في ختام الكتاب وفي محاولة لتقديم رؤية مستقبلية بشأن ما ستؤول إليه العمليات الإسرائيلية الجارية لتهميش قضية فلسطين، والتي يقابلها جهد فلسطيني لإثبات الحقوق يناقش المؤلف الجدل الدائر بشأن المستقبل الأفضل للقضية الفلسطينية وما إذا كان يتمثل في سيناريو الدولة الواحدة أم الدولتين؟ وفيما يشير إلى أن رصيد الحل الأول تبدو بالغة المحدودية يذكر المؤلف ما يؤكد عليه أنصار الأطروحة المركزية القائمة على رؤية حل الدولتين من أن فكرة الدولة الواحدة غير عملية وأنها على هذا الأساس غير جديرة بالبحث.

ويذهب أنصار حل الدولتين أن ذلك هو على الأقل هو الممكن تخيل وجود قدر من الاتفاق بشأنه، وهو ما يعني أن أنصار خيار الدولة الواحدة، حسبما يذهب الكتاب، قد يعدون من مدمني الأحلام ومضيعي الوقت. ويسوق المؤلف في معرض استعراض الطروحات النظرية بشأن ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع رؤية داعية السلام الإسرائيلي يوري أفنيري والفيلسوف الأمريكي ميشيل نيومان حيث يشيران إلى ضعف احتمالات الدولة الواحدة مؤكدين على ضرورة انصراف الجهود إلى حل الدولتين في ضوء تضاؤل الفرص في قبول الإسرائيليين خيار الدولة الواحدة التي تعطي للفلسطينيين ما لليهود من حقوق.

وفقا لما يشير المؤلف اليه فإنه حسب أفنيري ونيومان فإن خيار الدولتين في متناول اليد حيث لا يقتضى سوى ترحيل نصف مليون يهودي يعيشون في الأراضي المحتلة . وتتضمن الرؤيتان السابقتين ضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967 وحينذاك سيكون من الممكن تنفيذ حل إقامة دولتين حقيقيتين، وهو الحل الذي سيسمح للفلسطينيين بأن يكون لهم سيادة على دولة مستقلة خاصة بهم ولكن ما هو مدى واقعية هذه السيناريوهات ومدى إمكانية تحقيقها خاصة أنها تطرح من قبل أفراد ليسوا على رأس سلطة بغض النظر عن تأثير طرحها على صانع القرار في إسرائيل؟ هذا هو ما يحاول المؤلف استعراضه مناقشا إياه بالتفصيل مقدما صورة رغم أنها تعد بالغة التشاؤم إلا أنها تعبر عن الواقع وعما يدور في فكر القيادات الإسرائيلية.

عقبات حل الدولتين : فوفقا لجوناثان كوك فأن خيار الدولتين ذاته يواجه الألغام في طريقه على نحو يطرح التساؤلات بشأنه سواء في الصيغة التي طرحها أرئيل شارون أم إيهود أولمرت أم جورج بوش وجرى تأييدها من قبل المجتمع الدولي. وهذا الفشل يأتي على خلفية عدم تحقق المعايير التي طرحها المنظرون لمثل هذا الحل. وهنا يشير إلى أن السيناريوهات الأصيلة تقوم على ترحيل كل المستوطنين فيما أن انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967 وهو أمر لم تقبل به إسرائيل حتى الآنة كما أنه من بين المسائل الأساسية التي تطرح في معرض مناقشة هذا السيناريو وإمكانية طرحه تلك المتعلقة بتشكيل جيش فلسطيني الذي من المفترض أن يحرس الحدود في الضفة وغزة؟ ثم كيف لأنصار هذا الحل أن يضمنوا التزام الولايات المتحدة وإسرائيل بالسيادة الفلسطينية؟ . ويخلص المؤلف إلى أن هناك العديد من الشكوك تفرض نفسها بشأن تطبيق سيناريو الدولتين وفق الرؤى التي طرحها المنظرون له.

ووفق رواية الكاتب ورؤيته يبدو اقتناعه بأن إسرائيل لا تريد سواء سيناريو الدولة الواحدة أو الدولتين وإنما تسعى لحصر الفلسطينيين في بقع تحت سيطرتها تجنبا فقط لغلبتهم العددية حال استمرارها في السيطرة على الأراضي المحتلة . يشير في ذلك إلى طرح لأولمرت يحذر فيه من هذا الوضع جعله يعد لسيناريو بديل يمكن تسويقه للعالم الخارجي.

وهذا هو السبب ـ حسب المؤلف ـ في أنه وشارون قبله راحوا يتحدثون عن الدولة الفلسطينية. وإن كان لا يرتقي للمعايير التي قدمها أفنيري ونيومان أو مبادرة السلام التي قدمت الدول العربية من خلالها وعدا لإسرائيل بالسلام مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967 وهى المبادرة التي تجاهلتها إسرائيل.

