من الصعود إلى الأفول يتناول المؤلف في الفصول التالية من كتابه مسيرة الهبوط التي واجهتها عملية اعادة صياغة الذاكرة التاريخية العراقية من قبل نظام البعث برئاسة صدام فيذكر أنه في يوم 22 سبتمبر عام 1980، شن صدام حسين حرب الثماني سنوات مع إيران، وهي واحدة من بين أكثر حروب القرن العشرين إزهاقا للأرواح.
ومع أن الإيرادات النفطية الكبيرة قد سمحت للنظام بالمحافظة على المظاهر التي كان عليها أوائل الحرب، غير أن النزاع أتى بالتدريج على المكتسبات التي تحققت بفعل النظام البعثي. وباقتصاد عمه الخراب عقب الهدنة مع إيران في 1988، لم يكن بمقدور النظام البعثي تعويض الشعب عن التضحيات التي فرضتها الحرب، مما أدى ذلك إلى التسبب بنمو سخط واسع النطاق. فكيف أثرت الحرب على سعي الدولة للسيطرة على الإنتاج الثقافي؟
وما الدور الذي لعبته الذاكرة التاريخية في الحرب؟ ولماذا شرع صدام، وقد قضى على كل معارضة رئيسية وعزز سلطته، بشن حرب طائشة كهذه؟ وهل كانت الحرب مجرد خطأ حسابي مدمر لزعيم متهور أم أنها كانت تمثل شيئا عميقا وبنيويا في الدولة البعثية؟
يقول المؤلف إن الإجابة على هذه الأسئلة أمر بالغ الأهمية لأن اجتياح العراق لإيران حرر القوى التي راحت تقضم بثبات سلطة الدولة البعثية وحرضتها على اكتساح الكويت عسكريا عام 1990 وأوشكت أن تتسبب بانهيارها تماما خلال انتفاضة شهري مارس وأبريل عام 1991.
إن الفترة الثانية لحكم البعث من 1979 إلى 1990، والتي قام فيها صدام بخلع أحمد حسن البكر من منصبه كرئيس للدولة وانتهت بغزو الكويت في أغسطس 1990، قد أتت على كل دعم شعبي حصل عليه النظام خلال السبعينات. وحلت عائلة صدام وأقربائه محل البعث التكريتي كصناع قرار أساسيين في الحزب وجهاز الدولة.
حيث ضم «حزب الأسرة» إخوانه غير الأشقاء الثلاثة، برزان ووطبان وسبعاوي وزوج أمه إبراهيم حسن المجيد و ابن عمه علي حسن المجيد. ثم امتدت الأسرة الحاكمة لتشمل كلا من حسين وصدام كامل اللذين تزوجا من ابنتي صدام رغد ورنا على التوالي.
وخلال الثمانينات، حصل تغير عندما حظي ابنا صدام عدي وقصي بنفوذ سياسي، فنجمت عن ذلك تصدعات جديدة ضمن النظام. ويبدو ان السلطة والنفوذ المتصاعدين لابني صدام قد حددا بداية المرحلة الثالثة والأخيرة للحكم البعثي.
لقد صور الرئيس أحمد حسن البكر على أنه قائد معتدل إلى حد كبير. إذ كان يمثل شخصية أبوية على المستوى الوطني وهي صورة مطمئنة للكثير من العراقيين خلال العقد الأول من الحكم البعثي حيث سمح الاحترام الذي تمتع به والناجم عن وضعه كضابط كبير في الجيش ولافتقاره إلى طموح سياسي أعلى بلعب دور هام كوسيط بين فصائل حزب البعث. ولكن ما ان تم التخلص من البكر، تضعضت بنية حزب البعث واستقراره الداخلي.
وخلال المرحلة التكريتية للحكم البعثي، كان أعضاء الحزب يأتون من عدد من أفخاذ آل بو ناصر والعشائر المرتبطة بهم. وتضم الأمثلة على ذلك حردان التكريتي وطه يحيى وفاضل البراك التكريتي وصلاح عمر العلي وهو ابن عم لصدام وسفير سابق للعراق في الأمم المتحدة. في حين أن أحمد حسن البكر وعدنان خير الله طلفاح، وزير الدفاع العراقي خلال الحرب الإيرانية العراقية، هما من فرع من فروع آل بو ناصر ألا وهو البيجات.
حكم العشائرية
أما حسين وصدام كامل فمن عائلة المجيد وهما أبناء عمومة لصدام من جهة والد صدام المتوفى وعشيرة آل بو ناصر من العشائر الخاملة الذكر وهي تعود بأصولها مثلما تزعم الكثير من العشائر العراقية إلى شبة الجزيرة العربية. وعندما استقرت في تكريت نمت صلاتها بالعشائر الأخرى من المدن العربية السنية شمال وسط العراق كالدور والدليم والجبور والراويين وشمر . ثم وجدت هذه العشائر والعائلات أن سلطتها ونفوذها قد تقلصا عقب عام 1979 إلى حد كبير عندما أصبحت السيطرة على السلطة أكثر اقتصارا على أفراد عائلة صدام بالذات.
