أعاد تلفزيون «العربية»الذي يديره الصناعي التلفزيوني السعودي وليد ابراهيم، أعاد في الأسبوع الماضي بث فيلم لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يزور بيوت الفقراء المعدمين في جدة رافعاً داشداشته البيضاء بيده اليسرى كي يستطيع الدخول الى الشقة ذات السقف الذي يكاد يلمس رأسه بسبب طوله الفارع، والعتبة التي كان عليه أن ينزل منها الى أرض الغرفة.
المرة الأولى التي بث فيها هذا الفيلم كان منذ أربع سنوات حين تولى عبدالله بن عبد العزيز مقاليد المُلك باعتبار أن ما ورد فيه من صور هي العنوان الأجتماعي الذي سيعمل العاهل السعودي الجديد على العمل عليه لتطوير أوضاع حياة السعوديين الظاهرة فيه. ليس وحدهم بالطبع، فهم يتعّبرون من طبقة اجتماعية سعودية موضوعة على رف الاهتمامات الملكية السعودية ما قبل العاهل الجديد.
تزامن البث الثاني على حدّة ما به من صور مع صدور قرارات ملكية في الأسبوع الماضي اعتبرها السعوديون مفاجأة سعيدة وحميمة. كذلك فعل الإعلام الأجنبي. «النيويورك تايمز» الأميركية اعتبرت التغيير من المفاجآت التي يحتاج الأنسان الى وقت لتصديقها. وأكملت أن القرارات ليست كعاصفة الثورة الفرنسية لكنها تغيير سياسي حقيقي.
مؤسسة واشنطن للدراسات الاستراتيجية نقلت عن سيمون هندرسون مدير برنامج الطاقة في الخليج الذي سيصدر دراسة في الربيع المقبل عن خلافة الملك عبدالله بن عبد العزيز بعد أن اصدر دراسة مماثلة عن الراحل الملك فهد في العام 1994. نقلت عنه أن «تمرين التغيير» بدأ إنما ببطء ونشرت تصريحاً لوزير العمل غازي القصيبي ان «التغيير الذي حدث في مجالي القضاء والتعليم هو لتسريع تغييرات في هذين المجالين الحيويين».
الباحثة نينا شيا من مؤسسة هدسون اعتبرت التغييرات أملاً جديداً في السياسة السعودية مستعملة تعبير «المجزرة غير الدموية» التي جلبت الأمل في كثير من التغييرات الضرورية في السياسة السعودية الداخلية.
هل تستأهل هذه القرارات ما كتب عنها حتى اليوم، خاصة من مراكز الدراسات الأميركية فضلاً عن الصحف الرئيسة من يعرف طبيعة النظام السعودي يجد أن فيما حدث تغيير أساسي يؤثر على الحياة اليومية للمواطنين. فالتغييرات طالت هيئات رئيسية في جسم الدولة السعودية. الهيئة الأولى هي الدينية القضائية. فقد جرى اعفاء رؤساء جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «المطاوعة»، ورئيس المحكمة العليا، وأعيد تكوين هيئة كبار العلماء، وأعيد تكوين مجلس الشورى بإضافة 50 عضواً جديداً إليه.
مضى على وجود الشخصيات المعفاة من وظائفها سنوات طويلة تجِّذر فيه نفوذها الديني والدنيوي بحيث لم يعد يخطر ببال أحد أنه من الممكن تغييرها. فإذا كان التشدد في المجال الديني-القضائي هو سمة السابقين من هؤلاء المسؤولين فإن المعينين الجدد هم من الذين عرف عنهم المرونة والإجتهاد في صالح تسهيل حياة المواطنين وصلتهم بالعصر بدلاً من التشبث بنصوص قديمة لها ظروفها وطبيعتها المختلفة عن السائد في هذه الأيام. ليس في الداخل السعودي فقط بل في الصورة العامة للمجتمع السعودي وأدوات انتظامه الديني القضائي في الخارج خاصة بعد أحداث سبتمبر في العام 2001 في الولايات المتحدة الأميركية التي جعلت صورة الجهاز الديني وكأنه منبع للاجتهادات المتشددة.
