يواصل المؤلف جوناثان كوك في كتابه الكشف عن السياسات الصهيونية لابتلاع فلسطين مشيرا إلى أن هدف زرع اليهود في الأراضي المحتلة تطلب دوما كنتيجة مباشرة اقتلاع السكان الفلسطينيين الأصليين الأمر الذي اتخذ أشكالا عدة. وسواء جرى تبني لغة المستوطنين التي تقوم على أساس ديني بشأن استعادة أرض «الميعاد» أو غيرها من اللغات التي كانت تقدم في معرض تقديم الذرائع للمشروع الصهيوني، فإن الهدف النهائي تركز على طرد من هم من غير اليهود الملاك الأصليين للأرض من الفلسطينيين.

ومن خلال القسم الأول في الكتاب يعمل المؤلف على مدى أربعة فصول على التطرق إلى المراحل الرئيسية في تاريخ الصهيونية الطويل القائم على هضم الحقوق الفلسطينية ويشير في هذا الإطار إلى اعتماد الحركة الصهيونية على الكتاب المقدس في تبرير موقفها واتخاذها من حرب 1948 وسيلة لتحقيق هدف نفي الشعب الفلسطيني من الوجود في دلالة على حجم التضليل الذي نجح فيه المشروع الصهيوني يذكر المؤلف أنه في العام الذي يحتفل فيه البعض بالذكرى الستين لإنشاء إسرائيل ـ 2008 ـ فإن هناك حاجة لنظرة مختلفة للقضية، حيث انه يعتبر العام رقم 60 لفقدان الفلسطينيين وطنهم، ما يعني ضرورة عدم الغفلة عن الجهود التي تبذلها إسرائيل على مدى العقود الماضية من أجل تأكيد مسح فلسطين من الذاكرة التاريخية والإبقاء على أبنائها لاجئين بدون وطن.

هنا يذكر المؤلف أنه من بين النتائج المثيرة للسخرية لهذا النزاع الذي تواصلت فصوله لنحو مئة عام أنه فيما وصل الفلسطينيون إلى مستوى الاعتراف بهم كشعب بعد جهود مكثفة في مواجهة محاولات طمس وجودهم من قبل المشروع الصهيوني، فإن فرصتهم في إقامة دولة خاصة بهم تعد الأدنى منذ بدء النزاع. وربما تقوم للفلسطينيين قائمة، وإن كان ذلك لا ينفي في الوقت ذاته أن فلسطين تتلاشى أو تكاد تختفي. وهنا فإنه من الدلالات المعبرة أن الدولة الفلسطينية التي يجري الحديث عنها باعتبارها نقطة النهاية لعملية سياسية تجري فصولها، يبدو أنها أصبحت ليست أكثر من حلم مشيرا إلى أن الدبلوماسيين بدأوا في الحديث عما يسموه بالأفق متناسين أو بالأحرى يتفهمون أن الأفق هذا مثل قوس قزح دائما ما يكون خارج المنال.

دولة عرقية

ويؤكد المؤلف أن إسرائيل تقف بشكل أساسي أمام تكوين الدولة الفلسطينية تحقيقا لهدف الدولة العرقية النقية التي ينظر اليها الكثيرون في المجتمع الدولي للأسف باعتبارها ديمقراطية. ورغم ذلك فإن جوناثان يؤكد على أن الأوضاع قد لا تستقر ويتحقق السلام أو المصالحة بين يهود إسرائيل والفلسطينيين حتى يتم السماح لفلسطين وشعبها بالظهور مجددا.

تحت عنوان الطريق إلى الطرد يشير المؤلف إلى أن فكرة أو أطروحة أنه ليس هناك شعب يسمى الفلسطينيين وجدت في الأدبيات الصهيونية الأولى مشيرا إلى قصة تيودور هرتسل التي كتبها عام 2002 «التنيولاند» والتي يتخيل فيها فلسطين وقد تحولت إلى وطن لليهود حيث يصف العرب فيها بقطاع طريق وأنهم متخلفون بل إنه يورد حديثا لشخصية عربية اسمها رشيد بك يرى أن الصهيونية تمثل خيرا لهم وعندما يسئل رشيد هذا لماذا لا ينظر إلى المستوطنين اليهود على أنهم دخلاء يقول: هل يمكنك ان تصف إنسانا بأنه لص دون أن يأخذ منك شيئا فيما أحضر أشياء أخرى لك.

لقد كان اليهود سببا في ثرائنا.. فلماذا نغضب منهم؟ ووفق ما يذكر جوناثان كوك فقد جاء تصوير هرتسل للعرب بأنهم قطاع طرق أو دخلاء من أجل الإشارة إلى أنهم ليسوا مواطنين أصليين في فلسطين.. كما جرى الترويج لفكرة أن عودة اليهود إلى أرضهم الموعودة يمكن أن يجلب الخير وينتشل المنطقة من البدائية التي تعيشها أو حسبما زعم هرتسل الأمر بأنها يمكن أن تكون بقعة للحضارة في مواجهة البربرية.