ويتسم تضييق دائرة السلطة السياسية عقب استيلاء صدام على مقاليد الحكم في 1979 بالمفارقة لأن صدام وبعث التكارتة كانا معا هدفا لمحاولة انقلاب فاشلة عام 1973 على يد مدير الأمن ناظم كزار الذي يزعم بأنه كان مستاء من الهيمنة التكريتية على الدولة. ولقد دفعت محاولة الانقلاب الفاشلة صدام إلى الاتكال على أفراد عائلته في بناء قاعدة سلطته داخل الحزب والدولة. ولكن مثلت التغيرات التي حصلت عام 1979 تعزيزا للتوجه القائم أكثر من كونها قطيعة مع الماضي.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو كيف أثرت التغيرات في بنية النخبة السياسية والاقتصاد السياسي إبان الفترة الثانية لحكم البعث على مساعي الدولة لتطويع الذاكرة التاريخية؟
ومع الخسائر المادية والبشرية الهائلة للحرب العراقية الإيرانية وتحول حزب البعث إلى أداة طيعة بيد عائلة صدام وتفرعاتها التي اتسمت بالتناحر والفساد المالي والسلوك المتحلل أخلاقيا، أخذت جهود الدولة المفرطة لاستغلال الذاكرة التاريخية من أجل الحصول على رضى مواطنيها تحط من مصداقية النظام التي اكتسبها خلال السبعينات .
كما إن سعي الدولة لتطويع الذاكرة التاريخية قد تضاءل شأنه نتيجة لخضوع الدولة إلى أفراد عائلة صدام ونتيجة لسياسات الخصخصة التي جرت شرعنتها في الفترة ما بين 1979 و1990 والتي عكست جنوح النظام المتواصل إلى اليمين.
ضعف صلات الدولة بالشعب وتضافرت هاتان السياستان معا لاستبدال الشعور التوحيدي بالهوية للنظام سابقا بآخر يستند إلى المصالح المادية والفردية لعدد صغير من اللاعبين السياسيين ممن ليس لديهم فضلا عن صدام اهتمام كبير بالذاكرة التاريخية أو بالسياسة الثقافية للسبعينات. فأخذت صلات الدولة بالشعب تضعف مما قوض من القابلية على تطبيق مشروع حزب البعث في الهيمنة.
إن استبدال صدام لسيطرة حزب البعث على الدولة بسيطرة أفراد عائلته (دولة حزب الأسرة) كان يراد منه تعزيز أمنه، غير أن لسياساته في تعزيز الخصخصة غايات مختلفة. فمن جهة أولى سعى البعث إلى تحسين التكنولوجيا التي يمكن استخدامها من خلال تقليل الاعتماد على تكنولوجيا السوفييت والكتلة الشرقية ذات النوعية الرديئة. ثانيا، من خلال استخدام شركات غربية في المشاريع الكبيرة المتعلقة بالبنى التحتية، وفر حزب البعث الحوافز التي تدفع الغرب إلى مساندة الحزب، تلك المساندة التي كانت حاسمة خلال الحرب مع إيران.
ثالثا، انتفع أعضاء النظام من سياسات الخصخصة حيث إن حسين كامل، على سبيل المثال، تمت ترقيته من كونه سائقا في الموكب الرئاسي لصدام إلى رتبة فريق ركن في الحرس الجمهوري ومن ثم وزيرا للتصنيع العسكري ليصبح ثريا من بعد عبر مشاريع تطوير الأسلحة. لذلك فإن التغيرات في الاقتصاد السياسي التي أضعفت التوجه «الاشتراكي» للدولة، قد خدمت غايات دولية ومحلية. إذ أعانت المساعدة التكنولوجية الغربية العراق اقتصاديا وعسكريا من خلال السماح لمشاريع البنى التحتية المتقدمة بالمضي قدما.
كما ان التسهيلات المالية الأمريكية للأغراض الزراعية قد أطلقت اليد لاستغلال الأرصدة المالية الأخرى في تمويل الحرب ناهيك عن إمكانية استغلال الأرصدة المودعة لشراء المعدات ذات الاستخدام المزدوج كالطائرات المروحية والجرارات الزراعية التي حولت لصالح الاستخدام العسكري. وكان دور هذه التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام حاسما خلال الثمانينات في مساعي العراق لتطوير وصناعة الأسلحة النووية والكيمياوية والبايولوجية. ففي نفس الوقت الذي عزز فيه الدعم الغربي ثروات الطبقة البرجوازية الجديدة للدولة والتي كانت قد خطت خطوات واسعة إبان السبعينات، فإن هذا الدعم بالذات هو الذي جعل من تنفيذ هذه المشاريع أمراً ممكنا.
