لعل السر الذي يقف وراء الشعبية الطاغية التي يتمتع بها رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني في بلاده يكمن في زلات لسانه المتواصلة ونكاته و«قفشاته» التي اشتهر بها والتي سببت له وللساسة الإيطاليين إحراجاً كبيراً في المحافل الدولية، برغم أن مالك نادي إيه.سي. ميلان الإيطالي لكرة القدم و«إمبراطور» وسائل الإعلام الإيطالية يبدو غير آبهٍ بما قد تسببه تلك الزلات من إساءةٍ لصورته.
وعلى ما يظهر، فإن الفترة التي قضاها بيرلسكوني خلال شبابه كمغنٍ على ظهر السفن السياحية، تركت بالغ الأثر على تكوين شخصيته في وقتٍ يعرف فيه الإيطاليون بميلهم الدائم إلى المزاح والحياة المرحة تاركين أعباء الدنيا وراء ظهورهم.
وفي تتبعٍ لتاريخ زلات اللسان التي عرف بها منذ ترأس مجلس الوزراء الإيطالي لفترتين متباعدتين، نجد أن «سنيور» بيرلسكوني غرق حتى أذنيه في محاولاته التغريد خارج السرب الدبلوماسي الذي يفرض على الساسة التزام الحصافة واتباع المثل المعروف «لسانك حصانك» الذي يبدو أن رئيس الحكومة الإيطالية لم يسمع به قط.
ففي العام 2002، أخطأ بيرلسكوني في لفظ اسمي مؤسسي الإمبراطورية الرومانية روميليس وريميس، في تصريحاتٍ شكك البعض ببراءتها، بعدما أشار إليهما بـ «روميليوس وريميليسبينما»، وهما اسمين يميلان نحو الأنثوية أكثر.
ولكن متاعبه في المؤتمرات الدولية بدأت منذ اليوم الأول لتولي بلاده رئاسة الاتحاد الأوروبي العام 2003 حينما دخل في ملاسنةٍ مع النائب الألماني في البرلمان الأوروبي مارتن شولز الذي اتهمه بوجود صلاتٍ مع المافيا الإيطالية، فما كان من بيرلسكوني إلا أن رد عليه قائلاً: «أعرف منتج أفلامٍ في إيطاليا يقوم بعمل فيلم عن معسكرات الاعتقال النازية. أقترح أن تلعب دور الحارس»، ليتسبب ببرودٍ واضح في علاقات إيطاليا بألمانيا.
وفي العام ذاته، ظهر في مقابلةٍ صحافية ليؤكد أن الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني «لم يقتل خصومه، بل كان يرسلهم في إجازاتٍ»، ما استدعى تنديداتٍ شديدة من المعارضة الإيطالية. وفي سياق زلاته أيضاً، قال بيرلسكوني لرئيس الوزراء الدنماركي أندريس راسموسن إنه يعتزم تقديمه لزوجته فيرونيكا لاريو، مادحاً «وسامة» راسموسن الذي أشار إليه ب«أجمل رئيس وزراء أوروبي»!!
ويعرف رئيس الحكومة الإيطالية أيضاً بولعه بالنساء، حيث سبق له وأن «طعم» مجلس وزرائه بوزيرتين جميلتين، ووصف نساء حزبه بأنهن «الأجمل»، فيما كان طالب بنشر عشرات الآلاف من الجنود في الشوارع لحماية «النساء الإيطاليات الجميلات جداً»، محملاً إياهن المسؤولية لتعرضهن للاغتصاب ما أثار صدمةً في أوساط الجمعيات النسائية آنذاك.وكان قبلاً شجع رجال الأعمال الأميركيين على الاستثمار في بلاده لأنها تحوي «الكثير من السكرتيرات الجميلات والفتيات الرائعات».
ويؤكد العديد من المراقبين أن أكثر التصريحات التي تفوه بها بيرلسكوني إثارةً للجدل كانت إشارته إلى أن الحضارة الغربية «أرقى» من نظيرتها الإسلامية، آملاً «اكتساح» الغرب للعالم الإسلامي، في حين كانت حليفته الولايات المتحدة تجهد لتشكيل تحالفٍ دولي ضد الإرهاب بعيد أحداث ال11 من سبتمبر، قبل أن يتراجع ويعتذر عن تصريحاته تلك.
ومؤخراً، رحب رئيس الوزراء الإيطالي بالرئيس الأميركي باراك أوباما على طريقته الخاصة، بعدما وصفه ب«صاحب البشرة السمراء» في إشارة إلى لونه الأسود، وذلك خلال مؤتمرٍ صحافي مع الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف.
وفيما يتوقع أن يستمر بيرلسكوني في ممارسة هوايته المعتادة في إطلاق النكات السياسية مترصداً ضحاياً جدد، يحبس العديد من الإيطاليين أنفاسهم بانتظار الانتخابات البرلمانية المقبلة العام 2013 آملين في توقفه عن إحراجهم.
دبي - رؤوف بكر
