في الثاني من أبريل 2008 ظهر شريف شيخ أحمد على قناة «الجزيرة» القطرية بعد أسابيع من الأخبار التي تناقلتها وسائل الأنباء العالمية والتي تحدثت عن تسليمه نفسه إلى السلطات الكينية والتي سلمته بدورها إلى الأميركان في نيروبي.
يومها قال شريف حرفيا «نحيي الذين مازالوا يقاومون ويقاتلون من أجل استعادة حرية بلادهم وكرامتهم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعا، طبعا بالنسبة للمحاكم لا يمكن أن نقول انها هزيمة إنما نقول انه كان هناك انسحاب تكتيكي لظروف ما فتم انسحاب قواتنا من مواقعها أو التنازل عن سيطرتنا للبلاد لصالح القضية نفسها» كانت رسائل شريف واضحة واهدافه كذلك، فالرجل لم ينكر عداوته لأثويبيا التي دخلت بقواتها نهايات عام 2006 تحت غطاء ودعم الولايات المتحدة بهدف إخراج قوات المحاكم الإسلامية من مدن البلاد التي سيطرت عليها وفي مقدمتها العاصمة مقديشو، كانت المبررات التي ساقتها أثيوبيا كثيرة وأساسها تحول الصومال إلى معقل للقاعدة والتنظيمات الإرهابية.
وفعلا تمكنت القوات الأثيوبية من دخول العاصمة وانهار البناء الهيكلي للمحاكم التي استطاعت ولو لظرف وجيز بسط الأمن في البلاد التي أنهكتها الحروب لثمانية عشر عاماً، لكن وبعد سنتين بدا لأثويبيا أن «الوحل» الصومالي لم يكن بالسهولة المتوقعة في ظل عجز الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله يوسف على بسط سيطرتها الفعلية على الأرض ومع سقوط المحاكم وفرار قادتها .
وانتشار مسلحيها وسط الأهالي ساد الاعتقاد أن الدولة قد دانت للحكومة التي تمتعت بمساندة قوية من المجتمع الدولي، لكن هذا الرهان سرعان ما خاب بعودة الاقتتال إلى الشوارع وبتصاعد عمليات العنف والمواجهات للقوات الأثيبوبية التي أرهقها التدخل في الوحل الصومالي، تزامنت هذه التطورات مع أحداث أخرى خطيرة تمثلت في عنفوان عصابات القرصنة التي استفادت من غياب سلطة صومالية قوية وعاثت في البحر فسادا لتتسبب في أزمة جديدة.
هذه المرة تمس مباشرة الملاحة الدولية باعتبار الصومال من أطول الدول الإفريقية سواحل تطل على مضيق استراتيجي هو مضيق باب المندب، ولعل تحرك قوات حلف شمال الاطلسي (ناتو) ودول الاتحاد الأوروبي والصين ودول أخرى عديدة وقيامها بعمليات عسكرية قبالة السواحل الصومالية، قد غطى على سلسلة من النشاطات السياسية والاستخباراتية تجري على الأرض في العواصم المعنية مباشرة بالأزمة الصومالية، والتي كان عليها الذهاب بعيدا نحو الحلول التي كانت قبل سنوات.
بل وشهور غير مقبولة بالمرة وفي مقدمتها البحث عن شخصية إسلامية معتدلة بمواصفات شريف شيخ أحمد الذي المح مراراً إلى إمكانية قبوله بالحوار مع مختلف الأطراف دون قيود أو شروط واضعا شعاره تحقيق المصالحة في الصومال، هذه المصالحة التي ما ان تلوح في الأفق حتى ينكص فرقاؤها على أعقابهم وهو ما حصل في أكثر من خمسة عشر مؤتمرا للمصالحة عرفتها العواصم المختلفة.
وإذا كانت كل من اليمن وقطر وجيبوتي قد لعبت أدوارا بارزة في الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة التي أوصلت شريف إلى سدة الرئاسة فإن أدوارا ثانوية أخرى قامت بها كل من ليبيا وكينيا وأثيوبيا العدو التقليدي للصومال من أجل الخروج من مأزق معقد كان يسير بالمنطقة باسرها نحو الهاوية، فدول الجوار هي المعنية مباشرة بتداعيات الخطر الصومالي، ونكاية في «المحاكم» التي لم تعلن عن برامجها بوضوح ولم تتمكن من عرض وجهات نظر قادتها تجاه الإرهاب والعلاقة بجماعات «القاعدة».
وهو المأزق الذي أدى إلى ما آلت إليه الأوضاع لاحقاً، قامت أطراف إقليمية كانت ترقب المحاكم بطرف عين وتنبهت إلى ما غفلت عنه الدول المتدخلة مباشرة في الشأن الصومالي، بتغيير قواعد اللعبة في الاتجاهين، فمن ناحية تمكنت من تحييد شريف شيخ أحمد بوصفه أحد ابرز المعتدلين في قيادة المحاكم، وتمكنت من إقناعه بالتخلي عن المجموعة التي تتهمها الولايات المتحدة الأميركية بالإرهاب.