للمرة الأولى في التاريخ السعودي يصدر عن رئيس«المطاوعة»الجديد الشيخ عبد العزيز الحمين نص قانوني عصري يقول ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته وليس العكس كما كان سابقاً. حين كان رجال هذه الهيئة يصدرون احكاماً فورية وفي الأماكن العامة بحق من ارتأوا أن حريتهم في التصرف الإجتماعي الطبيعي مباحة طالما أنهم لن يتسسبون بالأذية او الإزعاج لأحد. الاوصاف نفسها تسري على رئيس المحكمة العليا السابق الذي بلغ في تشدّده حداً جعله خارج إطار المناقشة فكيف بالمحاسبة.
الجديد الثالث أن هيئة كبار العلماء التي درجت العادة منذ تأسيسها على التزام اعضائها بالمذهب الحنبلي السنّي، تنوعت بموجب القرار وادخل إليها اعضاء يلتزمون المذاهب السنية الشافعية والمالكية، مما يخفف بطبيعة الحال من وحدانية الاجتهاد في المناقشات داخل الهيئة على مذهب معيّن معروف في العالم الإسلامي بأنه الأقل اجتهاداً والأكثر تشدداً في النص وما ينتج عنه من أفعال. خاصة في التعامل مع الفرق الإسلامية الأخرى من غير السنّة.
التغيير الاستراتيجي الثاني في القرارات السعودية هو في مجال التعليم وهو مجال مفتوح الحوار حوله منذ أحداث سبتمبرالشهيرة في الولايات المتحدة أيضاً بإعتبار أن التعليم الديني الملزم في المدارس السعودية يأتي في نصوص متزمتة تشّجع على وحدانية الرأي والاجتهاد الفقهي بحيث تغلق كل مسارب الحوار الضروري لمعرفة الاتجاهات السائدة في العالم سوء من المنتسبين الى الدين الاسلامي نفسه أو إلى الديانات أخرى.
وزير التعليم الجديد هو الأمير فيصل بن عبدالله آل سعود وهو الثاني من العائلة السعودية الحاكمة في هذا المنصب منذ تأسيس المملكة. تقول مؤسسة هدسون الأميركية للدراسات ان الأمير الشاب كان يعمل على دراسة التغييرات الممكنة والمطلوبة في نظام التعليم من دون إعلان. إذ انه يشغل رسمياً منصب نائب رئيس المخابرات السعودية مما يساعده بحسب الدراسة نفسها على معرفة ما يحتاجه تطوير التعليم. تنقل دراسة المركز الأميركي عن مصدر في لجنة حقوق الأنسان السعودية أن الأمير الوزير سيجري «دوشاً» لنظام التعليم السعودي فهو من الأمراء النافذين الحائزين على ثقة الملك. وواحد من الذين يمكن «الاعتماد عليهم للنجاح في الامتحان».
وزير التعليم الجديد متزوج من ابنة الملك عبدالله الأميرة عديلة المعروفة بأنها من المدافعين عن حقوق المرأة السعودية بما فيها حقّها في قيادة السيارة.
المفاجأة في مجال التعليم هو تعيين سيدة نائبة للوزير لشؤون تعليم البنات وهي المرأة الأولى في تاريخ المملكة التي تستلم فيه مركزاً رسمياً على هذا المستوى. المعروف عن السيدة فايزة انها اشرفت على التحقيق في حادث حريق مدرسة البنات منذ سنة والذي ادى الى وفاة اكثر من 30 تلميذة بسبب منع «المطاوعة» للتلميذات بالخروج من المدرسة بواسطة رجال الأطفاء والدفاع المدني. وقد اتخذت المسؤولة التعليمية في حينها تدابير قاسية بحق المسؤولات عن المدرسة الذين التزموا تعليمات «المطاوعة» وارتباكهم في إدارة الحادث المفجع في حينه. مما أكسب السيدة سمعة الإدارية الجدّية في أوساط وزارة التعليم.
كلاهما الوزير ونائبته درسا في الجامعات الأميركية وحصلا على شهادات عالية منها. أضاعت الفرحة حول التغييرات في الهيئتين القضائية الدينية والتعليم حقوق الوزراء الآخرين في التركيز على معرفتهم واتجاهاتهم. تقول دراسة مؤسسة واشنطن للدراسات الاستراتيجية أن وزير الأعلام الجديد سفير سابق في لبنان، يتمتع بانفتاح على العصر إذ أنه درس في بريطانيا وتسلم مسؤوليات عدة في الجامعة السعودية ووزارتي الإعلام والخارجية قبل تسميته وزيراً. كذلك الأمر وزير الصحة الجديد الدكتور عبدالله الربيعة الذي يتمتع بشعبية طبية كونه اجرى عمليات ناجحة لفصل توائم ملتصقين ببعضهما البعض.
