أصدرت المحكمة الجنائية الدولية عصر أمس، أمراً باعتقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهم عدة منها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محملة إياه المسؤولية غير المباشرة بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنها رأت أن الأدلة غير كافية لإدانته بـ «إبادة جماعية». وفيما سادت أجواء من التوتر في السودان لا سيما في دارفور حيث تم تعزيز قوات الأمن.. رفض السودان القرار وأكد أنه لن يتعامل مع المحكمة، وأكدت القيادة السودانية أن القرار «جزء من مخطط استعماري جديد».

وحسمت المحكمة خياراتها تجاه الدعوة المقدمة من المدعي العام لويس مورينو أوكامبو، فأكدت مسؤولية الرئيس البشير عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. وأعلنت الناطق باسم المحكمة لورانس بليرون خلال مؤتمر صحافي في مقر المحكمة في لاهاي إن الغرفة التمهيدية الأولى... مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لتصبح هذه الملاحقة أول مذكرة توقيف تصدرها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس دولة يمارس مهامه منذ تأسيسها في العام 2002.

وبينت حيثيات القرار أن البشير متورط بطريقة غير مباشرة في أعمال جرائم ضد الإنسانية في دارفور. واعتبرته الرأس المدبر وراء بدء حملة أعمال عنف في دارفور في العام 2003، ومسؤولاً عن التخطيط والتدبير والتنفيذ لأعمال القتل، والتهجير والتشريد، والاغتصاب، وسلب الأموال. وقالت بليرون إن المحكمة رأت أن البشير مدان بسبع تهم تعرضه للمحاكمة بصفة شخصية، وخمس تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وبتهمتي جرائم حرب. وشددت على أن «الأدلة المقدمة من قبل المدعي العام تمثل ما يكفي من قرائن تؤكد أن الحكومة السودانية تصرفت بنية تدمير (كلي أو جزئي) لجماعات عرقية من قبيلتي الزغاوة والمساليت».

وكان لويس مورينو أوكامبو طلب في 14 يوليو من قضاة المحكمة إصدار مذكرة توقيف في حق البشير (65 عاماً) 1989. واعتبر في طلبه أن الرئيس السوداني مسؤول عن عملية إبادة في دارفور في حق المساليت والزغاوة. وشددت الناطقة باسم المحكمة الجنائية على أن المطلوب من دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة أن تلقي القبض على البشير خلال تنقلاته الخارجية بموجب البند 100 من ميثاق الأمم المتحدة. وقالت إن أي دول لا تلتزم بتعهداتها الدولية سيرفع أمرها إلى مجلس الأمن.

من جانبه، أوضح المدعي العام إن الحكومة السودانية ملزمة بتنفيذ مذكرة التوقيف. ودعا أوكامبو الدول الأعضاء في مجلس الأمن بتنفيذ التزاماتها، وقال: «منذ الساعة يجب أن يلقى القبض عليه.. مجلس الأمن سيتولى الريادة في هذا المجال». وركز على صلاحية المنظمة الدولية في إلقاء القبض عليه «حتى وهو في طائرته».

وكان أوكامبو اتهم الرئيس السوداني بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة في إقليم دارفور. وأعلن في هذا الصدد عن أن لديه أدلة وصفها بأنها «دامغة» تتيح اتهام البشير بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة، وأبدى أسفه في مؤتمره الصحافي أمس لعدم إقرار المحكمة التهمة الأخيرة، وقال إن لديه الفرصة لجمع المزيد من الأدلة، وفرصة «لاستئناف قرارها».

وأكد أن البشير «استهدف بشكل خاص ومتعمد مدنيين لم يشاركوا في النزاع بهدف القضاء عليهم كمجموعة»، واتهم البشير أيضاً بأنه مسؤول عن اغتيال مدنيين وتصفيتهم وتعذيبهم وعن جرائم ضد الإنسانية وعمليات نهب وهجمات وجرائم حرب ارتكبت منذ مارس 2003 قضى فيها نحو 35 ألف مدني.

السودان يرفض

على الجانب السوداني، اعتبرت السلطات قرار المحكمة جزءاً من «مخطط استعماري جديد». وقال المستشار الرئاسي السوداني د. مصطفى عثمان إسماعيل إن «القرار لم يفاجئ الحكومة»، لأن الذين يقفون وراءه «لا يريدون أن يكون السودان مستقراً». وفي السياق، قال وزير العدل السوداني عبدالباسط سبدرات إن أوكامبو «كذاب»، وشدد على أن السودان «لن يتعامل مع المحكمة».