وفي مقدمته الشيخ أويس الذي يعد الأب الروحي لشريف مقابل ذلك سعت هذه الأطراف إلى إقناع الجانب الأميركي بوجوب التحاور مع ماتسميه بأخف الأضرار وهذا ما حصل في جيبوتي، وتبرز هنا صنعاء والدوحة كلاعبين أساسيين في التوصل إلى هذه الصيغة التي قبلتها مختلف الأطراف كحل مرض ولو مؤقتا، في عملية لتبريد الساحة الصومالية من اللهب المتصاعد والذي لعبت القوات الأثيوبية على إذكائه خلال تواجدها في الصومال.
وهذه الصيغة تجعل شريف في موقف لا يحسد عليه فالرجل الآن يعد رجل الوفاق المثير للجدل فمن ناحية لا يرغب أي طرف في حكومة إسلامية في الصومال بنسخته الحالية، كما لم يعد المجتمع الدولي بقادر على تحمل الفوضى الصومالية التي تطاير شررها في كل مكان.
وبات واضحا أن العالم لن يقبل بالسذاجة السياسية التي كانت تتعامل بها «المحاكم» وهو ما يضع شريف امام تحد من نوع جديد وهو الخروج من عباءة الجماعة المحلية «المحاكم» التي نجحت في محاربة اللصوص وقطاع الطرق وأمراء الحرب إلى مرحلة الدولة بمتطلباتها المحلية والدولية.
وهو ما يعني صياغة مشروع سياسي متكامل ينبع من الخصوصية الصومالية الفريدة في القارة الإفريقية وهو مشروع ينبغي أن يقطع مع الخطابات المتشددة والشعارات الجهادية والنزعات القبلية التي كانت سائدة، فاعتماد المحاكم سابقا على الخطاب الديني دون سواه حرك مخاوف العالم من تحول الصومال إلى مرتع للإرهابيين.
شريف شيخ أحمد.. رئيس مدني لبلد مسلح
ولد شيخ شريف شيخ أحمد في العام 1964 وهو أصغر رؤساء الصومال سناً و الرئيس التاسع للصومال ورئيس اتحاد المحاكم الإسلامية. ولد في إحدى قرى منطقة مهداي على بعد 120 كيلو متراً إلى الشمال الشرقي من العاصمة مقديشو، في أسرة متصوفة تتبع الطريقة الإدريسية، وهو من عشيرة أبغال أحد فروع قبائل الهوية الصومالية.
انتخبه البرلمان الصومالي في جلسته التي انعقدت في جيبوتي في 31 يناير 2009 كرئيس للجمهورية وذلك حصوله على 292 صوتاً من بين 420 نائباً حضروا جلسة التصويت، وذلك في الدور الثاني للانتخاب التي أجريت بعد استقالة الرئيس السابق عبدالله يوسف من منصبه في ديسمبر 2008.
التحق شيخ شريف بالمدرسة الابتدائية والإعدادية في جوهر (90 كيلومتراً) شمال مقديشو، ودرس الثانوية العامة بمدرسة (الصوفي) التابعة لجامعة الأزهر والتي كانت تدرس باللغة العربية وبعدها أكمل والده تعليمه وذلك بإدخاله بجامعة شمال كردفان في مدينة الدلنج في السودان ودرس هناك سنتين، وبعدها رحل إلى طرابلس في ليبيا حيث انضم للجامعة المفتوحة وأتم دراسته الجامعية بالشريعة الإسلامية عام 1998.
وعاد بعد ذلك إلى مسقط رأسه لزيارة أسرته ثم انتقل إلى جوهر في العام 2002، في الوقت الذي كانت حكومة عبد القاسم صلاد حسن تسعى للسيطرة على مقديشو، وعمل كمدرس مرحلة ثانوية لمواد الجغرافيا واللغة العربية والمواد الإسلامية ، وعمل شيخ شريف مع محمد ديري وهو أمير حرب ينتمي إلى نفس عشيرته والذي كان مسيطراً على جوهر وذلك ضد صلاد حسن.
وعين رئيسا للمحكمة الإقليمية في جوهر وقد عارض في أكثر من مرة توجهات ديري الذي كان العضو الرئيسي في التحالف ضد الإرهاب. ونتيجة لهذا الخلاف ترك شريف شيخ أحمد جوهر إلى مقديشو حيث بدأ التدريس في مدرسة جبة الثانوية، ومارس إلى جانب ذلك مهنة التجارة، وأسس مع شركاء محلا لصناعة وبيع الحلوى لينفق منه على معيشته.
وقد أثرت عليه حادثة خطف أحد طلبته من قبل إحدى العصابات المنتشرة بمدينة مقديشو وطلب فدية كبيرة من والديه الميسوري الحال مقابل عودة ابنهما، وكان ذلك عام 2003، وتلك الحادثة نقطة تحول في حياته.
