الساعة السابعة والنصف مساءً بتوقيت ولاية كاليفورنيا. أمشي في بولفار «والشير»الذي يشق مدينة لوس أنجلوس متجهاً إلى الفندق الذي صوّرت فيه جوليا روبرتس مع ريتشار غير فيلمهما الشهير «ذْمُُّّ؟ طٍُمَ» أو الأمرأة الجميلة.

هدؤ تام في الشارع. سيارة تمر كل 5 دقائق متمهلة. لا تسمع صوتاً لأنسان ولا ترى أحداً في الشارع. واجهات المحلات المضاءة تعرض ما لديها إنما دون فرح ولا بهجة. فقط تخفيض في الأسعار. إلى يمين البولفار وقبل الفندق ثلاث مخازن كبرى واضح من الخارج أنها مفتوحة للزبائن. لكن لا أحد يدخل وكذلك لا أحد يخرج.

أصل الى مدخل الفندق. اعطيه ظهري وأنظر الى الشارع المقابل. «روديو درايف» شارع المشاهير الذين نتفرج على صورهم. منازلهم في «هوليود» ضاحية المدينة وتبضعهم من «روديو درايف» المنتشر على يمينه ويساره ومحيطه أهم المحلات الممتلئة بآخر ما حققه مصممو الأزياء وأغلى ما صنعه فنانو المجوهرات.

الشارع مطفأ. ما عدا مطعمين صغيرين على مدخله يتناول فيهما الناس العشاء الهامس. لا صوت ولا ضوء مبهر للعين ولا إشارة توحي بأن هذه هي المنطقة التي شهدت أقدام الشهيرات قبل المشاهير. والجميلات قبل الوسيمين.

هذه الصورة عن المدينة الأميركية من الذاكرة قبل عشرات السنوات. لكن الأيام العشرة التي أمضيتها هناك برفقة زوجتي الباحثة عن شيء لا تريد شراءه على عكس الشائع من عادات السيدات. هذه الأيام لم تعطني إلا صورة المدينة الهادئة حتى لا أقول الباردة.

صحيح أن هناك مطاعم بعيدة عن قلب المدينة يجتمع فيها الناس ليلاً. لكن هذه ليست إشارة حياة لمدينة تسكن ذاكرتك بضجيجها وجمالها وشهيراتها.

تذكرت الصديق الذي اشرف على رحلتنا سوياً إلى مدينة مراكش في المغرب. في الموعد نفسه تقريباً من السنة الماضية. فهمت في لوس انجلوس لماذا يدمن الغربيون على هذه المدينة المغربية المجنونة. إذ ليس فيها الشمس الدافئة فقط. بل الأهم أن فيها الحياة الصاخبة التي لا تتوقف 24 ساعة في اليوم.

روائح البهارات في الأسواق القديمة. «المدينة بتسكين الميم كما يسميها أهلها». الألوان الحيّة في كل شيء حولك. قماش. خشب. فضة. مفروشات. بهارات. طعام تدعوك رائحته الزكية ألى نبش مصدرها. بشر من كل الأعمار والمقاسات والجنسيات لا يتعبون من الدوران حول الأسواق القديمة. فيلات تاريخية ؟قديمة تحولت إلى فنادق صغيرة. لا ترى من خارجها إلا الباب فإذا بك حين تدخل تجد نفسك في «بحيرة» من الذوق في كل ما تراه إلى الحد الذي يجعلك تعتقد أنه ليس في الداخل من بشر يعكرون صفو الجمال القديم المجدّد.

بينما الحقيقة أن غرف الفندق الصغير مليئة بالمقيمين فيها الحريصين على أن لا يزعجهم صوت يأتي من الخارج. هم يقررون متى يخرجون من الباب الصغير الى الفضاء الذي لا نهاية له من الألوان التي تبهر بصرك والروائح التي تتعمد زيارة مصادرها في «البسطات» العالية الصغيرة التي يقف البائع في منتصف مربعات بهاراته محاطاً بها من كل جانب. لا تعرف كيف دخل بينها ولا كيف تماهى مع ألوانها. لا تشعر بالضجيج حولك إذ انه جزء من طبيعة المشهد.

نهاد المشنوق