بالنسبة للاقتصاد الأميركي» يصدق هذا على النفط الخام بقدر ما يصدق على نواتج البترول ومشتقاته، بقدر ما يصدق أيضا على اقتصاديات النفط بشكل عام. الكمية الواردة إذن ليست هي العامل الأول أو المحوري في ارتباط النفط بمصالح أميركا.. هناك كما أسلفنا العامل التجاري ؟ الاقتصادي الذي يؤثر على اقتصاد العالم كله.
يشير المؤلف بناء على ما سبق إلى أن مصلحة أميركا النفطية بالتالي أصبحت ملخصة في نظره كما يلي (ص 21 ) : ما دمنا في حالة إدمان للنفط الغزير والرخيص، فلسوف نظل بحاجة إلى أن نضمن ألا يطرأ عامل يؤدي إلى ضياع فادح ومفاجئ لصادرات البترول الشرق أوسطية.
ما الذي يعنيه هذا المنحى؟
يعني بغير مواربة ؟ يضيف مؤلفنا ؟ أن لنا مصلحة في الحيلولة دون اندلاع الحروب (الأهلية داخل الدول أو الجهوية فيما بين الدول) أو قيام ثورات أو شن هجمات إرهابية من شأنها أن تؤدي إلى أي إعاقة أو انقطاع في تدفق هذه الواردات.
وماذا عن إسرائيل؟
ماذا إذن عن العامل المصلحي التالي لأميركا.. إسرائيل؟
بداية، يردد الكتاب المقولات الشائعة عن إسرائيل بوصفها موئل الديمقراطية في الشرق الأوسط (!) وبعدها يحيل إلى ساسة أميركيين يعزون ارتباط الطرفين إلى ما يوصف بأنه«عقدة الذنب» التي ساورت أجيالا في أميركا وأوروبا إزاء محارق الهولوكوست التي قيل أن اليهود تعرضوا لها على يد النازي خلال الحرب العالمية الثانية. في هذه السطور بالذات تتردد كلمات جليلة ومعاني سامية منها العدل والإنصاف وحقوق الإنسان والنوازع الأخلاقية..
لكن هذا كله ينصرف إلى اليهود في إسرائيل الوافدين من محارق أوروبا وحارات ؟ معازل اليهود في أقطارها.. دون أن يشمل حديث العدل وحقوق الإنسان شعب فلسطين صاحب الأرض الأساسي والشرعي في كل حال.
مع ذلك.. لا يسع المؤلف ؟ وهو خبير وسياسي وباحث ؟ سوى أن يقول إن للفلسطينيين بدورهم (ص 29) يشكلون شعبا يستحق أن يكون له دولة خاصة به ويستأهل دعما من جانب الولايات المتحدة كي ينال حق تقرير المصير. ثم يصل المؤلف الكتاب إلى أن يقول:
- أنا أؤمن بعمق بأن من واجب الولايات المتحدة أن تواصل تأييدها لحق الشعوب في تقرير المصير.. و.. هذا يعني تحديدا تأييدها المطلق لحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية جنبا إلى جنب مع دولة فلسطينية تشتركان في رقعة أرض فلسطين التي شملها في السابق الانتداب (البريطاني) غربي نهر الأردن.
)بديهي أن نلاحظ على الفور وصف إسرائيل بالدولة اليهودية دون وصف فلسطين بالدولة العربية المسلمة في غالبية مواطنيها).
ديمقراطية إسرائيل ليست مثالية
مع هذا كله.. وحتى لا يغرقنا المؤلف في شعارات خطابية، فهو يبادر من باب الاحتراز العلمي إلى القول بأن إسرائيل ليست واحة الديمقراطية المثالية أو مدينتها الفاضلة في الشرق الأوسط.. ويكفي أن يشير من جانبه (ص 33) إلى أن هناك تمييزا واضحا بحق السكان العرب في إسرائيل برغم ما يقال عن نظامها الديمقراطي.
ومن عجب أن تلجأ حجج المؤلف في الدفاع عن ممارسات إسرائيل إلى نوع من الابتزاز الفكري حين يوضح أن بلاده ؟ أميركا ذات نفسها لها سجلها غير اللائق في التمييز العنصري ضد الهنود الحمر وضد الملونين بقدر ما أن بريطانيا ميزت ضد الأيرلنديين وبقدر ما تميز أوروبا الغربية ضد مواطنيها من أقليات العرب والمسلمين. من هنا يخلص المؤلف ـ كما قد تتصور إلى أن يقول في ملامسة بارزة للواقع:
ـ لا توجد ديمقراطيات كاملة الأوصاف في العالم. صحيح أن إساءات إسرائيل وتمييزها ضد العرب أمور لا بد من إدانتها والضغط من أجل أن يكف الإسرائيليون عنها ممارستها.. إلا أنها لا تحرم إسرائيل من وصفها بالديمقراطية.
