بعد فشل النظام البعثي في الاتعاظ بحرب الخليج الأولى، تجرأ وقام بغزو كارثي للكويت في أغسطس1990. وبذلك ارتكب صدام خطأً جسيماً لأنه لم يحسن تقدير مدى المعارضة الغربية والعربية لضم الكويت.
إذ سرعان ما واجه النظام العراقي تحالفاً دولياً عسكرياً بقيادة الولايات المتحدة قام بمهاجمة القوات العراقية في يناير 1991 منزلاً بها هزيمة ساحقة ودافعاً بها خارج الكويت. وخلال بضعة أسابيع، دمر قصف قوات التحالف قدراً بليغاً من صناعة العراق وإمكاناته العسكرية مما عاد بالإنتاج الصناعي إلى المستوى الذي كان عليه أوائل الستينات.ومع الدمار الشديد الذي لحق بالطاقة الكهربائية والمياه الصالحة للشرب ومعالجة مياه الصرف الصحي عم النقص في التغذية وشاعت الأمراض. وتمردت، كرد فعل على هذا الانهيار الاجتماعي، وحدات عسكرية في البصرة يوم 28 فبراير1991. ثم سرعان ما انخرطت ست عشرة من بين ثماني عشرة محافظة من محافظات العراق في انتفاضة كاسحة سعت إلى الإطاحة بالنظام العراقي. وبحلول شهر أبريل، تم سحق هذه الانتفاضة. ولم تنجح في البقاء خارج نطاق السيطرة البعثية إلا المحافظات الشمالية الثلاث التي تتألف منها منطقة كردستان.
يتساءل المؤلف على خلفية هذه المقدمة عن كيفية نجاة الدولة البعثية إذن من حرب الخليج والانتفاضة التي تلتها؟ وكيف أثرت هذه الأحداث على المشاعر الطائفية في العراق وعلى توازن القوى بين الدولة وقوى المعارضة؟ وما هي التغيرات التي حصلت في إنتاج الدولة الثقافي عقب حرب الخليج؟ ومن ثم، ما هو الدور الذي لعبته الذاكرة الممانعة للهيمنة التي طورت من قبل المعارضة العراقية، وما الدور الذي يمكن أن تلعبه في الانتقال الحثيث نحو الديمقراطية؟
لقد خلفت انتفاضة عام 1991 خدوشاً مادية وعاطفية جسيمة في المجتمع العراقي حيث لم تدمر البنية التحتية للعراق على نحو أكثر فحسب، ولكن قتل أو جرح مائة ألف عراقي بالإضافة إلى أولئك الذين سبق وقتلوا خلال حرب الخليج. كما تفاقمت المعاناة الداخلية أكثر فأكثر بفعل العقوبات والتعويضات التي فرضتها الأمم المتحدة على البلاد.
ومع ذلك، مهدت الانتفاضة لجدل حاد حول السياسة والمجتمع العراقيين جوبهت فيه لأول مرة القضايا الأساسية بصراحة. وفي ذات الوقت، التقت لأول مرة جماعات المعارضة السياسية المتفرقة تاريخياً لمناقشة خطة مشتركة للعمل معاً.
وتكثف خلال هذه الفترة أيضاً خضوع الدولة للنزعة الطائفية ولسيطرة عائلة صدام. كما أن إفقار الطبقة العاملة الحضرية وأجزاء كبيرة من الطبقة الوسطى الحضرية كذلك قد هيأ الفرصة لكي تثرى نخبة غنية من تجار السوق السوداء والمقاولين ومسؤولي حزب البعث ثراءً فاحشاً.
أما الابتكارات في الإنتاج الثقافي برعاية الدولة فشارفت على التوقف، مما يدل على أن الدولة قد اختلت بوصلة اتجاهها. وكانت الفكرة الجديدة الوحيدة هي إطلاق صدام تسمية «أم المعارك» على حرب الخليج التي زعم بأنه قد انتصر فيها. كما أن استمرار إمساك النظام بزمام السلطة كان يستند إلى ضعف المعارضة عسكرياً أكثر مما كان دلالة على قوة النظام بالذات.
تحول الخطاب السياسي العراقي
إن التحول الذي طرأ على الخطاب السياسي العراقي أيديولوجياً وثقافياً كان بفعل التأثير الأكثر أهمية لحرب الخليج الثانية وانتفاضة عام 1991. فخلال السبعينات، لم يتساءل إلا القلائل عن استمرار البعث بالسلطة. ولكن حرب الخليج والانتفاضة أثارت الأسئلة للمرة الأولى بصدد طول عمر النظام العراقي مما دل على أن البدائل عن الحكم البعثي صارت تؤخذ بجدية.
