من التخطيط والمخاوف إلى التنفيذ على أرض الواقع يواصل معنا المؤلف جوناثان كوك في كتابه فلسطين تتلاشى تناول السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تحقيق حلم الدولة اليهودية الخالصة والقضاء على الهوية الفلسطينية فيشير في استكمال لما تناولناه في الحلقة الماضية بشأن مخططات الطرد إلى أنه في يناير 2007 وللمرة الأولى ساندت الحكومة تشريعا تم اقتراحه من قبل ممثلي اليمين المتشدد وبمقتضاه يمكن حظر المواطنة الإسرائيلية عمن يشاركون في عمل يشكل انتهاكا للولاء لدولة إسرائيل، وهو الاتجاه الذي ظهر أن هناك إجماعا خلف ليبرمان بشأنه.
وفيما بعد ذلك بفترة محدودة وقبل مؤتمر أنابوليس للسلام في نوفمبر 2007 أشارت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية إلى أن الدولة الفلسطينية ستكون الرد للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، فيما يعني طرح فكرة ترحيلهم إليها وقالت: هم لا يستطيعون أن يطلبوا إعلان دولة فلسطينية فيما يعملون ضد الدولة الإسرائيلية كوطن للشعب اليهودي، وهو ما يكشف عن جانب من تفكير القائمين على صناعة القرار السياسي في إسرائيل ورغبتهم في التخلص بكافة الطرق من الفلسطينيين الذين يوجدون في إطار حدود 48 أو من يطلق عليهم «عرب إسرائيل» .
فيما يشير إلى اتساع التأييد لهذا التوجه فقد قدم الرئيس الإسرائيلي بيريز الذي يدرجه الكثيرون من العرب في فريق الحمائم في أغسطس 2007 اقتراح مبادلة المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة بالمناطق التي يقيم فيها فلسطينيو 1948 داخل إسرائيل . كل هذه الأفكار حسب المؤلف تصب فيما يذهب إليه إيهود أولمرت رئيس الوزراء بشأن طرد الفلسطينيين. وهنا يوضح المؤلف أنه رغم إعلان هذا الأخير قبول حل الدولتين إلا أن كل المؤشرات تشير إلى أن المقصود ليس سوى مجرد بقع سكانية يتم السيطرة والتحكم في مقدراتها من قبل الجيش الإسرائيلي.
ومن الصعيد التاريخي ومخططات النشأة للدولة العبرية ننتقل مع المؤلف إلى مرحلة معاصرة لنتابع تواصل الخطط الإسرائيلية لتحقيق أهدافها مهما اختلفت شخصيات القائمين على الحكم وهو الأمر الذي يعرض كوك تفصيلا له من خلال رؤية إيهود باراك خلال توليه رئاسة الوزراء والذي حاول الكثيرون بمن فيهم من بعض العرب الإيحاء بأنه قدم عرضا سخيا خلال محادثات كامب ديفيد من المفترض وفقا له لوم عرفات على عدم قبوله.
وثيقة العملية السياسية
في هذا الصدد يعرض لنا المؤلف لوثيقة بالغة الأهمية جرى الكشف عنها في ديسمبر 2007 مكونة من 26 صفحة بعنوان «موقف العملية السياسية مع الفلسطينيين» وقد تم إعداد الورقة من قبل مسؤولين إسرائيليين بعد فشل المفاوضات التي جرت في كامب ديفيد بمشاركة إيهود باراك عن الجانب الإسرائيلي وعرفات عن الجانب الفلسطيني. ويشير إلى أنه جرى الكشف عن الوثيقة قبل توجه رئيس الوزراء إيهود أولمرت إلى واشنطن للمشاركة في مؤتمر أنابوليس الذي دعت إليه إدارة بوش في أول محادثات رسمية بين إسرائيل والجانب الفلسطيني منذ انهيار عملية أوسلو في أواخر عام 2000.