الابتعاد عن الاشتراكية
وليس هنالك من مجال ربما كمجال الزراعة يمكن أن يلاحظ عليه بجلاء الابتعاد عن التوجه «الاشتراكي» أو عن سيطرة الدولة. إذ على الرغم من أن التطور في هذا المجال قد هلل له على أنه أحد المنجزات الأساسية لثورة «تموز 1958»، إلا أن الإصلاح الزراعي لنظام قاسم كان ملتبسا على الدوام في تطبيقه على الأقل أكثر مما في محتواه. ففي حين تمت مصادرة ممتلكات ملاك الأراضي الأكثر مساحة ومناصري الحكم الملكي، لم يتأثر الملاك من المستوى الأوسط إلا على نحو هامشي فحسب.
فضلا عن ذلك، إن المصادر المحدودة للدولة والنقص في أعداد الموظفين المدربين على تنفيذ الإصلاح الزراعي على وجه خاص، كانا يدلان على أن الكثير من الأراضي التي تمت مصادرتها لم توزع مجددا طوال عقد الستينات.
ولقد شدد البعثيون بعد وصولهم إلى سدة الحكم عام 1968 على سياسات الإصلاح الزراعي للالتفاف على الأرجح على الحزب الشيوعي العراقي الذي دعم على نحو صاخب الإصلاح الزراعي المتطرف في ظل حكم عبد الكريم قاسم. وبدلا من إعادة توزيع الأراضي على الملاك الصغار من الفلاحين مثلما كان يريد نظام قاسم، شدد حزب البعث على ملكية الدولة لتلك الأراضي. فازداد عدد المزارع التعاونية من ست مزارع في 1972 إلى تسع وسبعين مزرعة عام 1976. وفي الخطة الخمسية (1976 ـ 1980) تمت زيادة العدد إلى أكثر من ثلاثمئة عند العام 1980.
وعند دراسة دوافع صدام لمواصلة خصخصة الاقتصاد، من الضروري إدراك أن هذا القائد العراقي لم يكن ملتزما على نحو جدي بالسياسات الاشتراكية. ففي تعليقه على قرار تأميم النفط عام 1972، على سبيل المثال، لم يبد صدام إلا اهتماما ضئيلا بالسياسات الاشتراكية (17).
ومع أن صدام كان يعتمد على مفهوم «الحزب الطليعي» اللينيني كنموذج لحزب البعث وأنشأ العديد من المنظمات الشبابية وغيرها تبعا للنموذج السوفييتي، إلا أن تفكيره لم ينشغل أبدا بالأبعاد الاقتصادية للفكر الاشتراكي. فمن بين الكثير من كتاباته (سواء كان هو الذي كتبها بالفعل أم أنها كتبت من قبل آخرين) لا نجد إلا النزر الضئيل فيما يتعلق بالنزعة الاشتراكية بالذات أو بالاقتصاد الاشتراكي كما يطبق في العراق.
البعث ورفض الديمقراطية
وفي شرحه لمسيرة الأفول يقول المؤلف: لقد رفض البعث باستمرار النداءات للتحول نحو الديمقراطية خلال السبعينات واسما نداءات كهذه على أنها «برجوازية» وتبنى بدلا من ذلك سبيلا غير واضح المعالم سماه «الطريق الثالث» لما بات يعرف «بالديمقراطية الشعبية» والتي تترجم بأنها تقف وسطا بين الليبرالية الغربية والشيوعية السوفييتية. وقبل عام 1975، تحجج النظام بالانتفاضة الكردية في الشمال لتأجيل الديمقراطية.
وبين عامي 1975 و1979، كان صدام يتذرع بأن خطر الحزب الشيوعي العراقي ومن ثم الثورة الإسلامية في إيران هما اللذان يعيقان أي تحرك صوب الشكل الديمقراطي للحكم. لذلك اندهش العديدون في يناير عام 1980 من دعوة صدام لإنشاء المجلس الوطني.
فما هي الدوافع وراء القرار المفاجئ لإنشاء مجلس نيابي منتخب؟ في الواقع لم يتمتع المجلس ذاته بأية سلطة تشريعية. كما اقتصرت عضويته على أعضاء حزب البعث والمتعاطفين معه على الرغم من وجود قوائم انتخابية في ثلاث محطات اقتراع زرتها قبل الانتخابات البرلمانية في 20 يونيو 1980 ضمت مرشحين أكراداً ممن يزعم بأنهم من المتحالفين مع الحزب الديموقراطي الكردستاني وكذلك ضمت «مستقلين»،.
بالإضافة إلى أعضاء حزب البعث. وكانت المناقشات بصدد البرلمان والتصويت من الأمور الخاضعة تماما للسيطرة. ومع ذلك، إن إنشاء أول برلمان منذ سقوط الحكم الملكي أعطى بعض العراقيين أملا بتحول ليبرالي تدريجي محتمل الحدوث. ومن ناحية أخرى، وفرت الحرب مع إيران والتي أعقبت بفترة وجيزة إنشاء المجلس الوطني عذرا مناسبا لعدم تحقيق أي شكل من أشكال الديموقراطية حتى ولو على نطاق محدود.
الصفحات: 397
الكتاب: ذكريات دولة
تأليف: إريك دافيس
الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005