ثم أن المعارضة العراقية التي كانت أوسع من الخصمين التقليديين للبعث أي الحزب الشيوعي العراقي والأكراد، قد أخذت بالاندماج مع بعضها البعض. حيث إن الناشطين والمثقفين العراقيين الذين ينتمون إلى مجتمع كبير من المغتربين والمنفيين الذين بلغ تعدادهم في النهاية ما يقرب من اثنين إلى ثلاثة ملايين عراقي أو عشرة إلى خمسة عشر بالمائة من نسبة السكان، لم ينكبوا على التفكير بمعالجة البدائل عن الحكم البعثي فقط، بل بادروا أيضاً إلى التصدي للمشكلات الأساسية من قبيل كيف بإمكان مجاميع العراق الاثنية المختلفة أن تتواجد معاً على نحو ديمقراطي مسالم. والأكثر دلالة في هذا الصدد هو أن النزعة الطائفية باتت تواجه بجدية للمرة الأولى في تاريخ الدولة الحديثة.
إن إحدى مشكلات تأويلات ما بعد حرب الخليج للسياسة العراقية هو طابعها السلبي المتشائم. فما من أحد لا يؤيد أن الحرب وما نجم عنها من دمار حاق بالعراق والعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة قد تسببت بمعاناة كبيرة مثلما تسببت بالكثير من الوفيات التي كان بالإمكان تجنبها وخصوصاً بين الأطفال. ولسوء الحظ، إن الخطاب التحليلي الذي نشأ بتأثير الحرب ونظام العقوبات ناهيك عن الوحشية المتواصلة لحزب البعث، ينفي وجود أية تطورات إيجابية في السياسة العراقية.
إذ تعززت، على نحو غير مقصود، فكرة النزعة التسلطية التي لا تتزحزح وفكرة أن زوال صدام لن يتحقق إلا بفعل موته نتيجة لتقدمه في السن تحت تأثير مفاهيم من قبيل «جمهورية الخوف» و«القسوة والصمت» و«العذاب الذي لا ينتهي» و«انبعاث صدام حسين». ولا يعطي هذا التحليل إلا أملاً ضعيفاً بالمستقبل. فمن دون «سياسة أمل وتسامح» لمعادلة «سياسة القمع والخوف»، نسبت للنظام البعثي، عن دون قصد، قوة أكبر من أن تبرر نظراً للسهولة التي انهار بها هذا النظام عام 2003.
سياسة التسعينات
إن دفق الدراسات التفصيلية عن سياسة العراق ومجتمعه خلال التسعينات وإعادة تفحص المعارضة للذاكرة التاريخية الحديثة وصياغة سياسات معدة لإنشاء مجتمع ديمقراطي لمرحلة ما بعد البعث قد عكست كلها وجود تطورات مهمة عقب حرب الخليج. وبالرغم من الحاجة إلى أن تكون هنالك كتابة تاريخية موسعة عن حرب الخليج وانتفاضة عام 1991، إلا أن الخطوط العامة باتت معروفة. فلقد تسببت الأوضاع الاقتصادية العسيرة في عامي 1988 و 1989 باستيلاء العراق على الكويت نتيجة للديون الكبيرة من جراء الحرب والانخفاض الذي طرأ على أسعار النفط. حيث واجهت صدام وحزب البعث مشكلة إعادة دمج جيش قوامه مليون جندي بالمجتمع العراقي.
إذ اندلعت أعمال الشغب في بغداد بين الجنود العائدين والعمال المصريين عقب تسريح 200 ألف جندي عام 1989. لذا تم ضم الكثير من الجنود السابقين للعمل في المنشآت العراقية للتصنيع العسكري الذي كان يزدهر بسرعة. وفرضت هذه المنشآت التي استقطبت 100ألف مستخدم من العراقيين ضغطاً هائلاً على ميزانية الدولة. ثم أن نقص الغذاء والبطالة وتعويضات الديون المرهقة جعلت النظام في وضع محفوف بالمخاطر. كما نقل في عام 1988 بأنه قد تم إلقاء القبض على 178 ضابطاً لتآمرهم من أجل القيام بانقلاب عسكري.
ومن وجهة نظر البعث، كان للاستيلاء على الكويت أن يحل مشكلات العراق الاقتصادية، ويسمح للعراق بالهيمنة على إنتاج النفط الخليجي، ويسلم لصدام بالنصر الحاسم الذي فاته في الحرب مع إيران، ويصرف أذهان العراقيين عن الاستياء السياسي الداخلي. ومع أن البعض قد ألقى بلائمة الغزو العراقي على الإشارات الغامضة التي أعطتها الولايات المتحدة للعراق، غير أنه من الصعب التصديق بأن قارئاً سليم التفكير يعجز عن إدراك أن الاستيلاء على الكويت سيثير إدانة دولية. وهذا أمر صحيح بصورة خاصة لأن السيطرة على الكويت، كمنتجة كبيرة للنفط، ستسمح لصدام بالهيمنة على السعودية المجاورة وعلى الدول الخليجية الأخرى كذلك.