ويشير المؤلف في ضوء كون الوثيقة تتضمن الحدود الدنيا للموقف الإسرائيلي خلال كامب ديفيد إلى أن المسؤولين الإسرائيليين على ما يبدو الحيلولة دون إقدام أولمرت على تقديم تنازلات أكبر من تلك التي قدمها سلفه. لقد كان باراك بدعم من كلينتون يعمل على ما يمكن اعتباره طي الأوضاع مع الفلسطينيين من أجل التوصل إلى حل نهائي يحقق الأهداف الإسرائيلية بشكل كان عرفات يرى إزاءه أن الأوضاع غير ناضجة لإتمامه. وهنا يذكر المؤلف انه على عكس روح اتفاقات أوسلو فإن إسرائيل ضاعفت من عدد المستوطنات غير الشرعية ـ من المفترض أنها كلها وليس بعضها فقط غير شرعي ـ في الأراضي المحتلة خلال عقد التسعينات ولم تلتزم بالانسحاب الذي وعدت به.
وعلى ذلك يتساءل المؤلف ما هي الشروط التي عرضها باراك على عرفات؟. إن الوثيقة تكشف عن إصرار رئيس الوزراء باراك على ثلاثة مبادئ أساسية من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. يتمثل المبدأ الأول في الإبقاء على المستوطنات غير الشرعية ونحو 80% من المستوطنين في الضفة الغربية على أرض يتم إلحاقها بإسرائيل.
وطبقا للوثيقة فإنه كان من المقترح أن إسرائيل تضم نحو 8% من الأرض مقابل تعويض الفلسطينيين بأراض إسرائيلية أخرى أقل أهمية ربما تكون في صحراء النقب. وهذا الأمر يتطلب ترك نحو 400 ألف يهودي يعيشون في الضفة الغربية والقدس الشرقية في مجتمعات محصنة مرتبطة بطرق استيطانية مع خلق إنشاء مجموعة من الطرق الالتفافية على نحو يعزز من «الجيتو» الفلسطيني يعرقل هدف الدولة الفلسطينية المفترضة الموعودة من قبل باراك.
أما المبدأ الثاني الذي طالب به باراك فهو منطقة أمنية واسعة يقوم على مراقبتها الجيش الإسرائيلي على طول وادي الأردن في الضفة الغربية من البحر الميت إلى المستوطنات الشمالية. وهذه المنطقة قائمة بالفعل ويوجد عدة آلاف من المستوطنين في وادي الأردن يؤكدون أن تلك المنطقة والتي تمثل نحو خمس الضفة الغربية تم ضمها بالفعل إلى إسرائيل على مدى عقود. ومعظم الفلسطينيين باستثناء من جرى السماح لهم بالعيش في الوادي نفسه يمنعون من الدخول إليها.
وادي الأردن
يشير المؤلف إلى أن وادي الأردن يعد قطعة من أخصب الأراضي في الضفة الغربية كما أن إمكانياته الزراعية الضخمة يجرى استغلالها بشكل رئيسي من قبل إسرائيل. وقد كان عرض باراك يتضمن حرمان الفلسطينيين من كل من الأرض والسيطرة الاقتصادية على الوادي والفوائد التي يمكن أن تجنيها الدولة الفلسطينية المستقبلية.
أما المبدأ الثالث فيتمثل في طلب إسرائيل من السلطة الفلسطينية التنازل عن قدر كبير من الأرض في القدس الشرقية يتماس مع خط الضم غير الشرعي لأكثر من نصف المدينة المحتلة عام 1967 وقد كان باراك يريد هذا الوضع من أجل الاحتفاظ بالمستوطنات غير الشرعية في المدينة مع إجبار السكان الفلسطينيين على العيش فيما وصفته صحيفة هآرتس بـ «جيوب صغيرة» هذا مع توسيع إسرائيل الحالي للحدود البلدية للقدس على نحو يحول دون أن تجني الدولة الفلسطينية المرتقبة أية فوائد جراء السياحة وغير ذلك من أنشطة.
