كما أشرنا في الحلقة السابقة فإن المؤلف جوناثان كوك في استعراضه لما يراه رحلة ابتلاع فلسطين من قبل إسرائيل يعرج على تطور المساعي الصهيونية على هذا الطريق من خلال تقديم رؤية بالغة الدقة بشأن هذه السياسة على نحو يمكن معه تتبع تحقق هذا الهدف من خلال مشهد متكامل يمكن معه استيعاب كيف نجحت الدولة العبرية حتى الآن في تحقيق هدفها على حساب شعب انتزعت أرضه منه. وفي هذا الصدد يقدم المؤلف جانباً من المآسي التي أحاطت بعمليات استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية من واقع شهادات إسرائيلية.

ومما يذكره المؤلف هنا، حسبما أشار المؤرخ مايكل فيشباخ، فإن لجنة أقامتها الأمم المتحدة في منتصف الستينات لحصر الخسائر الفلسطينية أشارت إلى استيلاء إسرائيل على نحو 75,1 مليون فدان من الأرض أو نحو سبعة ملايين دونم (نحو ثلث أرض إسرائيل الكلية). وهذه الأراضي كانت تقدر بنحو مليار دولار بأسعار تلك الفترة فيما تقدر بمليارات الدولارات بأسعار هذه الأيام. مجممسطين تتلاشى: يشير كوك إلى أنه بالإضافة إلى النهب المتعلق بالأرض وإذا أضفنا إلى ذلك الممتلكات المادية الأخرى مثل المجوهرات والأثاث والمعدات الزراعية وغير ذلك لارتفع مقدار القيمة المادية لما استولت عليه إسرائيل من الفلسطينيين هذا فضلا بالطبع عن الأهمية التي لا تقدر بمال لنهب الأرض. ويذكر أنه من المفارقة أن حصيلة هذه العمليات من السلب والنهب تم توجيهها لتمويل عمليات استقدام مهاجرين جدد إلى إسرائيل.

ثم يشير المؤلف إلى أن الدولة العبرية الجديدة ورثت ميراثا مزدوجا من الحرب أولهما وجود أو استمرار بقاء عدة مئات من القرى الفلسطينية متناثرة لا تذكر فقط بوجود السكان الأصليين الذين تم طردهم بل كذلك يمثل وجودها شهادة على الفظائع التي ارتكبت خلال الحرب بما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي. الأكثر من ذلك حسب المؤلف أنه كان هناك خوف عام بين القيادة من أن تظل هذه القرى صامدة وأن يتمكن اللاجئون الفلسطينيون من حشد المجتمع الدولي من أجل حقهم في العودة، ولذلك فإن إسرائيل استثمرت على ما يذكر الكثير من جهدها فيما بعد الحرب في مهمة كبرى من أجل إزالة هذه القرى. وعلى ذلك فإن هناك أرقام ذات دلالة بشأن استخدام العديد من المنازل في مدن مثل القدس وحيفا واللد والرملة كمقار للمسؤولين الرسميين والمهاجرين الجدد.

تدمير المجتمعات الريفية: غير أنه تم تدمير معظم المجتمعات الريفية من قبل الجيش من خلال التفجير بالديناميت أو القصف جوا. كما تم تغيير الخرائط كذلك حيث أنه على مدى سنوات طويلة جرى تغيير أو استبدال العديد من أسماء المدن العرب بأخرى عبرية وفي أغلب الأحوال جرى ذلك تحت دعوى أنه يأتي في إطار اكتشاف مواقع قديمة تحدثت عنها التوراة. كما قامت اللجنة الممثلة للصندوق اليهودي القومي باختراع أساطير قديمة من أجل تجذير الوجود اليهودي في «وطنهم الجديد». كما أن المناطق الحقيقية لمئات القرى الفلسطينية التي جرى تدميرها كليا غيبت عن الخرائط الجديدة. وجري تطهير الأرض من أثار الفلسطينيين وتم تسليم هذه الأراضي إلى لجان زراعية يهودية من أجل استخدامها حصرياً.

ويذكر المؤلف أنه مع حلول عام 1960 ظلت العديد من القرى الفلسطينية القصية قائمة في إطار إسرائيل على نحو استدعي تكليف الحكومة الإسرائيلية لجنة الصندوق القومي اليهودي العمل على تصميم وإعداد برنامج لتطهير هذه القرى. وقد تم عرض الكثير من السيناريوهات في هذا الخصوص وقد قدمت عدد من اللجان التي تقوم على هذا الأمر الرخص المطلوبة للحكومة من أجل جعل التدمير قانوني.