تفسيرات لغزو الكويت
أما رمي المسؤولية عن الغزو على تلميحات أميركية غامضة فحسب، فيتغافل عن حقيقة أن فهم صدام للعلاقات الدولية عام 1990 كان ساذجاً إلى حد بعيد. ومع أن عبدالكريم قاسم قد تعرض للإذلال نتيجة لمحاولته إلحاق الكويت بالعراق في عام 1962، إلا أن الذاكرة المؤسساتية لصدام في ضم هذه الدولة الصغيرة كانت وجيزة. كما أصبح الاستيلاء على الكويت حالة دراسية في كيفية أن بإمكان عملية تطويع الذاكرة التاريخية أن تخلق الحواجز بين النظام والحاكم والشعب بنفس القدر الذي بإمكانها فيه أن توحد بين الدولة والمجتمع. ولقد ظهر أن صدام كان ضحية لغواية عنترياته الخطابية عن القدرات العسكرية للعراق وبعواقب فادحة على نحو جلي.
لقد كان الاستيلاء على الكويت على الضد من غزو العراق لإيران علامة على الضعف السياسي واعتلال الوضع المحلي. وبعيداً عن تحقيق صدام لغاياته، أدت الحرب إلى هزيمة العراق وفشل أهداف السياسة الخارجية لصدام وخصوصاً غايته في أن يصبح الزعيم المهيمن على العالم العربي.
كما أدت الحرب إلى وقوع أول تحد خطير للحكم البعثي وقتل العديد من مسؤولي الحزب على أيدي المتمردين، مثلما قلصت برامج العراق للتسلح النووي والكيمياوي والبايولوجي، ويسرت للجان التدقيق الدولي مهمة الوصول إلى ملفات قوات صدام الأمنية التي لا يمكن الوصول إليها، وقللت على نحو بليغ من قدرة الدولة على تصعيد وتيرة الإنتاج الثقافي لتعزيز سلطانها.
ولأن شتى صفوف الحرمان التي تلت الحرب ولدت استياءً هائلاً، تطلب الأمر من الدولة أن تخصص موارد كبيرة جداً للإنفاق على التدابير القمعية. وفي غضون ذلك، قلص الشقاق الذي دب في مفاصل النظام نفسه من عدد صناع القرار إلى حد كبير، فتركزت السلطة بيدي صدام وولديه، عدي وقصي.
فشل الانتفاضة
والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا فشلت الانتفاضة التي أعقبت هزيمة حرب الخليج المدمرة؟ لقد فشلت الانتفاضة، استناداً إلى إحدى الحجج، بسبب سماح الولايات المتحدة للعراق باستخدام مروحياته المسلحة التي رجحت كفة القوات الحكومية ضد القوى المتمردة. كما يحتج أيضاً بأنه لو قامت قوات التحالف داخل العراق بمساندة المتمردين، لكانت القوى المضادة للنظام هي المنتصرة.
ولسوء الحظ، إن هذه الحجج غير الواقعية لا تأخذ بالحسبان حقيقة أنه لو هزمت وحدات الحرس الجمهوري لصدام، لعمت الفوضى بسبب أن الانتفاضة كانت تفتقر إلى قيادة سياسية وبرنامج موحدين.
ولم يتمكن إلا الأكراد فحسب من إنشاء نظام سياسي فاعل. ولقد تيسر لهم ذلك بفعل فرض حظر الطيران على النظام العراقي شمال خط العرض 36 من قبل قوات التحالف. وعلى أية حال، سبق للكفاح التاريخي الطويل للأكراد من أجل إقامة منطقة سياسية وثقافية شبه مستقلة أن خلق حواراً واسعاً فيما يتعلق بالاستراتيجيات الواجبة لتحقيق أهدافهم. ولأنه قد سبق لهم أن تباحثوا بشأن الكثير من الاتفاقيات غير المنفذة مع أنظمة بغداد المتنوعة، اضطر الأكراد إلى التفكير ملياً بخصوص علاقتهم بدولة الأمة العراقية الأكبر.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى دراسة ذاكرة المعارضة العراقية المضادة وأدوار السياسة بتفصيل أكبر، طارحاً السؤال التالي: ما الذي آل إليه الحال داخل العراق بعد قمع الانتفاضة؟ مشيراً إلى أن المجتمع الدولي فرض على العراق بعضاً من أقسى العقوبات التي فرضت على بلد من البلدان على الإطلاق. وكان للعقوبات تأثير كارثي على سكان العراق المدنيين وخصوصاً سكان المدن الذين يعتمدون على رواتبهم فضلاً عن الشيعة في الجنوب. فمع تدهور قيمة الدينار العراقي على نحو مضطرب، باتت الرواتب لا تفي تماماً لإعالة الأسر من الطبقات الاجتماعية الوسطى والعمالية.
ولأن نظام الحصص الغذائية الحكومي لا يغطي إلا ما بين النصف إلى الثلثين من الاحتياجات الغذائية لعائلة نموذجية شهرياً، اضطر الموظفون والعمال إلى البحث عن وظائف وأعمال إضافية. وباعت عائلات كثيرة العدد ممتلكاتها لشراء ما يكفي من الطعام لسد رمقها. وكان هنالك نقص في توفر الأدوية إلى درجة أنه حتى الأمراض البسيطة عادة ما أصبحت أمراً خطيراً.
الصفحات: 397 صفحة
الكتاب: ذكريات دولة
تأليف: إريك دافيس
الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005