وبدلا من ذلك قدم ساسة إسرائيل ما يصفه المؤلف بنسخة مزيفة من حل الدولتين، وهو حل يتطلب، وفق التوجه الإسرائيلي، فقط أن يبدو الطرفان وكأنهما يقتسمان الأرض في حين أن الحقيقة تتمثل ليس فقط في استمرار الاحتلال والسيادة اليهودية على كل فلسطين التاريخية وإنما في إقرار المجتمع الدولي لهذا الوضع. ويعرض المؤلف رؤيته من زاوية أخرى فيشير إلى أنه عندما كان أولمرت يحذر من أنه من دون حل الدولتين يمكن لإسرائيل أن تنتهي أو تختفي.

فإنه كان يفكر بشكل أساسي في كيفية الحيلولة دون تصاعد خيار الدولة الواحدة، وهو ما يعزز حسب الكتاب، توجه وخيار حل الدولتين في ضوء الإشارات الصادرة من تل أبيب وقادتها والتي تكشف عن أنه السيناريو الذي قد يكون مقبولا ولكن في إطار رؤية خاصة بإسرائيل، الأمر الذي يبدو جليا من موقف أولمرت الذي يمكن الخروج منه بأنه يخشى حل الدولة الواحدة.

شارون والدولة الفلسطينية

ويذكر المؤلف في معرض التأكيد على وجهة نظره موقف شارون والذي يرى أنه ربما يكون كذلك على غرار أولمرت قد عاني من إمكانية أن تواجه إسرائيل تصاعد سيناريو الدولة الواحدة فكان اتجاهه إلى بناء الجدار العنصري في محاولة لتفويت الفرصة على هذا الحل ومواجهة لما يعتبره قنبلة سكانية فلسطينية يمكن أن ترجح كفة العنصر السكاني الفلسطيني حال اعتماد حل الدولة الواحدة.

يقول المؤلف : في الحقيقة فإن تقسيم الأرض على نحو ما يطالب أنصار حل الدولتين مهما كان متساويا سوف يكون لحظة الحقيقة حيث ستجد إسرائيل نفسها في تلك الأثناء في مواجهة الحفاظ على هدف الإبقاء على يهودية الدولة العبرية الأمر الذي سيكون أكثر لحظاتها حرجا وصعوبة.

الأمر الذي يفسر أسباب عرقلة إسرائيل كافة الجهود أمام أي تقسيم ذي معنى للأرض واستمرارها في مواصلة تلك العرقلة ويشي بأنها ستواصل تلك المهمة في المستقبل، حيث أنه وفق ما يرى جوناثان كوك فإنه في اللحظة التي يمكن لقيادات إسرائيل أن تقدم على تلك الخطوة فإن الدولة اليهودية لن يكون في إمكانها العيش مع نتائج مثل هذا التقسيم على المدى الطويل.

هنا يحاول المؤلف تصور النتائج التي يتحدث عنها جراء قيام دولتين فلسطينيتين ويشير إلى حقيقتين، أولاهما أن إسرائيل ستواجه مشكلة حادة وخطيرة في الماء، حيث أنه مع إعادة الضفة الغربية إلى الفلسطينيين ستفقد إسرائيل السيطرة على الكثير من المصادر التي تزودها بالمياه، ولن يصبح في مقدور إسرائيل سرقة المياه بل من المتوقع أن يجرى التفاوض عليها لشرائها باعتبارها سوق مفتوحة. وتتضح أهمية هذا الجانب في ضوء حاجة إسرائيل الماسة لكل قطرة ماء تقوم باستغلالها الآن حيث أنها لا تترك للفلسطينيين حاليا سوى القليل وفق تقديرات منظمة الصحة الدولية.

هذا إذا لم نضع في الاعتبار تزايد الاحتياجات المائية الفلسطينية في ضوء تنامي أهدافهم الاقتصادية في إطار الدولة الجديدة واحتمالات عودة الكثير من المهجرين من الأراضي المحتلة عام 1967. ورغم إشارته إلى أن نقص المياه سيكون مشكلة سيناريو الدولة الواحدة كذلك إلا أن المؤلف يشير إلى أنه لن يكون بنفس الحدة.

دور إسرائيل الإقليمي

من ناحية ثانية يشير المؤلف إلى انه مع انتهاء النزاع فإن الجيش الإسرائيلي بوضعه الحالي سيكون عبئا مطلوب التخفيف منه . ومن بين نتائج هذا الأمر أن تفكيك الجيش أو الحد منه سيكون له تأثيرات سلبية على دور إسرائيل في المنطقة ومن بينها علاقتها مع القوى العظمى الوحيدة وهى الولايات المتحدة .. فلن يكون هناك حسب جوناثان كوك المعامل البشرية التي يجري عليها اختبار الأسلحة الأمريكية الجديدة. ومن المحتمل أن يلقي ذلك بتأثيره ليس فقط على المعونات التي تتلقاها من واشنطن وإنما قد تخسر كذلك ما تتلقاه من دعم من جهات يهودية أخرى في مختلف دول العالم.