وقال سبدرات في تصريحات لقناة «الجزيرة» الفضائية إن المحكمة «لا اختصاص ولا ولاية لها»، وأضاف: «قرارنا واضح لم نسلم أحمد هارون ولم نسلم علي كوشيب، لا نتعامل مع هذه المحكمة، لا يمكن لأنهم أصدروا مذكرة بحق البشير أن نتعامل معها».

وأضاف الوزير السوداني ان المدعي الأرجنتيني «ليس رجل قانون.. ونفذ العمل الذي أوكل له». وتابع أنه «ممثل قدير»، وشدد على أن «ما يستند إليه مبالغ فيه»، وأنه لن يستطيع تنفيذ هذا القرار، مشيراً إلى أن قرار توقيف بحق وزير الشؤون الإنسانية السوداني احمد هارون وعلي كشيب، أحد قادة ميليشيات الجنجويد، صدر منذ 27 شهراً ولم ينفذ حتى الآن.

وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية السودانية علي أحمد كرتي إن المحكمة الجنائية لا تعمل بالقانون. وأضاف: «أين القانون مما يجري في غزة وفي أفغانستان؟». وأكد كرتي أن «جهود السلام في دارفور تتم بمبادرة من الحكومة.. وبقرارات سيادية»، وشدد على أنه «ليس لها علاقة بالضغوط». وقال إن السودان يعلن رفضه التام لقرار المحكمة الجنائية الدولية لأنه «ليس عضواً فيها.

المعارضة الدارفورية تحتفل

وعلى صعيد المعارضة، رحبت حركات التمرد في إقليم دارفور، بصدور مذكرة التوقيف واعتبرتها نصراً. ورحبت حركة العدل والمساواة، أبرز حركات التمرد في إقليم دارفور، بصدور مذكرة التوقيف واعتبر ناطق باسمها صدورها «يوماً عظيماً للشعب السوداني ولدارفور». وفي السياق، أكد ناطق باسم فصيل الوحدة في حركة تحرير السودان لوكالة «فرانس برس» أن «قواتنا مستعدة للتصدي لأي تحرك عسكري تقوم به الحكومة».

ورحب زعيم حركة جيش تحرير السودان عبدالواحد محمد نور من منفاه في العاصمة الفرنسية باريس بإصدار المحكمة مذكرة التوقيف معتبراً إياها «نصراً كبيراً لضحايا السودان ودارفور». وقال إن «البشير وحكومته لن يفلتا بعد الآن من العدالة... وكل من ارتكب جريمة ابادة سيدرك انه لن يتمتع بعد الآن بحرية التنقل في العالم». وبينما خرجت مظاهرات حاشدة في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى دعماً للبشير واحتجاجاً على قرار «الجنائية».. يخشى العديد من السودانيين أن يؤدي صدور مذكرة توقيف إلى إغراق السودان في الفوضى.

وجه في الأحداث

تولى الرئيس عمر البشير السلطة بعد انقلاب دعمه الإسلاميون في العام 1989. وشهد عهده المتواصل منذ حوالي عقدين على رأس أكبر بلد إفريقي، حربين أهليتين: الأولى في الجنوب حيث وقع اتفاق سلام في 2005 والثاني في اقليم دارفور مستمر منذ 2003. ويقول المحلل اليكس دي فال إن الرئيس البشير «معروف بنزعته للرد بعنف على الإهانات ويقال انه قلق من ما يعتبره مؤامرة من الخارج تهدف إلى الإطاحة به وردود فعله لا يمكن التكهن بها».

ولد البشير في 1944 في قرية حوش بانقا التي تبعد 150 كيلومتراً شمال الخرطوم وكان تواقاً منذ شبابه للانتساب إلى الجيش. وارتقى بسرعة المراتب العسكرية وشارك إلى جانب الجيش المصري في حرب 1973. وتولى قيادة اللواء الثامن في الجيش والمرابط في الجنوب في الحرب الأهلية التي اندلعت في 1983 مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.

وفي 30 يونيو 1989، أطاح العميد البشير ومجموعة من الضباط الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي في انقلاب دعمته الجبهة الإسلامية الوطنية بقيادة حسن الترابي الذي رعاه أولاً ثم تحول عدواً لدوداً، وسعى البشير إلى الابتعاد عن التيار الإسلامي المتطرف وتحسين علاقاته مع جيرانه والمجتمع الدولي.

لاهاي، الخرطوم، القاهرة - «البيان» والوكالات