أن يحتفظ بخدمة المدينة بالدفعة الاقتصادية والسياحية عن أي دولة فلسطينية مستقبلية من باقي الضفة الغربية. كما كان من بين المطالب الإسرائيلية وفق خطة باراك أن يظل الجزء الكبير من مستوطنات معاليه أودميم وتلك التي أقيمت في أبو غنيم ـ هارحوما ـ التي تسيطر على طرق بالقدس الشرقية وكذلك وادي الأردن تحت السيادة الإسرائيلية على نحو يقسم الضفة الغربية إلى نصفين.
على هذا النحو يشير المؤلف إلى مسعى إسرائيل خلال هذه المفاوضات التي روج الكثير من العرب لها باعتبارها فرصة ضائعة لتشريع ابتلاع فلسطين. ومما يذكره في هذا الخصوص أن الخطة تضمنت اقتراح وضع الأماكن المقدسة الإسلامية تحت سيادة غير واضحة ـ من غير المشكوك فيه فيما بعد أنها ستستغل من قبل الطرف الأقوى وهو إسرائيل. هذه المطالب الإسرائيلية بشأن القدس الشرقية تؤكد أن المناطق الفلسطينية ستنحسر في النهاية إلى مجرد سلسلة معازل أو «جيتوهات».. لتكون بمثابة مرآة عاكسة لسياسات إسرائيل في الضفة الغربية.
سيطرة مطلقة
ويذكر المؤلف كذلك أن إسرائيل أصرت على الاحتفاظ بسيطرة مطلقة على الممر الذي يربط الجزأين الرئيسيين للدولة الفلسطينية المستقلة وهما الضفة الغربية وغزة، وعلى نحو يسمح لها بفرض السيطرة التي تقرها. وقد رفض باراك التنازل بشأن بعض المطالب الفلسطينية المتعلقة بالدولة المزمعة مثل إنشاء جيش الأمر الذي كان يريده عرفات.
وكانت إسرائيل تتوقع أن يتم الاعتراف الفلسطيني خلال المفاوضات بالضم غير الشرعي والتطهير العرقي الذي جرى إثر حرب 1967 لمنطقة اللطرون. وهنا يشير المؤلف إلى انه ربما يكون كلينتون وباراك قد نسيا في غمار عملية التفاوض أن الفلسطينيين قدموا تنازلا كبيرا خلال عقد الثمانينات يتمثل في تخلي عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية عن العمل على إعادة النازحين من أراضي فلسطينيي 48 والاقتصار على المطالبة بإعادة من طرودا من أرضهم من الضفة وغزة خلال حرب 1967.
وباختصار وكما أوضحنا في الحلقة الأولى من هذا التناول فإن الفلسطينيين تراجعوا بأحلامهم إلى مستوى دولة على مساحة 22% من فلسطين تحت الانتداب. وإذا كان هذا يعد كرما من قبل الفلسطينيين تجاه إسرائيل فإن المؤلف يتساءل عن طبيعة الكرم الذي اتسم به موقف باراك وما إذا كان يمكن مقارنته بكرم الفلسطينيين؟
إن الوثيقة تكشف عن أن باراك عرض أقل مما قبل به الفلسطينيون ممثلا في النسبة السابقة، فقد طلب من عرفات أن يخصم من الدولة في غزة والضفة أجزاء كبيرة من بلدية القدس التي جرى توسيعها وكذلك اللطرون 8% من الضفة الغربية لكي تتوافق مع المستوطنات ونحو 20% للمنطقة الآمنة في وادي الأردن. بكلمات أخرى فإن الفلسطينيين طلب منهم ان يوقعوا على اتفاق سيمنحهم سيادة محدودة على مساحة لن تتجاوز 14% من وطنهم التاريخي. هذا هو الحد الذي شمله عرض باراك طبقا للوثيقة الإسرائيلية.
عرض سخي!
