يشهد كردستان العراق في التاسع عشر من مايو المقبل إجراء انتخابات برلمانية جديدة للإقليم الكردي، هي الثالثة منذ إجراء أول انتخابات في مايو عام 1992، والتي بموجبها تشكل برلمان كردي توزعت فيه المقاعد على الحزبين الرئيسيين (الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني) بالتساوي، ثم آخر انتخابات شهدها الإقليم في نفس التاريخ الذي جرت فيه الانتخابات البرلمانية في بغداد أواخر العام 2005.
وبعد شد وجذب حول آلية وموعد تلك الانتخابات، قال رئيس المجلس الوطني لكردستان العراق عدنان المفتي في مؤتمر صحافي عقده في أربيل ان حكومة وبرلمان الإقليم «اتفقا من حيث المبدأ على إجراء انتخابات برلمانية في الاقليم، واتفقنا من حيث المبدأ على تثبيت موعد 19 من مايو 2009 كموعد لإجراء هذه الانتخابات». مضيفا «وذلك بعد إجراء تعداد سكاني للإقليم ضمن الإحصاء السكاني العام الذي ستجريه الحكومة العراقية في عموم البلاد» كما لفت المستشار الإعلامي لرئيس برلمان الإقليم طارق جوهر الى ضرورة اجراء الانتخابات البرلمانية قبل انتهاء ولاية البرلمان الحالية في الرابع من يونيو 2010، مشيراً الى ان «هناك شبه اتفاق لدى رئاسة البرلمان الكردي على ان تتم الانتخابات المقبلة في موعدها»، مؤكداً «عدم وجود أي معوقات تمنع إجراءها في هذا الوقت».
تحفظات داخلية
إلا أن أوساطا كردية تحفظت على إجراء تلك الانتخابات في ظل الظروف الراهنة داخل الإقليم، ودعت إلى ضرورة تعديل الدستور بما يكفل مشاركة أوسع من مختلف الفصائل الكردية. بدوره قال المفتي ان هنالك مواد في القانون الحالي للبرلمان بحاجة الى تعديل.
مشيرا إلى أن البرلمان، المكون من 111 عضوا، يدرس حاليا إدخال تعديلات على القانون الحالي الخاص بالترشيح للبرلمان، والتي من أهمها زيادة نسبة مشاركة المرأة إلى 25 بالمئة، وتعديل عمر المرشحين من 30 إلى 25 سنة، والعمل بحصص المجموعات القومية والدينية في الإقليم كالمسيحيين والتركمان بما يضمن مشاركة الجميع فيها.
تغييرات مرتقبة
وفي ما يخص شكل الحكومة القادمة وطبيعة التحالفات القائمة، أشارت مصادر كردية مطلعة إلى احتمال حدوث تغيرات مرتقبة في رئاسة حكومة الإقليم والتحالفات السياسية بين الكتل والأحزاب المشاركة في البرلمان عقب الانتخابات البرلمانية. ولكن مع تأكيدها على بقاء التحالف الاستراتيجي بين الحزبين الكرديين الرئيسيين «الاتحاد الوطني» الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، و«الحزب الديمقراطي» الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني.
مع إشارتها إلى ان «تبادل الرئاسات بين الحزبين سيؤجل الى ما بعد الانتخابات» وفقاً لاتفاق تداول السلطة بين الحزبين. وفي هذا الشأن قال رئيس وزراء اقليم كردستان نيجرفان البارزاني: «الحزب الديمقراطي الكردستاني (برئاسة مسعود البارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (بزعامة جلال طالباني) سيدخلان الانتخابات بقائمة موحدة».
وأضاف البارزاني ان الاتفاق بين الحزبين يقضي بان «تكون رئاسة الوزراء من حصة الاتحاد الوطني، فيما ستكون رئاسة البرلمان الى الحزب الديمقراطي». وينتمي نيجرفان البارزاني الى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي حاز على رئاسة وزراء اقليم كردستان باتفاق جرى في وقت سابق على تقسيم السلطات مع الاتحاد الوطني.
وكان اتفاقا عقد عام 2006، عند تشكيل الحكومة الحالية بعد اتحاد الإدارتين القديمتين في أربيل والسليمانية ضمن حكومة واحدة، نص على ان تكون رئاسة الحكومة للحزب الديمقراطي ورئاسة البرلمان للاتحاد الوطني، والنائبان بالعكس، كما تم توزيع الوزارات المهمة بينهما على ان يتم تبادل كل هذه المناصب بين الحزبين بعد مرور سنتين، الا ان ذلك لم يحصل في الموعد المقرر.