وبدأ في تجميع الناس من أجل تحقيق الأمن لأهالي الحي وأسس محكمة شرعية انتخبه الأهالي رئيسا لها. وتمكنت المحكمة التي عززت بمتطوعين من الحراس في إطلاق صراح الصبي ومختطفين آخرين ومن إعادة عدة سيارات مسروقة.
وتمكنت من حفظ الأمن ومكافحة السرقات والسطو والسلب والنهب التي كانت تحدث بشكل مستمر وعلى غرار هذه المحكمة تكونت محاكم أخرى لمواجهة أمراء الحرب وكان السبيل الوحيد لذلك هو توحيد المحاكم الشرعية الخمسة القائمة واختير شيخ شريف ليترأس اتحاد المحاكم الشرعية في يوليو 2004 ومن هناك بدأ نجمه بالظهور كأحد رموز قادة المحاكم الإسلامية في العاصمة، بعد ستة أشهر أمضتها المحاكم بالحكم قاتل بشراسة القوات الأثيوبية التي غزت الصومال.
ولكن بعد هزيمة المحاكم في معركة جيليب وسقوط كيسمايو، تمكن من الفرار باتجاه الحدود الكينية. وقد تم احتجازه مع ثلاثة آخرين بواسطة الشرطة الكينية في 21 يناير 2007، وقد قابل السفير الأميركي في كينيا لمحادثته بشأن التعاون مع الحكومة الصومالية الانتقالية. وبات شيخ شريف تحت حماية السلطات الكينية خلال وجوده بفندق في نيروبي.
تأشيرة زيارة
الرئيس الضرورة
من المفارقات ربما، أن ترحب الولايات المتحدة الأميركية بوصول شريف شيخ أحمد إلى سدة الرئاسة في الصومال، فيما يتوجه تنظيم «القاعدة» بسهامه إلى هذا الأخير داعياً إلى ضربه تحت شعارات الجهاد، وهي مفارقة تدفع بالأزمة الصومالية نحو طور جديد، تتبدل فيه قوانين اللعبة وتختلط فيه الأوراق المتناثرة أصلاً في ملف معقد أرّق لنحو عقدين من الزمن العالم، فالرئيس الصومالي الجديد كان طريد الحليفين أميركا وأثيوبيا حينما كان في عنفوانه الإسلامي الجهادي قبل سنتين.
حينما تمكنت «المحاكم» من بسط سيطرتها على الصومال، والولايات المتحدة ودول الجوار الإقليمي لم تخف خشيتها من سطوته ومن تحول الصومال إلى حديقة خلفية آمنة لـ «القاعدة»، وفي خلفية المشهد سيناريو معقد حاكت خيوطه الوكالات الاستخباراتية الغربية حينما وفرت ملاذاً آمنا لشريف في نهايات العام 2006 لتنقذه من القصف الأثيوبي والأميركي على قرية راس كابوني الواقعة على الحدود الكينية.
فيظهر شريف بعد ذلك في أفخم فنادق نيروبي ضيفاً مبجلاً على الكينيين والأميركيين الذين أمضوا الساعات الطويلة في التحاور معه واستجوابه وهو الذي كان ينعت الأميركيين بالغباء السياسي والجهل المطلق في الشأن الصومالي، لكن للسياسة في الصومال أحكامها ومنها تخلي شريف عن معلمه الروحي الشيخ طاهر حسن أويس المطلوب أميركيا وقبوله بالدخول في ورشة إعادة تأهيل طاف خلالها كل من صنعاء والدوحة، حيث أقام هناك لفترة.
ومنها إلى جيبوتي عائداً رئيساً منتخبا يستقبل في أثيوبيا عدوه بالأمس القريب بطلاً إفريقيا منقذا ومخلصا للصومال من فوضاه، هذا ما نأمله كما يأمله الصوماليون، لكن ورقة شريف بدت مكشوفة أكثر مما يجب كما ان المدة المستغرقة في إعادة تأهيله قد لا تكون كافية لتحويله من زعيم إسلامي يدعو إلى الجهاد ضد الاميركيين والغزاة إلى رئيس مدني لبلاد لم تحترم يوما أحدا من رؤسائها.
إلا أن الخشية الحقيقة تكمن تعاطي الصوماليين بمختلف تشكيلاتهم وهي كثيرة مع شريف، فهو إسلامي منشق عن الإسلاميين دون التنصل من أفكارهم وسياسي استمد قوته من المحاكم الإسلامية التي طردتها أثيوبيا بدعم أميركي من الصومال، وعلى علاقة وثيقة بقيادات من حركة «الشباب المجاهدين» وعداوة مع زعماء الحرب التقليديين، وهو موقع لا ينبئ بصورة واضحة لما سيكون عليه المشهد الصومالي.
محمد الهادي الحناشي

