اليوم، وبعد 1475 يوماً على حادثة اغتياله تبدأ في هولندا المحاكمة الخاصة بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بعد أربعة أعوام من التحقيقات، وحملات التشكيك، والتسريبات التي أصاب بعضها وخاب بعضها الآخر. المهم هو الحقيقة، وهو الشعار الذي حمله تيار المستقبل، الذي أسسه الحريري، طوال الأعوام الأربعة الماضية.. وحدث اليوم يراه كثيرون تاريخياً، فهي المحكمة الأولى التي تقام للنظر في قضية تتعلق بالإرهاب.
تبدأ المحكمة اليوم أولى خطوات شوط طويل قد يستغرق أيضاً أعواماً أربعة أخرى.. فالتفاصيل الفنية والأطر القانونية التي ستسير وفقها المحاكمة تبدو عصية على الفهم لغير المتبحرين في علوم القانون، فبموجب ما أعلن في وسائل الإعلام عن سير المحكمة فإن بدء عمل المحكمة لن يكون بدءاً للمحاكمة، بل ان التحقيق سيستكمل في إطار المحكمة والادعاء العام. ولدى صدور القرار الاتهامي تبدأ المحاكمة، إذ لايزال لدى القاضي دانيال بيلمار الحق في استكمال التحقيق كمدعٍ عام مع ابتداء عمل المحكمة.
ومع ذلك، تؤكد المعلومات التي نشرت، وتحديداً في الصحافة اللبنانية، وجود لائحة اتهامية صريحة ، لدى بيلمار، لناحية تسمية الأشخاص تعتبرها لجنة التحقيق متورطة باغتيال الرئيس الحريري. وكان اللافت في معلومات الصحافة اللبنانية أن عدد الذين استمعت إليهم لجنة التحقيق، منذ بدأت عملها في خريف العام 2005، تجاوز الألف شخص، والمدهش أن أحداً من المستجوبين لم يتقدم حتى الآن بطلب تطبيق برنامج حماية الشهود عليه والذي يفرض خصائص وشروطاً قاسية على من يريد أو يعتقد بضرورة تطبيق هذا البرنامج عليه.
ويتداول على نطاق واسع أن واحداً على الأقل من الضباط اللبنانيين الأربعة الموقوفين على ذمة التحقيق: المدير العام السابق لجهاز الأمن العام اللواء جميل السيد، والمدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج، ومدير المخابرات السابق في الجيش اللبناني ريمون عازار، والقائد السابق للواء الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، مشتبه فيه أساسي في هذه القضية.
وتكشف المصادر النقاب عن ان مرحلة التحقيق التي قادها القاضي بيلمار مزجت بين ايجابيات مرحلتي المحققين ديتليف ميليس وسيرج براميرتس، فأخذت من مرحلة ميليس ميزة التوسع في التحقيق بينما تجاوز في تحقيقاته الملاحظات التي صدرت بحق براميرتس لجهة أنه أبطأ التحقيق ونزع عنه المتابعة الإعلامية له التي كانت تشكل نوعاً من الضمانة لاستمراره تحت تأثير اهتمام الرأي العام بهذه القضية.
أما بالنسبة لما نشر نهاية العام الماضي في بعض وسائل الإعلام عن تسمية تقرير بيلمار الأخير 120 شخصية متورطة في اغتيال الحريري، فكان الرد الذي جاء على لسان وزير العدل اللبناني د. إبراهيم نجار واضحاً، وهو أن ما نشر عن التحقيقات التي يجريها المحقق الدولي «مجرد تسريبات صحافية لا أكثر ولا أقل.
وهو لا يشبه في شيء على الإطلاق ما أملكه من معلومات حول هذه التحقيقات والكلام عن تسميات هو كلام غير صحيح». المهم في شأن المحكمة، أن الخبراء يرون أن تعقيدات إجرائية وتدخلات سياسية قد تؤخر مسارها وإن كانت لن تنجح في تعطيلها.
وتتخوف الأوساط السياسية في لبنان من أن يطرأ تغيير على مصالح دول نافذة لعبت دورا في إقرار إنشاء المحكمة، قد يدفعها إلى العمل على تعطيلها، أو على الأقل الضغط على قراراتها مقابل صفقات معينة تعقد مع دول أخرى، وهي إشارة إلى ما يدور على خط دمشق واشنطن هذه الأيام.. إذ أن فريق الأكثرية النيابية في لبنان (14 آذار) كان في حالة تناغم كامل مع إدارة الرئيس جورج بوش في الدفع نحو ظهور المحكمة إلى العلن.
وفيما تتمسك الأكثرية بشبهاتها تجاه دمشق التي تنفي أي علاقة لها، يتحدث المعارضون عن مسؤولية مجموعة إسلامية متطرفة عن عملية الاغتيال.. وفي هذا السياق، يقول وزير العدل إبراهيم نجار إنه «لا مصلحة لأحد في تسييس» المحكمة، مضيفا أن «تسييسها يعني تسييس العقاب وزعزعة استقرار لبنان»، وشدد على حاجة لبنان إلى «عدالة شاملة، شفافة، غير قابلة للتأثر بالضغوط السياسية».
ووسط كثير من المخاوف من أن تدخل المحكمة في غياهب المصالح والروتين، أكد الرئيس الأول للجنة التحقيق الدولية القاضي الألماني ديتليف ميليس على أن إبرام صفقة حول المحكمة «أمر مستحيل»، وأوضح أن «أكثر ما يمكن أن يضر بها هو استغراقها وقتا طويلا بلا محاكمات»، وأكد على أنه «لن يكون ممكنا إزالة المحكمة لا بحكومة لبنانية مختلفة، ولا بحكومة أميركية مختلفة، ولا بأمين عام (للأمم المتحدة) مختلف».
دبي - نضال حمدان
