هذا الكتاب. . يصفه «دينيس روس» المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط بأنه عمل نادر لأنه يقدم تقييما سليما وموضوعيا لما تواجهه الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط فضلا عن الاستراتيجية التي يطرحها من أجل ما تصادفه واشنطن من التحديات الصعبة والواسعة النطاق في المنطقة.
أما «ريتشارد هولبروك» مندوب أميركا الأسبق بالأمم المتحدة فيغبط المؤلف على أنه استطاع أن يخوض غمرات قضايا الشرق الأوسط وهي أكثر تعقيدا أو تشابكا في زماننا حيث يتعامل معها المؤلف من منظور تحليل العليم ببواطنها والقادر من ثم على طرح مقترحات بناءة من أجل التعلل بها. ويهتم «ساندي بيرغر » مستشار الأمن القومي السابق في البيت الأبيض بتأكيد مؤلف الكتاب على أهمية دعم المنطقة وشعوبها على أنجاز ما ترنو إليه من إصلاحات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن ميزات الكتاب أن المؤلف لا يفتأ يستعين بأهم الإحصاءات والبيانات الاقتصادية والديموغرافية الصادرة عن دراسات البنك الدولي بشأن منطقة الشرق الأوسط فضلا عن إحالته الدائمة إلى كتابات المحللين الاختصاصيين في قضايا المنطقة سواء على مستوى تاريخها وتطور مجتمعاتها أو على مستوى الواقع الميداني الذي يشهده الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة.
كتاب مطلوب يأتي في موعده بالضبط. بهذه العبارة يصف السياسي الأميركي «ستروب تالبوت» منطلقات ومحتويات الكتاب الذي نشرع في تقليب صفحاته عبر الحلقات التي نقدم فيها عرضنا التحليلي لأبوابه الخمسة وفصوله التي بلغ عددها 18 فصلا.
التصدير الذي يمهد به «تالبوت» للكتاب يوضح أن الشرق الأوسط ظل يمثل «الصداع رقم واحد» بالنسبة للرؤساء الأميركيين الذين حكموا في البيت الأبيض على مدار أكثر من نصف قرن. . أي تحديدا ما بين ترومان عقب الحرب العالمية الثانية إلى جورج بوش ـ الابن في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. كانوا 10 رؤساء. . نصفهم جمهوريون والنصف الآخر ديمقراطيون وظل الشرق الأوسط يشكل بالنسبة لهم تحديا صعب المراس. بمعنى أن ظل منطقة تنطوي على خطر من الناحية الجيوبوليتيكية وغالبا ما كان التعامل مع مشاكلها ـ يفضي إلى حال من الإحباط.
90 سنة بترول
وعلى خلاف التصورات الدارجة بأن المنطقة اكتسبت أهميتها من واقع خطط الحلفاء خلال الحرب الكونية الثانية التي خاضوها ضد النازي ـ فالحق أن الشرق الأوسط بدأت أهميته بالنسبة للعالم أجمع منذ 90 سنة بالضبط.
لماذا؟
بالتحديد في عام 1908 ـ وهو العام الذي تسامع فيه العالم باكتشاف البترول في منطقة «مسجد سليمان» جنوب غربي إيران. . ومن يومها ـ يضيف تالبوت ـ والشرق الأوسط يكاد يمثل محطة التموين النفطية بالنسبة للعالم. . (بالمناسبة. . سبق اكتشاف البترول في مواقع أخرى من المنطقة. . مثل مصر والبحرين ولكن بكميات لم ترق إلى المستوى الاقتصادي).
خارطة الجمع والطرح
المهم أن مؤلف الكتاب يعتمد خارطة ترسم معالم الشرق الأوسط. . حيث تضم جميع الدول العربية من المغرب إلى شرقي شبه الجزيرة في الخليج ولكن مع عملية جمع وطرح رآها المؤلف مهمة بالنسبة لمصالح أميركا التي تدور حولها فصول هذا الكتاب:
في حالة الجمع يضيف المؤلف إيران. وفي حالة الطرح يستبعد المؤلف كلا من موريتانيا والصومال بحجة، لا نوافقه عليها، أن البلدين أقرب إلى قارة أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى!
ولكن الطرح ـ الأهم هو ما عمد إليه مؤلفنا أيضا من استبعاد إسرائيل كي يستقيم حديثه عما يسميه «الشرق الأوسط المسلم». . باعتبار أن سكان المنطقة في أغلبهم الأعم ـ كما يقول ـ مسلمون. . وإن كان هناك سكان من أهل المنطقة من غير المسلمين. . هذا فضلا عن أن الكل ـ فيما عدا إيران طبعا ـ يتكلمون العربية ولو بلهجات مختلفة.