وهو عمل طويلاً في الحرس الوطني السعودي. هذا فضلاً عن الرئيس الجديد لصندوق النقد السعودي الذي كان يعمل سابقاً في البنك الدولي في واشنطن ثم تسلم نيابة رئاسة الصندوق السعودي. ويقول وزير المال السعودي ان الرئيس السابق هو الذي طلب اعفاءه من منصبه بعد 25 سنة من العمل في الصندوق.
لماذا التغيير الآن
تقول«النيويورك تايمز» أنه مضى خمس سنوات تقريباً على تسلم الملك عبدالله للحكم. هذه المدة سمحت له بتمتين تحالفاته الداخلية من جهة، واعطته الوقت أيضاً لتسجيل الأخطاء الصغرى والكبرى لكبار المسؤولين الدينيين. أخر مثل على هذا الجنوح لدى المسؤولين الدينيين الفتوى التي أصدرها الشيخ صالح بن حميد رئيس جهاز «المطاوعة» المعفى من منصبه.والتي تنص على السماح بقتل أصحاب المحطات التلفزيونيةالفضائية. ولكن العاهل السعودي حرص منذ توليه الحكم على عدم تغيير التشكيلة الوزارية التي ورثها، كما هي العادة عند تسلم الملك الجديد الحكم بل حافظ على معظم توازنات الوزارة السياسية والعائلية لعدم رغبته الأستعجال في التغييرات.
أما دراسة مؤسسة واشنطن للدراسات الأستراتيجية فتقول أن الملك أشرف على هذه التغييرات ومنحها رعايته بعد أن سمح لمعاونيه الأقربين بتطوير آراء وسياسات تعتبر بالمقياس السعودي دفعاً سياسياً واجتماعياً جديداً.
ظهرت ايجابيات هذه التغييرات بسرعة على رجال الأعمال السعوديين الذين يريدون حياة أكثر انفتاحاً لعائلاتهم في ظل مؤسسات دينية مستنيرة وقادرة على التجاوب مع متطلبات العصر.
هذا من الناحية الأجتماعية، لكن ماذا عن الأقتصاد وشؤون الفقراء والموظفين الصغار ماذا عن السياسة؟
يقول مصرفي سعودي كبير أن المصارف السعودية لم تتأثر بشكل جدي بالأزمة الأقتصادية الأميركية وبالتالي الدولية. إذ ان الميزانيات التي نشرت عن هذه المصارف تؤشر الى ارباح ضئيلة نسبياً مما يعني أن الخسائر المفترضة في سوق الأسهم تمت تغطيتها من الأرباح المحققة.
لكن الملك عبدالله انتظر هدوء هذه الطفرة ووضوح حجمها على صغار المستثمرين وخصّص منذ اسابيع ملياري ريال لتغطية قروض صغيرة ومتوسطة لطبقة واسعة من الموظفين والمستثمرين الصغار. على الرغم من انخفاض أسعار النفط.
بقي الأستقرار السياسي الداخلي. لا يمكن قراءة القرارات الأخيرة الاستراتيجية في مفاصل القضاء والهيئات الدينية خارج نطاق التحضير لعمل هيئة البيعة على اختيار ولي عهد من ثلاتة امراء يسميهم الملك.
هذا ما يؤكده سيمون هندرسون الخبير في الشأن السعودي في مؤسسة واشنطن للدراسة الأستراتيجية. ويضيف هندرسون ان الأمير سلمان هو المرشح المحتمل والأصغر نسبياً بين اخوته ما عدا الأمير مقرن رئيس المخابرات الذي يبلغ من العمر 66 عاماً.
ليس بالضرورة أن يكون ترشيح هندرسون للأمير سلمان واقعياً. لكنه بالتأكيد تعبير عن إعجاب ما يرونه في«أمير العائلة الحاكمة» قبل أن يكون أميراً للرياض وإشارة الى «هدوء» سيرته مقارنة«بصخب» سيرة الآخرين.
وسط هذه الأجواء. يحرص العاهل السعودي على أن يستقبل ضيوفه في روضة «خريم» التي يرتاح إليها كونها في الصحراء.
ماذا عن السياسة الخارجية مصر، سوريا، واشنطن، ايران ؟ الجواب في الحلقة المقبلة
ينشر بترتيب مع الزميلة «السفير»