ويذكر المؤلف أن هذه التصورات والرؤى تحولت إلى ما يمكن اعتباره فلسفة سياسية بمرور الوقت وقيام إسرائيل. وحسب المزاعم الصهيونية فإن الفلسطينيين لم يوجدوا كشعب لاعتبار بسيط هو أنهم عرب وجزء من أمة أكبر لها دولها القائمة في المنطقة.

اللجوء إلى التوراة

ويشير إلى أن الصهيونية من أجل تعزيز مزاعمها لجأت إلى التوراة بما في ذلك العلمانيون وكما يلحظ داعية السلام يوري أفنيري فإن التوراة جرى النظر لها كما لو كانت كتاب تاريخ، غير أن المؤلف يذكر أن هذه المزاعم ذاتها لم تصمد أمام الحقائق التي قدمها يهود كذلك وتداعت مع أشارة بعض الأكاديميين الإسرائيليين ومنهم زئيف هرتزوج أستاذ الآثار في جامعة تل أبيب والذي تسبب بحثه في عاصفة عام 1999 عندما اعترف بأن البحث الأثري فشل في التوصل إلى دليل على وجود أمة يهودية.

وكان هرتزوج نشر مقالة في جريدة «هارتس» الإسرائيلية شهر أكتوبر عام 1999، قال فيها: «خلال العشرين سنة الماضية حصل انقلاب حقيقي في نظرة علماء الآثار الإسرائيليين إلى التوراة باعتبارها مصدرا تاريخيا». ويضيف هرتزوج :«إن معظم الإسرائيليين والعلماء الباحثين التوراتيين الذين قاموا بأبحاث وحفريات لتعزيز واقعية قصص العهد القديم يوافقون على حقيقة أن مراحل تشكل الشعب اليهودي كانت مختلفة تماما عن ما ورد في التوراة.

لكن المجتمع الإسرائيلي ليس مستعدا بعد لمناقشة موضوع كهذا وهو يفضل تجاهل كامل المسألة برمتها». وكتب هرتزوج: «إن من الصعب قبول هذه الحقيقة، ولكن من الواضح للعلماء والباحثين اليوم أن شعب إسرائيل ... لم يحتل فلسطين من خلال حملة عسكرية، ولم يتركها قط ميراثا لأسباط بني إسرائيل. والشيء الأصعب من هذا كله هو القبول بحقيقة أن المملكة الموحدة لداود وسليمان والتي وصفها العهد القديم كقوة إقليمية رئيسية لم تكن في أحسن الأحوال سوى مملكة صغيرة بسيطة«.

كما يشير المؤلف في ذلك الصدد إلى ما ذهب اليه المؤرّخ شلومو ساند، الأستاذ في جامعة تل أبيب والذي أصدر كتابا العام الماضي بعنوان «كيف تمّ اختراع الشعب اليهودي.. تفكيك الرواية الأسطورية للتاريخ اليهودي القديم» ورغم ذلك فإن قادة إسرائيل حرصوا على الترويج لفرية عدم وجود شعب فلسطيني ومنهم تلك الأطروحة الشهيرة لجولدا مائير والتي راحت تنكر فيها وجود الشعب الفلسطيني قائلة : متى كان هناك شعب فلسطيني مستقل ودولة مستقلة؟ وينتقد كوك هذا الطرح بالإشارة إلى أنه يتجاهل التاريخ المعاصرة والخبرة الاستعمارية في الشرق الأوسط الحديث، كما أنه يشوه الكثير من الحقائق السياسية.

مزاعم لتشريد الفلسطينيين

على خلفية هذه المزاعم كان الترويج لمزاعم أن فلسطين أرض بلا شعب والتي كانت تبدو ضرورية لتبرير استيلاء اليهود عليها، الأمر الذي عملت الصهيونية العالمية على الترويج له نهاية القرن قبل الماضي وعلى هذا الأساس فإن وضع السكان الفلسطينيين وحقوقهم داخل وطنهم تم تجاوزه ووضعه جانبا في ضوء نهم الصهيونية للأرض، الأمر الذي توافق للأسف ـ على حد ما يشير المؤلف ـ توافق مع رغبة المستعمر البريطاني في ذلك الوقت على نحو تمثل في وعد بلفور كما يعرف الجميع.

هنا يتطرق المؤلف إلى لحظة إنشاء إسرائيل عام 1948 متناولا الظروف التي أحاطت بهذا التطور وما رافقه من حرب بين الميليشيات اليهودية والقوى الفلسطينية ثم دخول الجيوش العربية الحرب بعد ذلك مشيرا إلى ان أن العدوان القاسي الذي جرى من قبل اليهود في ذلك الوقت تضمن مذابح وعمليات اغتصاب وتدمير أكثر من 400 قرية بما فيها مجتمعات وقعت اتفاقات عدم اعتداء مع جيرانهم اليهود.

