هناك.. في الإقليم الشمالي للعراق، يعيش الأكراد شعب واحد قضى حياته تحت سماء واحدة مع قوميات أخرى وحكومات متعددة لم يعترف بها يوما. وواصل دعواته وثوراته من أجل الاعتراف بحقوقه الثقافية بداية، ومطالبه الاقتصادية من بعدها، ثم المطالبة بحقوق قومية أو حكم ذاتي فيما بعد، وصلت مؤخرا إلى درجة الحديث عن الانفصال صراحة أو بين السطور في بعض الأحيان.
وداخل النسيج الكردي، عايشت الأجيال المتعاقبة هدفا واحدا جسدته تيارات متعددة تمركزت حول حزبين كبيرين، ومثلتها فيما بعد حكومتان قائمتان بذاتهما، واحدة في السليمانية تابعة ل«الاتحاد الوطني» الكردستاني، وأخرى في أربيل تابعة ل«الحزب الديمقراطي» الكردستاني.
وفي محيط الحزبين الرئيسيين ظهرت بعض القوى السياسية الأضعف من حيث وجودها وشعبيتها، والتي واصلت مسيرتها إما معترفة بقيادتهما للحركة الكردية، أو أنها اكتفت بالمطالبة بتمثيل لها في السلطة، والكثير منها اندثر مع مرور الوقت وطوته صفحات النسيان.
وضمن حدود الإقليم، خاض قياديو الحزبين الكبيرين صولات وجولات وصلت أحيانا إلى حد الاقتتال العسكري، إلى أن توصل الزعيمان جلال الطالباني، ومسعود البارزاني، إلى اتفاق يقضي بتوحيد الإدارتين في السليمانية وأربيل عام 1992، تحت مظلة حكومة واحدة وبرلمان واحد شهد دورتين انتخابيتين في انتظار الثالثة خلال مايو القادم، والتي قد تقلب معادلة السلطة داخل الإقليم، ولكن دون خروجها عن سيطرة حزبي الطالباني والبارزاني.
ما دفع بالبعض إلى التعبير عن قلقه حيال ما يجري بين جميع الأطراف، فالزعيمان الطالباني والبارزاني بحزبيهما يجمعهما صراع تاريخي كامن في معظم الوقت وظاهر أحيانا لا يمكن إنكاره، وقيادات «الاتحاد» منشقة على نفسها وتطرح فكرة خلافة الطالباني وتتمسك بتعديلات تطال هيكلية وإدارة الحزب، قابلها «الطالبانيون» برفض واستنكار، في حين طالب «الوسطيون» بتسوية داخلية ترضي جميع الأطراف.
إلا أن ما قد لا يدركه الكثيرون أن الأكراد مهما اختلفوا ومهما تصارعوا فيما بينهم؛ يبقى موقفهم من قضيتهم واحد وثابت، ولن يسمحوا لتجاذباتهم الداخلية أن تمحو ما حققوه. فهم يعيشون واقعا فريدا لا يمكن وصفه أو الحديث عنه وفقا للمعايير الدولية المتعارف عليها، ولكن يمكن اعتباره بأنه «أكثر من فيدرالية وأقل من استقلال»، أو كما وصف أحيانا بأنه «دويلة مستقلة بإدارة حزبين».
فمن الناحية القانونية، حظي الإقليم بحكم ذاتي خلال قانون واتفاق الحكم الذاتي عام (1970 و1974).ولكن عمليا، فرض الأكراد سيطرتهم التامة على شمال العراق منذ انسحاب الإدارة العراقية من الإقليم في أكتوبر 1991، ونظرت الحكومات العراقية إليهم كأنهم خنجر في خاصرة البلد الذي يجمع قوميات متعددة.
في حين اعتبر المتحمسون لقضيتهم ذلك حقا لم يضع لأن وراءه مطالب تمسك به على مر السنين. وبين مؤيد ومعارض لواقع فرضه الأكراد بالقوة وكان الحظ حليفا لهم فيما حققوه، تبقى المعادلة الأكثر تعقيدا.. فمن حق العنكبوت أن يبني بيته ليحمي نفسه ويعيش حياته، ومن حق من يعيش العنكبوت تحت ظلاله أن يتمسك بالبيت الكبير الذي يعيش الجميع تحت سقفه.
سهير إبراهيم: salabed@albayan.ae