المهم ؟ يضيف المؤلف ؟ أن تفهم أميركا أن دعمها لأمن إسرائيل لا ينبغي أن يترجم على طول الخط إلى تأييد غير مشروط لكل ما تتبعه إسرائيل من سياسات. والواقع أن إسراف أميركا في تأييد إسرائيل (دون قيد أو شرط) أسفر كما تدل الوقائع عن أضرار فادحة: تأمل مثلا مؤازرة بل تشجيع إدارة ريجان لقرار إسرائيل الأخرق باجتياح لبنان في عام 1982، وجاءت النتيجة وبالا على كل من إسرائيل والولايات المتحدة بالنسبة لحلفاء أميركا في الشرق الأوسط.
ثم يوضح المؤلف أهمية المصالح المتبادلة بين أميركا وهؤلاء الحلفاء بحيث لا يتوقف كل شيء على البترول ؟ ومن ثم فواشنطون تولي أهمية كبرى لعلاقاتها مع مصر وهي دولة غير نفطية ولكن من منطلق أن القاهرة لها دورها بكل أهميته المحورية في استقرار المنطقة. ويضيف المؤلف في هذه القائمة كيانات سياسية عربية أخرى مثل الأردن والمملكة السعودية ودول منطقة الخليج العربية فيما يورد نموذجا لأهمية العلاقات الاقتصادية ومن ذلك مثلا أن بلغ حجم التجارة بين الشقيقة السعودية والولايات المتحدة ما يقرب من 44 مليار دولار في عام 2006.
عدم الانتشار وكراهية أميركا
في مجال عدم الانتشار يمعن المؤلف من جانبه في توضيح بديهية أن من مصلحة أميركا عدم انتشار «أسلحة الدمار الشامل» في أرجاء منطقة الشرق الأوسط. يعترف ضمنا بأن إسرائيل من الدول التي تحوز السلاح الأخطر رقم واحد في قائمة تلك الأسلحة وهو السلاح النووي ؟ يقول إن إسرائيل عبرت بوابة الحظر النووي دون تكاليف تذكر ؟ شأنها في ذلك شأن بلاد أخرى مثل الهند وباكستان.
مع هذا كله يلفت أنظارنا ؟ كقارئين. السطور التي يختم بها المؤلف هذا الباب الرباعي الفصول عن مصالح أميركا بالشرق الأوسط. تقول السطور:
بديهي أن (ظاهرة آفة) الإرهاب تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة. لكن علينا أن نسجل أيضا أن الإرهاب تهديد لمصالحنا بقدر ما أنه ناتج فرعي ناشئ عن هذه المصالح ذاتها (!) كيف؟.. إن أميركا تتعاطى باستمرار مع منطقة الشرق الأوسط من أجل البترول بالدرجة الأولى. وهذه المصالح النفطية هي التي تدفعنا إلى محاربة الإرهابيين التي يحاولون طردنا إلى خارج المنطقة.. وهنا يصدق القول بأن كثيرا من هذه العناصر يكرهوننا لأننا ندعم إسرائيل.
والمهم أن أميركا مازالت ترى أن تحقيق مصالحها الحيوية نفطا أو تجارة أو اقتصادا ؟ إنما يفرض عليها مواصلة تعاطيها وتفاعلها مع منطقة الشرق الأوسط. على أن هذا التفاعل لا بد وأن يصدر في رأي المؤلف ؟ عن موقف فاهم لما يعتمل في أحشاء المنطقة من قضايا ومشكلات.. وهي عديدة، لدرجة أن يطلق المؤلف الوصف التالي:
هناك بحر من المشاكل الاجتماعية الاقتصادية، وهذا هو بالمناسبة، عنوان الفصل الأول من الباب الثاني من الكتاب. في مقدمة هذه المشاكل ما يتعلق بقضايا السكان والتعليم وعصر المعلومات ويصفه الكتاب بكلمة واحدة:
الديموغرافيات: ومعناها بالطبع العوامل السكانية.. ما بين زيادة أو نقص السكان إلى نمط توزيع السكان على الأرض. إلى معدلات زيادة (أو نقص) الناتج المحلي الإجمالي من أجل الوفاء بالاحتياجات المتزايدة كمّاً ونوعاً لهؤلاء السكان.
ومن واقع إحصاءات البنك الدولي يوضح الكتاب أن على قمة مشاكل المنطقة تأتي مشكلة البطالة ومن ذلك المثل الذي يسوقه (ص 57) من أن بلدا كبيرا ومهما مثل مصر العربية يحتاج اقتصاده إلى توفير نحو 750 ألف فرصة عمل سنويا لكي يواكب تدفق سيل الخريجين من شباب وشابات الجامعات والمعاهد، ولكن اقتصاده لا يوفر سوى نحو 350 ألف فرصة عمل، وطبعا يتحول الكم الباقي إلى عالم البطالة السافرة أو المقنّعة على السواء بكل ما تفضي إليه مثل هذه الأوضاع الاقتصادية من مشاكل اجتماعية وسيكولوجية وسلوكية وأمنية على السواء.