ورغم هذا العرض «الباراكي» الذي تم الترويج له على أنه سخي، فقد كان هو نفسه يشك في قبوله وعلى ذلك فقد كان يسير في خط مواز لهذه الخطة التفاوضية من خلال خطة أخرى تقوم على الفصل من جانب واحد إذا ما فشلت المفاوضات. وقد كانت خطة الفصل اكتملت في يونيو عام 2000 وأقرها مجلس الوزراء في اكتوبر2000. وطبقا لصحيفة «هآرتس» فإن مشروع الفصل يشمل كل مظاهر الحياة الخاصة بالفلسطينيين وكان من المقرر أن يطبق على مدى السنوات.
وفي موقف ذي دلالة بشأن خطة باراك وأبعادها الخبيثة يذكر المؤلف نقلا عن مفاوض باراك الرئيسي في كامب ديفيد شلومو بن عامي قوله: لقد كان باراك فخورا إلى حد كبير بحقيقة أن خريطته سوف تنتهي إلى احتفاظ إسرائيل بأكثر من ثلث الضفة . وفي تعبير ساخر يشير بن عامي إلى أن باراك راح يصف المعازل التي كان ينوي إنشاءها للفلسطينيين قائلا : «انظر هذه هي الدولة». لقد كان هدف كامب ديفيد حسبما يمكن الخلوص إليه يتمثل في حصول باراك على موافقة عرفات على الفصل طبقا لخطته «غير السخية» وأنه إذا فشلت تلك المحاولة كما كان يتوقع فإنه كان جاهزا لفرضها بالقوة.
غير انه إذا لم تكن الفرصة قد سنحت لباراك تحقيق مشروعه القائم على الفصل من جانب واحد فإنه بعد شهور من فشل محادثات كامب ديفيد خرج من رئاسة الوزراء ليحل مكانه آرييل شارون المعروف بارتباطه القومي بحلم إسرائيل الكبرى ومساهمته في تعزيز مجموعات من المتطرفين المستوطنين على مدار أعوام رغم اختلاف رؤيته بشأن الاستيلاء على فلسطين عن رؤاهم التي تقوم انطلاقا من أنهم بسعيهم لذلك إنما يحققون وصية الرب فبمجرد توليه السلطة سار شارون في خط معاكس لتوجه باراك بشأن الانفصال الأحادي ووجه برد إسرائيلي عسكري حاسم في مواجهة الانتفاضة وأعاد إرسال الجيش إلى مناطق في الضفة الغربية تقع تحت سيطرة سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، في تطور أطاح باتفاقات أوسلو وبدا أن شارون يفضل العودة إلى الاحتلال المباشر، وهي السياسة التي تحول عنها شارون فيما بعد للعديد من الأسباب في عودة إلى خطة باراك على نحو ما سنعرض له في الحلقة المقبلة.
المؤلف في سطور
جوناثان كوك صحافي بريطاني من مواليد باكينجهام شاير بريطانيا 1965، حصل على بكالوريوس علوم في الفلسفة والعلوم السياسية ؟ جامعة ساوثامبتون ودراسات عليا في الصحافة ؟ جامعة كارديف 1989 وعمل مراسلا ومدير تحرير لصحف إقليمية 1988 ؟ 1994، ومساعد رئيس تحرير في صحف قومية 1994 ؟ 1996 وهو عضو في هيئة تحرير الجارديان والأوبزيرفر 1996 2001 ، كاتب حر، مقيم في الناصرة، يغطي الشرق الأوسط منذ 2001، وقد أسس وكالة الناصرة الصحافية في فبراير 2004 ألف عدة كتب حول الصراع العربي الإسرائيلي منها كتاب «الدين والدم.. تعرية الدولة اليهودية والديمقراطية»، وكتاب «إسرائيل وصدام الحضارات» وتناول فيه دور إسرائيل في الدفع نحو غزو العراق تحقيقا لإستراتيجية تهدف لتقسيم الشرق الأوسط.
الصفحات: 294
الكتاب: فلسطين تتلاشى
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق
الناشر: زد للنشر ـ لندن ـ نيويورك