مذهب اليبرالية والتدخل
أما عن منهج التعامل مع مادة الكتاب فإن المؤلف يصارح قارئه بغير مواربة قائلا: أنا أجمع في منطلقاتي بين مذهب الحرية الليبرالية وبين مذهب التدخل. وبمعنى أن يحدوني إيمان عميق بأهمية انخراط أميركا في أمور العالم على ضوء القيم الأميركية. لكن هذا التعاطي يصدر عن أسباب أدبية ـ أخلاقية وأسباب مصلحيه أيضا حيث اعتقد أيضا أن بوسع أميركا أن تكون قوة موجهة لخير العالم. . وقد كنا كذلك من أيام الحرب العالمية إلى أيام مشكلة البوسنة. وأؤمن أيضا ـ يضيف كينيث بولاك ـ بأن ما بذلته أميركا من جهود لتعزيز التقدم ومساعدة الدول والشعوب الأخرى ومعارضة الذين يودون استخدام العنف وسيلة للتغيير ـ كل ذلك كان يصب أساسا في مصلحة دعم أمننا وفي مزيد من ازدهارنا.
تحفظات على المؤلف
وهكذا تحدث المؤلف من واقع خبرته الطويلة بمنطقة الشرق الأوسط. . فضلا عن المسؤوليات الوظيفية التي اضطلع بها سواء في المخابرات المركزية أو في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض أو في كبرى مؤسسات الدراسات والبحوث في أميركا. . ورغم هذه «المؤهلات» الجذابة ـ إلا أن علينا أن نتحفظ على بعض مقولاته مشيرين إلى أنه كان من دعاة شنّ الحرب على العراق وهي ترجمة شبه حرفية في تصورنا للمذهب الذي يعارضه وهو: مذهب التغيير بالقوة.
الاستراتيجية الكبرى. . لماذا؟
مع هذا كله علينا أن نمضي مع المؤلف إلى حيث يطرح مبررات دعوته استراتيجية جديدة هي المحور الأساسي الذي يدير عليه مقولاته هذا الكتاب وقد نلخص هذا كله في السؤال التالي:
استراتيجية كبرى (شاملة) لأميركا في الشرق: لماذا؟
في معرض الإجابة تورد الصفحات والطروحات الاستهلالية من هذا الكتاب نقاطا متعددة تتشابك مع بعضها كي تشكل في النهاية إجابة على هذا السؤال الجوهري:
لأن الشرق الأوسط ـ حتى تاريخه ما زال أكبر مصدر للبترول في العالم.
لأن المنطقة تعاني من الصراعات وحالات زعزعة الاستقرار. وإذا ما قيض لهذه الظروف أن تتحول إلى حالة الانفجار فلسوف يعاني آثارها العالم. . لدرجة تهدد النظام الاقتصادي والإنتاجي بل وأسلوب الحياة على الساحة الدولية بأسرها.
لأن أميركا ظلت، في رأي المؤلف، تعتمد سياسة غير راشدة تجاه المنطقة. . فأولا تعاملت معها بأسلوب الحرب الباردة التي كانت تشهد آليات «الاحتواء» لمحاصرة الاتحاد السوفيتي. وثانيا لم تحرص واشنطن على التعاطي بجدية وتعمق مع المنطقة ولا مدت لها يد العون الاقتصادي أو التكنولوجي وكانت النتيجة أن غرق الشرق الأوسط في حمأة التخلف والإعاقة الاقتصادية وبؤس المعيشة. . وثالثا لأن ثمة مشاكل في المنطقة كانت بحاجة إلى مزيد من الجهد الدؤوب. . وفي مقدمتها الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
(هنا يحسن المؤلف وصف الصراع مع الكيان الصهيوني، حيث لا يقصره على الجانب الفلسطيني بل يوسع مفهومه إلى حيث يصفه بصراع عربي ضد إسرائيل).
عندما ساعدوا غرب أوروبا وشرق آسيا
ويعترف المؤلف بأن وضع واتباع إستراتيجية كبرى. . جامعة شاملة (جراند كما يسميها عنوان كتابه) لن يكون بالأمر السهل ولن يستغرق وقتا قصيرا. ويضيف قائلا:
ـ علينا أن نفكر على أساس عقود من الزمن. ولن ننسى أن أميركا أمضت نحو 40 أو 50 سنة وهي تواصل في دأب مساعدة أوروبا الغربية على التغيير والتحوّل من أجل إنهاء ذلك الوباء الذي كان متأصلا في حياة الأوروبيين وأي الحروب التي قامت بينهم والصراعات العرقية والنزاعات الداخلية والثورات التي شهدتها أوروبا الغربية وقسوة العسف والاضطهاد مما جعل أوروبا أشد مناطق العالم عنفا على مدى ألف عام.
ويواصل المؤلف الحديث أيضا ليقول: إن شعوب ودول أوروبا الشرقية تعيش حاليا مرحلة مماثلة من التغيير والتحول. . لكن في حالة الشرق الأوسط لا سبيل إلى تصوّر أن هذه المرحلة من التحولات سوف تستغرق أقل من 20 إلى 30 سنة بل قد تستغرق وقتا أطول من ذلك. . والأفضل أن تكون وئيدة بل أن تمضي على مهل. فقد أثبتت التجارب ـ ينبه المؤلف ـ بأن التغيير السريع يمكن أن يكون مدمرا في بعض الأحيان، فما بالك أن هدفنا هو التوصل إلى شرق أوسط أكثر استقرارا وسلامة وتقدما.