البطالة في الحضر خطيرة
ويزيد من هذه السلبية زيادة معدلات التحول الحضري (من حياة الريف إلى حياة الحواضر في المدن) حيث تزيد معدلات البطالة الحضرية كما تقول دراسات باحثين متعمقين عن معدلات البطالة في ربوع الأرياف وحيث تزيد وبالتناقض الآمال والمطالب والاحتياجات من حيث الكم والكيف لساكني الحضر عن نظرائهم من سكان البوادي والأرياف. يضاف إلى هذه السلبيات ما يسوقه المؤلف أيضا من انخفاض إنتاجية العمل في أقطار الشرق الأوسط بشكل عام..
ورغم أن هناك من تلك الأقطار ما يحظى بعدد كبير من السكان.. إلا أن ما يقوم بتصديره بلد مثل سنغافورة أو كوريا (وهي أسيوية بداهة وليست أوروبية) يمكن أن يعادل في يومين اثنين ما يمكن أن يصدره هذا البلد الشرق أوسطي أو ذاك على مدار عام كامل (ص 77). من هنا لا سبيل للقول بقدرة معظم الاقتصادات الشرق أوسطية (العربية في أغلبها) على المنافسة في حلبة التجارة الدولية.
في كل حال ورغم كل التحيزات من جانب مؤلف الكتاب.. فقد نوافقه تماما على أن أهم الأسباب الجذرية التي أدت إلى هذا التدني في أداء الشرق الأوسط ؟ العربي المسلم في معظمه إنما يتمثل بدوره في كلمة واحدة هي:
التعليم. أو كما يعبر المؤلف (ص 85) قائلا: معظم، إن لم يكن جميع، المشاكل التي تواجه العالم العربي من حيث إمكانية التكامل ضمن اقتصاد العولمة إنما تتأتى أساسا من انخفاض مستوى التنمية البشرية في كل مجتمعاته..
كفاءات عربية مرموقة
يستدرك كينيث بولاك قائلا: ليس معنى هذا أن ليس بين العرب كفاءات لامعة وقادرة على الابتكار وتتمتع إلى حد مرموق بمهارة الاستثمار المنتج وتنظيم المشاريع، ولديها الاستعداد لأداء بالغ الرقي في اقتصاد المعلومات الجديد. لكن هذا معناه أن مشكلة العالم العربي الأولى هي أنه لا يستطيع ولا يناضل لإنتاج العدد الكبير المطلوب من هذا الطراز الرفيع من أبنائه القادرين على المنافسة في هذا المضمار. ورغم أن هناك عوامل سياسية وثقافية وسوسيولوجية قد تساهم في هذه المشكلة، إلا أن القضية المركزية تتمثل كما يستطرد المؤلف في نوعية نظم التعليم المتبعة حتى الآن في مشرق العالم العربي وفي مغربه حيث المعرفة هي أهم سلعة في مجتمع المعلومات الحديث الراهن.
مع ذلك يمكن القول بأن المشكلة في بعض أجزاء العالم العربي الشرق أوسطي هي مشكلة موارد وإمكانات مادية بالأساس: صحيح أن كثيرا من تلك الأقطار أولت اهتماما محمودا عبر سنوات الجيل الماضي بالتعليم.
لكن من هذه الأقطار ما جاءت زياداتها السكانية لتؤدي فأفضت إلى تآكل الثمار الإيجابية المتوقعة من هذا الاهتمام.. ومن ذلك مثلا ارتفاع كثافة الفصول الدراسية وقصور أجور المعلمين وعدم كفاية الأبنية والمؤسسات التعليمية المزودة بالمرافق والوسائل الحديثة.. ناهيك عن ملاحظات البنك الدولي بأن معدلات الأمية لا تزال تعوق استمرار التقدم في مجتمعات شتى من المنطقة.
في هذا السياق قد نحمد للمؤلف تعمقه في ما يسميه«مشكلة في الشرق الأوسط» وأحيانا يستخدم وصف«الأزمة».. فضلا عن استعانته كما ألمحنا بإحصاءات البنك الدولي مما ينفي شبهة التحامل من ناحية أو المجاملة من ناحية أخرى، لا سيما وأنه يحيل في مواضع شتى من تقصيه لمشاكل أو فلنقل أزمات العالم العربي الشرق الأوسط إلى تقارير التنمية البشرية، التي مازالت في حكم المراجع الموثوقة بالنسبة لأحوال المنطقة. وقبل أن نمعن في الثناء على«مروءته» العلمية فإن كتابه ينبهنا إلى أنه يتخذ هذه المبادرات البحثية على ضوء ما يتربص بمصالح أميركا في الشرق الأوسط من أخطار وتهديدات.
الصفحات: 540
الكتاب: مسار خارج الصحراء
تأليف: كينيث بولاك
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: راندم هاوس، نيويورك
