اليوم في لايدشندام، قرب لاهاي، ينتظر العالم واللبنانيون على وجه الخصوص انطلاق المسيرة الفعلية للكشف عن خيوط وملابسات اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري الذي قضى في انفجار ضخم امام السانت جورج قبل أربع سنوات، في حادثة قلبت جميع المعادلات السياسية في الشرق الأوسط وأشعلت الخلافات العربية العربية.
إذ أنه بعد تعاقب ثلاثة رؤساء لجان تحقيق نقبوا في مئات التسجيلات والوثائق واستجوبوا عشرات الشهود، لم يتوفر للمحكمة الخاصة التي أخذت شرعيتها من قرار مجلس الأمن رقم 1757، سوى أربعة «مشتبهين» وجهت لهم مسبقاً سهام الإدانة باعتبار مناصبهم التي تتحكم في مفاتيح الأمن في لبنان. بينما دلت التحقيقات جميعها بشكل «يثير السخرية» إما على كذب الشهود أو اختفائهم أو فقد إثرهم وبات الجميع كأحمد أبوعدس تسجيلاً على شريط مصور.
والتحقيقات الأولية التي قادها الألماني ديتليف ميليس تعد الأكثر إثراء للقضية من سلفيه البلجيكي سيرج براميرتس والكندي دانيال بيلمار، والتي كان لها دو كبير في تقديم أدلة ظرفية مهمة عن التقنية العالية التي استخدمت في التفجير وشاحنة المتسوبيشي .
إلا أن تراجع الشاهد السوري المقنع هسام هسام عن افاداته التي حملت توريطاً للنظام السوري في القضية، معترفاً أنه تلقى أموالاً للزج باسم شقيق الرئيس السوري ماهر الأسد وقائد الاستخبارات السوية آصف شوكت ورئيس جهاز الامن والاستطلاع السوري في لبنان سابقاً رستم غزالة في قضية الاغتيال.
ومن ثم اختفاء «الشاهد الملك» محمد زهير الصديق في فرنسا العام الماضي، وإطلاق القضاء اللبناني قبل أيام سبيل السوري ابراهيم جرجورة على اعتبار أنه مجرد «كاذب» حاول الحصول على أموال من أسرة الحريري.. جميع هذه الحوادث عززت أن القضية لا تزال في بداياتها المبكرة وان الطريق إلى معرفة من اغتال الحريري لا يزال طويلاً.
وقد لا يكون أمام رئيس التحقيقات الاسترالي نيك كالداس من سبيل سوى الاستناد على التقرير الذي صدر بعد 250 يوماً من الاغتيال والذي حمل اتهاماً بتورط الضباط الأربعة (مدير الأمن العام اللواء جميل السيد، وقائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، ومدير مخابرات الجيش اللبناني السابق ريمون عازار، والمدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج)، والاستناد إلى التسجيل الصوتي لحمدان في منتصف أكتوبر 2004 والذي قال فيه إن «الحريري مؤيد لإسرائيل وسوف نرسله في رحلة. وداعاً وداعاً حريري».
إلا أن هذا التقرير نفسه حمل إشارات إدانة كبيرة إلى سوريا ما تم لاحقاً تفنيدها في تقرير براميريتس، كما أنه لا يحمل أدلة مادية سوى مجموعة من التسجيلات المحفوظة لدى الاتصالات الخليوية اللبنانية وسهولة تتبع سير حركة موكب الحريري عبر متابعة إشارات البطاقة الرقمية لهاتفه المتحرك.
وعلى أي حال اليوم سيستعد حمدان مع رفاقه الأربعة إلى الذهاب في رحلة، ولكن إلى هولندا حيث تستعد الحكومة اللبنانية إلى تسليمهم بناء على طلب المحكمة الخاصة، ورغم أن بيلمار أكد على أن سير التحقيقات لن يخضع لاعتبارات سياسية، إلا أن هذه المحكمة ولا بد أن تؤخذ بالاعتبارات السياسية في الكامل لأن الحادثة ليست جناية بقد ما لا بد أن يكون لهذه المحكمة السبق في وضع حد للاغتيالات والجرائم السياسية ليس فقط في لبنان وإنما ضد جميع الأنظمة التي تتحدى القانون الدولي، وعلى وجه الخصوص إسرائيل.
رامي سلامة