كما قام اليهود بتطهير السكان الفلسطينيين من نحو 12 مدينة تضم سكانا فلسطينيين ويهودا. ويعرب المؤلف عن دهشته من أن يجري الاحتفال بهذه الفظائع من قبل إسرائيل باعتبارها «حرب استقلال» فيما يجري النظر إليها من قبل الفلسطينيين باعتبارها نكبة ويقتبس مقولة المؤرخ العربي وليد خدوري التي يذهب خلالها إلى القول ان عمليات الطرد والإبعاد للشعب الفلسطيني خلال 1948 كانت أكثر العمليات الاستعمارية قسوة على مدار العصور.

ورغم ما يشير اليه المؤلف من وجود الكثير من الروايات بشأن تطورات الحرب على الجانبين غير أنه يشير إلى أدلة دامغة تكشف نوايا قادة إسرائيل خلال الحرب. ففي يوليو من ذلك العام تم إخلاء مدن الرملة واللد الفلسطينيتين واللتين تقعان في منتصف المسافة بين القدس وتل أبيب تقريبا من سكانها بناء على أوامر بن جوريون رغم حقيقة أنهما كانت تقعان ضمن حدود الدولة العربية الفلسطينية وفق قرار التقسيم الأممي.

ومع وقوع هجوم على اللد لجأ السكان إلى أحد المساجد هناك للاحتماء من العمليات وعندما استسلموا في النهاية تم ارتكاب مذبحة بشأنهم من قبل القوات اليهودية التي كان يرأسها آنذاك إيجال آلون ونائبه اسحق رابين الذي تولى فيما بعد منصب رئيس الوزراء وجرى اغتياله.

حقيقة نوايا إسرائيل

وقد تم انتشال أكثر من 176 جثة من المسجد إثر تلك المذبحة وبعدها قام ألون بحشد نحو 50 ألفا من السكان الفلسطينيين وإجبارهم على الهجرة إلى الحدود الأردنية حيث لقي بعضهم حتفه جراء عمليات الإجهاد الذي لقوه خلال تلك العملية. ويتطرق المؤلف في إشارة ذات دلالة على النوايا الإسرائيلية إلى ما ذكره رابين فيما بعد بشأن حديث بين بن جوريون وآلون حين سأل الأخير الأول بشأن ما يتم فعله مع السكان فأشاح له بيده فيما يشير إلى وجوب طردهم.

ومع توقيع إسرائيل اتفاقيات هدنة مع الدول العربية عام 1949 مع انتهاء الحرب فإن الدولة اليهودية وجدت نفسهم تسيطر على نحو 78% من أرض فلسطين. أكثر من الـ 55 التي تم تحديدها بمقتضى القرار الأممي.

ويشير المؤلف إلى أن الأمم المتحدة تصنف نحو 750 ألف فلسطيني باعتبارهم لاجئين ويعيش العدد الأكبر منهم في مخيمات مؤقتة على امتداد دول الشرق الأوسط. وكان بن جوريون قد قرر أن هؤلاء يجب ألا يعودوا وحسب قوله في لقاء للجنة المركزية لحزبه في مارس 1949 فإن «أرضا يوجد عليها عرب وأرض لا يوجدون عليها تختلف كثيرا» وخوفا من إصرار الأمم المتحدة على عودة هؤلاء اللاجئين والمناطق الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها في مخالفة لقرار التقسيم مثل الجليل فقد راح يصف تلك المناطق بأنها مناطق تحت الإدارة وليست جزءا من إسرائيل.

المؤلف في سطور

جوناثان كوك صحافي بريطاني من مواليد باكينجهام شاير بريطانيا 1965، حصل على بكالوريوس علوم في الفلسفة والعلوم السياسية ؟ جامعة ساوثامبتون ودراسات عليا في الصحافة ؟ جامعة كارديف 1989 وعمل مراسلا ومدير تحرير لصحف إقليمية 1988 ؟ 1994، ومساعد رئيس تحرير في صحف قومية 1994 ؟ 1996 وهو عضو في هيئة تحرير الجارديان والأوبزيرفر 1996 2001 ، كاتب حر، مقيم في الناصرة، يغطي الشرق الأوسط منذ 2001ز

وقد أسس وكالة الناصرة الصحافية في فبراير 2004 ألف عدة كتب حول الصراع العربي الإسرائيلي منها كتاب «الدين والدم.. تعرية الدولة اليهودية والديمقراطية»، وكتاب «إسرائيل وصدام الحضارات» وتناول فيه دور إسرائيل في الدفع نحو غزو العراق تحقيقا لإستراتيجية تهدف لتقسيم الشرق الأوسط.

الصفحات: 294

الكتاب: فلسطين تتلاشى

تأليف: جوناثان كوك

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق

الناشر: زد للنشر ـ لندن ـ نيويورك