ثم يتطرق المؤلف إلى المشكلة الثانية والتي تمثلت في بقاء ما يصفه بجيب من السكان الفلسطينيين يقدر بنحو 150 ألفاً الذين تمكنوا من البقاء في إطار الحدود الجديدة في أكثر من مجتمع فلسطيني يشكلون اليوم رغم موجات الهجرة اليهودية أكثر من خمس السكان. وقد عملت إسرائيل على تمييع هوية هؤلاء السكان الذين رسميا يتم الإشارة إليهم على أنهم عرب إسرائيل من خلال إتباع سياسة فرق تسد بين التجمعات الفلسطينية داخل حدود 1948. ويشير المؤلف إلى مثال على ذلك أنه في عام 1949 تم نصح وزارة التعليم بأن تؤكد على التناقض بين الدروز والمسيحيين والمسلمين من أجل تقويض هوياتهم العربية والفلسطينية.

طرد النخبة الفلسطينية المثقفة

ويذكر جوناثان أنه وفي إطار هذه العملية لم تجر أية محاولة لإدماج فلسطينيي 48 ضمن المجتمع الإسرائيلي الأمر الذي أكد على استحالة العمل على تحققه موشيه ديان في خطاب له عام 1965. كما جرى طرد النخبة المثقفة الفلسطينية وكذلك القضاء على المراكز الحضرية الفلسطينية، مع العمل في الوقت ذاته على أن يبقى الفلسطينيون داخل حدود 48 في مستوى متخلف على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

وفي محاولة لتفسير الإبقاء على الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل يشير إلى تفسيرات تحظى بقدر من المنطقية ومن ذلك مثلا أنه تم الحفاظ على الدروز - نحو 10% من الأقلية الفلسطينية - نظرا لمساندتهم للقوى اليهودية خلال المعارك. أما بالنسبة للأقلية المسيحية في الجليل وبشكل خاص في الناصرة فقد تم تركها خوفا من رد الفعل الدولي فيما جرى السماح لمسيحيين آخرين مثل أولئك في قرية «إيلابون» بالعودة تحت ضغط من الفاتيكان، فيما أن بعض القرى الأخرى أنقذت من قبل قادة يهودية بشكل فردي رفضوا تنفيذ أوامر الطرد.

ويذكر المؤلف أن عددا من الفلسطينيين بما فيهم بدو النقب تمكنوا من التسلل والعودة بعد طردهم. ومن بين الفلسطينيين الذين بقوا ضمن حدود 48 في ظل السلطة الإسرائيلية نحو 30 ألف فلسطيني يعيشون تحت الحكم الأردني في منطقة الضفة الغربية تعرف بالمثلث الضيق تم تسليمها إلى الدولة اليهودية كجزء من اتفاق الهدنة عام 1949 مع الأردن.

وقد حصل معظم هؤلاء الفلسطينيون على الجنسية رغم أن ذلك لم يكن النية الأصلية. ومع انتهاء القتال، فإن السلطات الإسرائيلية أصدرت للفلسطينيين أشكال مختلفة من رخص الإقامة. والهدف الأساسي كان تمييز حاملي الرخصة من اللاجئين خارج إسرائيل، وكذلك من أجل تأمين أو تأكيد استمرار الاستبعاد المتعلق بالغالبية الكبرى للفلسطينيين. ومع ذلك فإن القيادة اليهودية ما زالت تأمل في أن يتم تقليص هذا العدد. ويشير المؤلف إلى ما ذهب إليه محامي فلسطيني هو صبري جريس من أن القيادة اليهودية كانت تأمل بالتخلص من العرب وإذا لم يكن ذلك بإرسالهم إلى الخارج برفقة إخوانهم خارج الحدود فإنه على الأقل بمبادلتهم بآخرين من اليهود في الدول العربية.

مؤامرات الطرد

ومن خلال العودة إلى الأرشيف الإسرائيلي توصل الباحث الفلسطيني نور مصالحة إلى أدلة على مؤامرة تواصلت محاولات تحقيقها تقوم على استبعاد المواطنين الفلسطينيين وتوطينهم في البرازيل والأرجنتين وليبيا وهى سيناريوهات بقيت محفوظة فيما تم تنفيذ بعض الخطط الأخرى.. فقد تم طرد نحو ألفي فلسطيني من «بير شفاء» إلى الضفة الغربية في أواخر عام 1949 فيما أن 2700 من السكان في المجدل - الآن يطلق عليها أشكيلون - تم طردهم إلى غزة بعد ذلك بعام. كما تم إجبار 17 ألف بدوي على الخروج من النقب بين أعوام 1949 و1953، وكذا طرد الآلاف من السكان في المثلث بين أعوام 1949 و1951.