ثم تقضي الاستراتيجية الأميركية المنشودة بأن تتحرك آلياتها التنفيذية في إطار من التناسق والتكامل كي لا يعارض بعضها بعضا. على أن يظل الهدف الأكبر نصب أعيننا وهو:
** أن تساعد أميركا منطقة الشرق الأوسط على إصلاح اقتصاداتها الراكدة، وتحسين نظمها التعليمية وتطوير أنظمة قانونية عملية المنحى والتطبيق تفضي إلى ترسيخ سيادة القانون وإعادة صياغة نظمها السياسية بما يتوافق مع المبادئ الديمقراطية وإتاحة السبل أمام ثقافتها السائدة إلى حيث تتماشى بفعالية مع كل ما تأتي به العولمة من تغيرات.
التمكين لإجراء الإصلاح
ثم يحسن المؤلف صنعا كذلك حين يختار لهذه الاستراتيجية العليا وصفا مبتكرا هو: «تمكين الإصلاحات». ويعمد من ثم إلى توضيح وتعميق التسمية بصورة أفضل قائلا: أنا أقصد أن دور أميركا وغيرها من القوى الخارجية ليس إصلاح الشرق الأوسط ولكن ببساطة إتاحة الفرصة أمام القوى الراغبة في الإصلاح من داخل المنطقة أن تمضي على هذا الطريق بصراحة تامة ـ يقول بولاك ـ فقد كنا نسعى (الأميركان) إلى تجنب اعتماد نهج من هذا القبيل ولم يفض هذا المسعى سوى إلى تفاقم مشاكلنا في منطقة الشرق الأوسط.
بعدها يثير المؤلف نقطة جوهرية أخرى هي إن مسيرة الإصلاح لا بد وأن تصدر عن منطلق داخلي أصيل نابع من واقع المنطقة ذاتها. . فالعناصر الخارجية (أميركا أو غيرها) ليست مؤهلة لمعرفة كيف يكون التغيير في مجتمعات الآخرين. .
وبصورة خاصة فإن نجاحاتنا (يقصد مسؤولي الولايات المتحدة) في إحداث التغيير في أوروبا الغربية وفي شرق أوروبا وفي أميركا اللاتينية جاءت متصلة بشكل مباشر مع قدرة تلك الشعوب على التكيف مع الأفكار والنماذج الأفضل والأحدث ولكن بما يتفق مع ظروفها الخاصة. المهم أن لا تعمد أميركا أو غيرها إلى أن تفرض فكرة بعينها ولا نموذجا بذاته على مسلمي الشرق الأوسط..
وأنا أدرك بيقين أن هذه الشعوب الشرق أوسطية تريد نظما ديمقراطية للحكم ولكنهم يتطلعون إلى نظم تلائم ظروفهم وتتفق مع تاريخهم وتتواءم مع ثقافتهم وأعرافهم وتقاليدهم.. ونحن نعلق بإيجاز شديد: فنقول مع مؤلف هذا الكتاب: التغيير في الشرق الأوسط لا يمكن أن يحمل شعار «صنع في أميركا».
الحاجة إلى شركاء دوليين
مع هذا كله فالتحول في المنطقة يحتاج إلى مساعدة دولية. وهنا يلمح المؤلف دورا مهما للولايات المتحدة. . وبمعنى أن المجتمع الدولي في رأيه. . وبقيادة أميركا يمكن أن يمد يد المساعدة والمؤازرة لشعوب الشرق الأوسط ـ المسلمة في معظمها. .
بحيث يأتي هذا العون الدولي ـ الخارجي ـ على شكل مساعدات معنوية ومادية وتزويد بالخبرات والمعارف والدراية التقنية. والأهم أن تعمل الولايات المتحدة في إطار شراكة مع أطراف دولية أخرى راغبة في مد يد المساعدة لشعوب هذه المنطقة السوبر ـ حساسة، بالنسبة لمصلحة العالم وسلامته ورخائه وآفاق مستقبله على السواء.
إننا نلاحظ مع البدايات كيف ينطلق المؤلف من واقع مصالح أميركا في الشرق الأوسط وهو بالضبط العنوان الذي اختاره للباب الأول من الكتاب وهو يمهد لهذا الباب المحوري بسطور تحمل ما يمكن أن نسميه نبرة الاعتراف ويقول فيها: إن أميركا اليوم ضائعة في رمال الشرق الأوسط ولن يقيض لنا أن نستخلص أنفسنا من هذه الورطة إلا إذا إما تعهدنا بأن نبذل نفس الجهود التي سبق لأميركا أن قامت بها لصالح أوروبا وشرق آسيا كي نعاود بذلها لما فيه صالح الشرق الأوسط. ولو فعلنا ذلك لتوافر أمامنا أكثر من سبب يحمل على الاعتقاد بأننا سنحقق النجاح في نهاية المطاف. صحيح أن الطريق شاق وطويل. . ولكن ثمة مسار واضح يمكن أن نسير فيه ماذا بنا حتى نتجاوز الضياع بين رمال الصحراء.
تأليف: كينيث بولاك
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: راندوم هاوس، نيويورك

