ربما كان الرئيس الأميركي جورج بوش من المحظوظين القلائل في أميركا الذين فقدوا وظائفهم خلال الأسابيع الماضية والذين يجدون فرص عمل جديدة.. فضلاً عن ضمانه راتبه التقاعدي.

في نهاية يناير الماضي الذي ترك فيه الرئيس بوش وظيفته الرئاسية حمل 598 ألف أميركي أيضا لقب «عاطل عن العمل»، ولكن قليلين منهم تمكنوا من شراء منزل جديد ويمكنهم تمضية نهاية الأسبوع في مزرعة عائلية في كراوفورد حيث يمكنهم الاستمتاع بزقزقة العصافير.

وصيد السمك في البحرية التي تمخر عباب المزرعة المتناهية الأصقاع، والتي يقال ان مساحتها تبلغ ستة آلاف دونم (نحو ستة ملايين متر مربع) لكن الرئيس الأميركي السابق قد يكون منزعجا لضآلة راتبه التقاعدي البالغ 155 ألف دولار سنوياً لأنه لا يكون كافيا لتلبية متطلباته المعيشية، وقد يكون أسير حالة من الغضب والحنق إذا كان وقع بين يديه خبر وصول الرئيس التنفيذي لبنك أوف أميركا كينيث لويس على مستحقات تقاعد تزيد على 51 مليون دولار.

فعندها قد يندب حظه لأنه فاز في انتخابات الرئاسة في العام 2000 ويتمنى لو أنه مضى قدما في حياته العملية في الإدارة والأعمال التي نال شهادتها في العام 1973 فلربما كان اليوم رئيسا تنفيذيا لأحد أكبر البنوك الأميركية المتعثرة والمثقلة بالديون ويحصل على راتب تقاعدي يفوق بعشرة أمثال راتبه التقاعدي الرئاسي بعد ثماني سنوات من حكم أميركا والعالم.

ولكن الأخبار الجديدة تبدو رفيقة بوش بعدما غادر البيت الأبيض، فها هي عروض العمل تنهال عليه: فأولا كان عرض عمل من صاحب سلسلة متاجر إليوتس آوتليتس في دالاس للعمل في مكتب الاستقبال في المتجر للاستفادة من خبرات العلاقات العامة التي يتمتع بها، لكنه رفض العرض في هذه الأوقات العصيبة اقتصاديا مع أن حزمة المنافع أو الحوافز المرافقة لها مغرية جداً، وخاصة في ظل حالة الركود التي تعصف بالاقتصاد الأميركي.

فهناك تخفيضات على مشترياته من المتاجر التابعة للسلسلة. وتخفيضات تتعلق بوقوف سيارته، فضلاً عن مراعاة ظروفه الاجتماعية والتقاعدية وخاصة حاجته لتخصيص بعض الوقت للعمل في مكتبته الرئاسية وربما إعطاء مزيد من الوقت للكتابة عن الحياة في البيت الأبيض، أو عن خبراته الرئاسية، أو عن تجربته مع الطائرة الرئاسية (إيرفورس 1).

ويبدو أن أجندة بوش خلال الشهر الحالي ستكون مزدحمة، فها هو يستعد للسفر إلى كندا لإلقاء أول محاضرة من 10 محاضرات على الأقل في مناسبات مختلفة على مدار العام تشمل دولاً عدة في أوروبا وآسيا. وإذا عرفنا أن متوسط سعر المحاضرة يتراوح بين 50 و100 ألف دولار فإن بوش سيعود بما لايقل عن نصف مليون دولار، أي ما بين ثلاثة إلى أربعة أمثال راتبه التقاعدي.

وفي عودة إلى عرض متاجر إليوتس آوتليتس، فإن قبول بوش به كان سيشكل حدثاً طريفاً، وربما تاريخياً، لكن بحثاً سريعاً في تاريخ الرؤساء الأميركيين الـ 42 السابقين يظهر أن وظيفة موظف الاستقبال ليست في ذلك السوء.. فمن المهن التي سبق للرؤساء الأميركيين (على الأرجح خلال سنوات صباهم وشبابهم وليس بعد انقضاء ولاياتهم الرئاسية).

فهناك الرئيس ليندون جونسون (1963- 1969) الذي عمل جامعاً للقمامة ضمن مهن متعددة أخرى مثل ملمع أحذية وغاسل صحون ومشغل مصعد وبوابا وعاملاً في مطبعة ومزرعة. كما أن الرئيس جيمس غارفيلد (1881-1881) الذي عمل بواباً ومشغل قارب ونجاراً.

وفي استطلاع سريع للسير الذاتية لحكم أميركا بدا أن مهنة غاسل الصحون كانت الأكثر إغراء وجذباً، فثلاثة رؤساء أميركيون عملوا بها، وهم إلى جانب جونسون: جيرالد فورد الذي عمل عارض أزياء ومدرب كرة قدم ومدرب ملاكمة وحتى مهام، ورونالد ريغان الذي كان ممثلاً مغموراً في هوليوود.

يبدو أن أكثر الرؤساء الأميركيين حظاً هما: جيمي كارتر وبيل كلينتون هما اللذان لم يضطرا للعمل وهما صغيران، وفتحت لهما أبواب العمل والشهرة حتى بعد تركهما منصبهما الرئاسي.. فالأول لايزال ناشطاً في السياسة والكتابة ولديه العديد من الكتب، والثاني يزدحم جدوله بالمحاضرات.

فضلاً عن عمله مطلع العام 2005 مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة لتنسيق جهود الإغاثة الدولية للدول المنكوبة من جراء موجة المد البحري القاتلة في المحيط الهندي (تسونامي) التي ضربت المنطقة في أواخر ديسمبر 2004 وأدت إلى مقتل ما لا يقل عن 200 ألف شخص.

دبي- نضال حمدان