جدير بالذكر أن الحزبين الكرديين الرئيسيين اتفقا على تمديد فترة ولاية الحزب الديمقراطي الكردستاني لرئاسة الحكومة والاتحاد الوطني لرئاسة البرلمان، على ان يكون من حق «الاتحاد الوطني» رئاسة حكومة الإقليم لمدة 4 سنوات بعد إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة في العراق. كما من المتوقع أن تعلن حكومة الإقليم، التي يرأسها نيجيرفان بارزاني وهو من قياديي «الحزب الديمقراطي» الكردستاني تشكيلتها الجديدة قريباً.
ومن جانبه، أوضح المستشار الإعلامي لرئيس برلمان طارق جوهر ان عدد نواب البرلمان الكردي في الانتخابات المقبلة سيتحدد تبعاً لتحديد مصير «المناطق المستقطعة الى إقليم كردستان» و«تعديل قانون الانتخابات»، مشيراً الى احتمال «زيادة» في عدد مقاعد البرلمان نتيجة ذلك، لافتاً في الوقت نفسه الى ان «التمثيل العربي هو ما ينقص نواب البرلمان».
تطلعات رغم الانشقاق
وبين تطلعات وآمال الحزبين الكرديين الكبيرين تبقى مسألة انشقاق بعض قيادات «الاتحاد الوطني» مهيمنة على أجواء الانتخابات الداخلية في الإقليم، على الرغم من تكرار ذلك في فترات سابقة دون التأثير على قوة وثقل حزب الطالباني داخل الإقليم.
فالبعض ينظر إليها كزوبعة في فنجان قد تعكر صفو الوفاق بين أنصار الاتحاد دون المساس بإستراتيجيتهم وخططهم. في حين اعتبرها آخرون تصب في مصلحة «الحزب الديمقراطي»، مع تذكيرهم لطبيعة الخلاف التاريخي بين الحزبين على قيادة الإقليم منذ القدم.
وفي رأي يعد أكثر تفاؤلا، قلل القيادي في «الاتحاد الوطني» الكردستاني فؤاد معصوم من أهمية انسحاب عدد من قيادات الحزب مؤخرا، مشيرا إلى ارتباط هذه القرارات بالانتخابات المحلية المقبلة. وقال: «ليس هناك مشروع انشقاق من أي طرف.
وكذلك ليس هناك مسألة صراع على السلطة، فالرئيس طالباني علاقته بالجميع علاقة أبوة وإن حرية إبداء الرأي والتفكير من طبيعة الاتحاد الوطني الكردستاني. نحن مقبلون على انتخابات مجالس المحافظات، وكذلك على انتخاب برلمان إقليم كردستان، وهذا شيء طبيعي أن تكون هناك مثل هذه الخلافات».
في حين حذر عدنان عثمان رئيس تحرير صحيفة «روزنامة» الكردية ألامن تداعيات الخلاف الدائر بين قيادات «الاتحاد الوطني» ورئيسه جلال الطالباني. وأوضح عثمان: «المسألة شائكة جدا، لأن الأشخاص الذي استقالوا أو يهددون بالاستقالة أشخاص نافذون جدا في الاتحاد الوطني الكردستاني ولهم ذراع طويلة في ألاقيادته».
الأمر الذي رأي فيه البعض تأثيرا سلبيا على قوة وثقل «التحالف الكردستاني»، وفسر من خلاله سعي الحزبين الكرديين الرئيسيين لمنع تصدع «التحالف»، وإقناع أحزاب صغيرة «مستاءة» من سيطرتهما على مقدرات الإقليم، بخوض الانتخابات العامة المقررة في مايو المقبل ضمن تحالفهما.
وقال مصدر شارك في الاجتماع الأخير للحزبين بحضور جلال الطالباني ومسعود البارزاني في منتجع دوكان إن «الاتحاد الوطني» و«الحزب الديمقراطي» يحاولان «إقناع الأحزاب المنتقدة لسياسات حكومة الإقليم بعدم تشكيل قائمة مستقلة، والالتحاق بهما لخوض الانتخابات».
وأضاف المصدر رافضا الكشف عن اسمه، ان محاولات إقناع الأحزاب الصغرى تندرج ضمن إطار «الحفاظ على التماسك الكردي في المعادلة العراقية وعدم حدوث انقسام في قائمة التحالف الكردستاني». وبين محاولات شد وجذب تدور في الإقليم الكردي داخل أروقة حزبيه الكبيرين.
لاسيما في «الاتحاد الوطني»، وبين صفوف معظم القوى التي تمثله تبقى عيون قادة العراق وجواره على المعادلة التي ستتمخض عن شكل حكومته وبرلمانه القادمين، والتي قد لا تحمل تغييرا يذكر إذ تقاسم الحزبان منذ سنوات السيطرة على الإقليم.