من ناحية ثالثة فإن الدولة اليهودية لن تكون كذلك، حيث أن خمسها فلسطينيين. ويشير المؤلف إلى أنه رغم جدارة الفكرة القائلة بضرورة ترحيل المستوطنين اليهود من الأراضي المحتلة تحقيقا لحل الدولتين فإن التساؤل يدور حول فلسطينيي 48 والحاصلين على الجنسية الإسرائيلية؟ فهم مواطنون منذ ستة عقود ويعيشون بشكل قانوني على الأرض التي تعود لأجدادهم لأجيال، وهم يتنامون في أعدادهم بشكل يفوق تنامي السكان اليهود السبب الذي على أساسه يتم وصفهم في إسرائيل باعتبارهم قنبلة سكانية..

فهل يتم ترحيل 3,1 مليون مواطن فلسطيني حاصلين على الجنسية الإسرائيلية بالقوة من أجل ترتيبات حل الدولتين. إن ذلك سيكون بمثابة انتهاك للقانون الدولي من قبل دولة تدعي الديمقراطية في تصرف قد يكون غير مسبوق في التاريخ المعاصر على نحو يرتقي به إلى عمل من أعمال التطهير العرقي أكبر مما جرى عام 1948 التي قامت على إثرها إسرائيل وعلى هذا فإن السؤال هو: كيف يمكن إذن الدفاع عن حل الدولتين إذا كان يجب أن يتضمن مثل هذا السيناريو؟

هنا يشير إلى أنه حال الإبقاء على هؤلاء داخل فلسطين 48 كما تفعل إسرائيل حاليا في محاولة لأن تبدو كدولة ديمقراطية، فإن تأثير ذلك السلبي سيزداد على إسرائيل، فهؤلاء المواطنون ـ الفلسطينيون ـ سيواصلون ممارسة حقوقهم العادية كمواطنين في الدولة اليهودية والتي انتهى صراعها بالفعل مع الفلسطينيين، وعلى ذلك فإن المطالب من قبل هؤلاء المواطنين ستتنامى لجهة المطالبة بحقوق متساوية مع تلك التي يتمتع بها اليهود ونهاية لوضعهم كطبقة ثانية.

كما أنهم قد يطالبون بشكل كبير على التمتع بحقين يمثلان تحديا لأساس الدولة العبرية فهم سيتوقعون حق يسانده القانون الدولي في أن يتزوجوا من فلسطينيين من خارج إسرائيل وأن يحضروهم للعيش معهم، كما قد يطالبون بحق عودة أقاربهم المنفيين على أساس مشابه لقانون حق العودة لليهود في هذه الحالة فإن يهودية الدولة العبرية ستكون على المحك على نحو قد ينتهي بقادة إسرائيل إلى التخلي عن المظهر الشكلي الخاص بالديمقراطية وممارسة نوع من التطهير العرقي للمواطنين الفلسطينيين.

مشكلة المشروع الصهيوني

هل يعني ذلك أن خيار الدولة الواحدة قد يكون هو الحل؟ يقرر المؤلف أنه في ضوء الحقيقة التي تمثل إسرائيل وهى أنها دولة تقوم على التطهير العرقي فإنها ستعمل كل ما يمكن من أجل الحيلولة دون ظهور طبقة سياسية فلسطينية مؤثرة للعديد من الأسباب. ويخلص المؤلف إلى القول أن كلا من خياري الدولة الواحدة والدولتين يعتبران صعبا التحقيق إن لم يكونا مستحيلين لما سيلقيان به من تأثير على يهودية إسرائيل.

ويضيف أن العقبة أمام الحل على هذا الأساس ليست تقسيم الأرض ولكنها الصهيونية نفسها .. الأيديولوجية التي تقوم على التفوق العرقي التي تمثل الاتجاه الرئيسي في إسرائيل في الوقت الحالي. وطالما بقيت إسرائيل دولة صهيونية، فإن قادتها لن يسمحوا سواء بدولة واحدة أو اثنتين ولا يوجد أمل في حل طالما لم يتم إلحاق الهزيمة بالصهيونية كفكر وأيديولوجية يسعى معتنقوها لتطبيقها؟ وعلى ذلك قد يكون أفضل الطرق لذلك مواجهة أوهام الحالمين بخيار الدولتين وشرح الأبعاد الحقيقة لصعوبة تحقق هذا الحل والماثلة في افتقاد إيمان إسرائيل بالسلام، الأمر الذي يعود إلى التزامها بالمبادئ الصهيونية.

بكلمات أخرى يقول المؤلف: اذا كان هناك من مجال يجب أن ينصرف إليه الجهد على طريق تسوية الصراع، فإننا يجب أن نصرف طاقتنا إلى كشف زيف الزعم بيهودية إسرائيل والأيديولوجية الصهيونية التي تقوم عليها، وقد يؤدي ذلك إلى تقويض الصهيونية ذاتها .. من خلال ذلك فقط تكون العقبة أمام إنشاء سواء دولة واحدة أو دولتين ستكون قد أزيلت. وإذا ما تم التوصل إلى ذلك الوضع.

الصفحات: 294

الكتاب: فلسطين تتلاشى

تأليف: جوناثان كوك

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق

الناشر: زد للنشر ـ لندن ـ نيويورك