آثرت سوريا التزام الصمت حيال انطلاق أعمال المحكمة الدولية لمحاسبة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في الوقت الذي أصبحت دمشق أخيرا محور اضطراب دبلوماسي لافت.
وزار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، دمشق مؤخرا، كما زارها أيضا وفد من مسؤولي ووزراء خارجية الاتحاد الأوروبي وأمين جامعة الدول العربية عمرو موسى سعياً للتشاور مع رئيسها بشار الأسد.
غير أن أبرز إنجازات المؤسسة السورية ولا شك تتمثل في لقاء الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في وقت سابق من فبراير الجاري. بل إن سوريا تشعر بتفاؤل يشوبه الحذر بأنها سوف تستعيد مرتفعات الجولان من إسرائيل على الرغم من وجود حكومة إسرائيلية يمينية. لذا من الطبيعي أن تكون تعليقات سوريا في أضيق الحدود فيما يتعلق بتورطها في قضية اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري عام 2005 من عدمه، تلك الادعاءات التي من المقدر لها أن تظهر على السطح الآن مع قرب افتتاح محكمة الأمم المتحدة الخاصة بلبنان في لاهاي للتحقيق في الجريمة.
وسائل الإعلام السورية لا تشير لموضوع المحكمة، بيد أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم قال معلقا إنها «قضية لبنانية داخلية». كما أن الحصول على بيان أو تعليق على لسان مسؤول سوري بشأن الموضوع لا يزال في عداد المستحيلات تقريبا، بالإضافة إلى أن جو الرقابة والحذر الذي يسود قطاعات كبيرة من المجتمع السوري لا يشهد تطرقا للقضية إلا فيما ندر.
غير أن محاميا مقربا من الحكومة السورية تحدث مع وكالة الأنباء الألمانية «د ب أ» بشرط عدم ذكر اسمه قال إن «سوريا شأن البلدان الأخرى شغوفة بمعرفة من قتل الحريري».
يأتي الصمت حيال اغتيال الحريري والمشتبه بهم المحتملين في القضية وسط تحسن ملحوظ في العلاقات بين سوريا ولبنان بعد أن سحبت الأولى قواتها العسكرية عام 2005 بعد احتلال دام ثلاثين عاما.
وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان اتفق هو ونظيره السوري في أكتوبر العام الماضي على إقامة علاقات دبلوماسية بين بلديهما هي الأولى منذ حصول لبنان على الاستقلال عام 1943.
وقال المنسق الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا خلال زيارته لدمشق الجمعة «نأمل أن تتعاون كل الأطراف مع المحكمة الخاصة، لقد سمعنا من الجانب السوري أن دمشق تتحرك نحو التعاون مع المحكمة أيضا». ولم يتضح بعد ما إذا كان ذلك التعاون سيصل مداه تسليم سوريا لأي من مواطنيها على خلفية الحادث حال اتهام المحكمة لهم، وكانت دمشق قالت أكثر من مرة إنها لن تفعل.
يشار إلى أن مسودة التقرير الذي أعده ديتليف ميليس والذي كلفته الأمم المتحدة للتحقيق في ملابسات القضية عام 2005 وتشمل أسماء خمسة من كبار المسؤولين اللبنانيين والسوريين تم تسريبها حيث لم يتم إلغاء النسخ الالكترونية السابقة من الوثيقة. وكان من بين الأسماء ماهر الأسد الأخ الشقيق للرئيس السوري وعاصف شوكت أحد كبار رجال الأمن وصهر الرئيس.
وفي بيروت حسم تكتل تيار «المستقبل» الذي يمثل الأغلبية في البرلمان اللبناني بزعامة سعد الحريري ابن رئيس الوزراء الراحل أمره بالفعل وقرر أن سوريا هي التي أصدرت أمر اغتيال الحريري.
الفكرة الطاغية حاليا هي ما إذا كانت محكمة لاهاي سوف تبقى محكمة قضائية أم سيتم «تسييس» القضية ومن ثم فلا يشغل بالها شاغل خاصة انها «بذلت كل الجهود الممكنة» للتعاون مع فرق الأمم المتحدة المتعاقبة للتحقيق في القضية منذ 2005.
ومن ثم ليس بعيدا أن يتعكر صفو حالة التقارب الحالية بين سوريا والغرب ما إذا كانت الأخبار القادمة من لاهاي غير طيبة، إلا بالطبع لو سلمت دمشق المشتبه بهم حال طلب ذلك منها. لكن وسط كم كبير من القضايا التي تشغلها فإن سوريا تلتزم الصمت المطبق حيال قضية الحريري للوقت الحالي على الأقل.
(دب ا)