الانشقاقات الداخلية تعصف ب«الاتحاد الوطني»
يشهد حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة جلال طالباني خلافات حادة في صفوفه، اشتعلت شرارتها عندما أعلن نائب الأمين العام للحزب كوسرت رسول علي وأربعة من أعضاء المكتب السياسي استقالتهم من الحزب. ورغم المحاولات الحثيثة لرأب الصدع الداخلي للحزب، إلا أن العلاقات بين الأعضاء تتجه نحو مزيد من الخلافات والانقسامات التي تجسدت في القبول بمبدأ الانشقاق الحزبي الداخلي. لاسيما بعد إصرار القياديين الأربعة على خيار الاستقالة من الحزب، فيما لم يعلن كوسرت رسول علي عن موقفه الذي بدا وكأنه مشروط بتطبيق إصلاحات فورية في الحزب.
يذكر أن القيادي السابق في الحزب نوشيروان مصطفى دفع بالخلافات «الفكرية» إلى الظهور علانية بعدما كانت حبيسة الحوارات الحزبية الداخلية. حيث أثارت مساعي مصطفى الدخول في الانتخابات التشريعية المقبلة المزمع إجراؤها في مايو المقبل بقائمة مستقلة ردود فعل متباينة في أوساط زملائه السابقين في «الاتحاد»، ما قسم قيادة «الاتحاد الوطني» إلى فريقين.
الاول يطالب بإبعاد مصطفى عن الحزب في شكل نهائي رغم انه مستقيل عملياً منذ عامين، فيما يصر الثاني والذي يضم القياديين المستقيلين على ابقائه وعقد مصالحة معه. إلا أن الشرارة الأولى انطلقت مع إعلان خمسة قياديين من «الاتحاد» استقالاتهم، ثم إعلان عدد آخر منهم تباعا لاستقالاتهم بصورة شفوية أو رسمية نهائية.
وعلى الرغم من إعلان «الاتحاد» في وقت سابق عن تغييرات إدارية أبرزها تعيين عماد أحمد سيفور لمنصب نائب رئيس حكومة الإقليم بدلاً من عمر فتاح، وقادر حمه جان لمنصب مدير «الآسايش» (الأمن) استجابة لمطالب رسول، لكن هذه القرارات بحسب مقربين قد لا تكون حاسمة في منع انشقاق الحزب، خصوصاً أن رسول لم يبد موقفاً صريحاً من الأزمة.
ومع ذلك، نفت بعض قيادات «الاتحاد» وجود خلافات داخلية جوهرية، ومنهم القيادي سعدي بيرا الذي قال: «هذه الإشاعات لا أساس لها من الصحة، وقد اعتدناها قبل كل مؤتمر للاتحاد». وبعد تسرب الأنباء عن وجود خلاف فعلي بين قيادات الحزب، تكاثفت الجهود للخروج من عنق الزجاجة، واجتمع طالباني مع الفريق المستقيل في بغداد، ليعلن بعدها عن حل المشكلة وعودة المستقيلين الى صفوف الحزب.
حيث تناقلت المصادر الإخبارية أنباء عن أن التسوية التي قادها نائب رئيس الوزراء العراقي برهم صالح تضمنت «الرضوخ» لشروط القياديين، والتي تمثلت في منح طالباني صلاحيات اوسع الى نائبيه والى المكتب السياسي واعتماد الشفافية في الجانب المالي، والكشف عن الاستثمارات التي يديرها بعض من أفراد عائلة طالباني، وفتح باب الحوار من جديد أمام الكوادر المبعدة والمفصولة وفي مقدمهم نوشيروان مصطفى.
وفيما بعد عقد المكتب السياسي اجتماعاً لتنفيذ اتفاق كوسرت- برهم، غير ان الصورة بدت مختلفة وأضحى مسار الحل متعثرا، إذ أصر القياديون الأربعة المستقيلون على «خيار الاستقالة» وفق مصدر مطلع في الحزب أوضح أيضاً أن «موقف رسول ما زال مبهماً في ما إذا كان سيبقى في الاتحاد ام سيستقيل منه». لافتا إلى أن «الخلافات بين قيادات الحزب مستمرة منذ نحو عامين بسبب صراع قيادات الحزب الرئيسة على خلافة الرئيس العراقي جلال طالباني في رئاسة الحزب والحكومة».
الأمر الذي يبدو كالدوران في حلقة مفرغة في انتظار أن تنفجر الأمور إلى درجة تفقد فيها قيادة الحزب قدرتها على مسك زمام الأمور، رغم أن كثير من الأوساط المطلعة تستبعد هذا الخيار، وترى في شخصية الطالباني قدرة كبيرة على احتواء تلك الأزمة، كما فعل في مرات سابقة.
سهير إبراهيم