ثم يتطرق المؤلف إلى ما يصفه بتهويد الأرض مقدما لذلك بموقف يثير قدرا كبيرا من الدهشة حيث أنه خلال زيارة له في الخمسينات لمناطق الشمال، عبر بن غوريون عن صدمته من عدد القرى الفلسطينية الموجودة هناك قائلا: « من يتجول على الجليل يتنامى لديه الشعور بأن ذلك ليس جزءا من إسرائيل». وبما أن الجليل كانت تقع ضمن الدولة الفلسطينية العربية في قرار التقسيم فإن الجهود الإسرائيلية انصرفت إثر ذلك إلى تهويد المنطقة من خلال توطين مهاجرين يهود جدد فيها وجرى الاستيلاء على أراضي الكثير من الفلسطينيين هناك بدعوى قانون الغائب الذي جرى سنه عام 1950.

يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى القنبلة السكانية التي يمثلها الفلسطينيون رغم كل محاولات القضاء عليهم فيشير إلى أن تلك بدت على مدار عقود القضية الأساسية التي تواجه إسرائيل وتركزت الجهود في هذا الخصوص على كيفية تقليص النمو السكاني الفلسطيني وفي الوقت ذاته العمل على تنامي عدد السكان اليهود من خلال المنح المالية وعلاوات على المواليد الجدد.

غير أنه مع الانتفاضة الثانية بدأت المخاوف تتزايد على خلفية هذه القضية خاصة مع ظهور مؤشرات على ارتباط عرب 48 بإخوانهم الفلسطينيين في بقية الأراضي المحتلة وعلى ذلك تم تدشين سياسات جديدة من أجل مواجهة هذا الموقف. وفي 2003 عدلت الحكومة الإسرائيلية قانون الجنسية الصادر عام 1952 ليسمح بحظر أي مواطن فلسطيني من أن يستقدم لإسرائيل زوجة من الضفة الغربية أو غزة. ويخشى المسؤولون من أن مثل هذه الزيجات يمكن أن تكون بابا خلفيا لتنفيذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

تطرف المواطن الإسرائيلي

ويذكر المؤلف على هذا الأساس أنه لم يكن من المثير للدهشة أن تكشف استطلاعات الرأي عن انتشار هذه المخاوف بين الرأي العام اليهودي. فقد كشف استطلاع أجرى عام 2003 كشف عن أن 57% يرون ضرورة تشجيع المواطنين الفلسطينيين على الهجرة عبر الإقناع أو الطرد. وفي استطلاع أخر لمتابعة هذه القضية في 2006 ارتفع الرقم إلى 62%. وفي ثالث العام الماضي فإن 68% من الإسرائيليين قالوا أنهم لا يريدون العيش مع الفلسطينيين. هذه الرؤى العنصرية حسب المؤلف يتم تشجيعها من قبل كبار الكتاب والصحفيين والأكاديميين والسياسيين من كل الاتجاهات الذين يشيرون بشكل منتظم إلى الفلسطينيين باعتبارهم قنبلة موقوتة إذا لم يتم إبطالها ستدمر يهودية الدولة العبرية يوما ما.

ويدافع البعض عن هذا الخيار الكارثي ومن بين الأساليب المفضلة هي «الترانسفير» أو التطهير العرقي للأقلية الفلسطينية. ومثل هذا الحديث يمكن أن يسمع بشكل منتظم من مختلف ممثلي التيارات الإسرائيلية بدءا من المؤرخ بني موريس مرورا بالأخبار ورئيس الوزراء السابق - والذي يجري مشاروات تشكيل الحكومة الحالية - بنيامين نتانياهو إلى أرئيل شارون انتهاءا بإيهود أولمرت.

ويشير المؤلف إلى أنه يقود تيار «الترانسفير» الجناح اليميني المتطرف في إسرائيل وعلى رأسه أفيغدور ليبرمان المهاجر زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» والذي تم تعيينه في أكتوبر 2006 كنائب لرئيس الوزراء وفيما بعد ذلك بقليل وفي رحلة له إلى الولايات المتحدة ليبرمان راح ليبرمان يشرح رؤيته بشأن المواطنة الإسرائيلية المشروطة أمام قادة اليهود في مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط قائلا: «من ليس لديه الاستعداد للاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وصهيونية لا يمكن أن يكون مواطن في هذه الدولة».

الصفحات: 294

الكتاب: فلسطين تتلاشى

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق

الناشر: زد للنشر ـ لندن ـ نيويورك