تدفق مئات الآلاف من اللبنانيين أمس إلى ساحة الشهداء في العاصمة بيروت لإحياء الذكرى السنوية الرابعة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وسط إجراءاتٍ أمنية مشددة حاملين لافتات تشيد به وبالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بالنظر في قضية اغتياله.

وتعاقب قادة «قوى 14 آذار»، التي تمثلها الأكثرية النيابية، على المنبر ذي الزجاج المضاد للرصاص وألقوا كلماتٍ شددوا فيها على أهمية الانتخابات النيابية المقبلة في شهر يونيو باعتبارها «مفصلية» و«مصيرية» وعلى المحكمة الدولية «الآتية»، مجددين حملتهم على القيادة السورية التي حملوها مسؤولية الاغتيالات والسياسات السابقة السائدة في لبنان.

وأحيا مئات الآلاف من اللبنانيين الذكرى السنوية الرابعة لرحيل رفيق الحريري اغتيالاً في احتفالٍ حاشد في ظل إجراءات أمنية مشددة من قبل الجيش اللبناني وقوات الأمن الداخلي وسط العاصمة بيروت قبل نحو أسبوعين من بدء جلسات المحكمة الجنائية الدولية الخاصة باغتياله. فمنذ الصباح الباكر توافد المواطنون اللبنانيون من أنصار تحالف «قوى 14 آذار» المناهض لسوريا إلى ساحة الشهداء المسماة مجازاً ب«ساحة الحرية» حيث يوجد ضريح الحريري في مسجد محمد الأمين الذي بناه بنفسه حاملين صوره ولافتات تحيي ذكراه وأعلاماً لبنانية وأعلام الأحزاب التي يمثلونها.

وعلقت في الشوارع لوحات إعلانية ضخمة حملت صور الحريري وتسع شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية اغتيلت في عمليات متفرقة منذ العام 2005 كتب عليها: «ماتوا لتحيا الدولة»، «أنتم الشهداء ونحن الشهود... المحكمة الدولية عدالة للجميع». وبدأ الاحتفال في وقت كانت فيه مواكب السيارات والحافلات لا تزال على الطرق المؤدية إلى العاصمة، رافعةً الأعلام ومطلقةً العنان لأبواق السيارات، في وقتٍ كان فيه منظمو التجمع يقولون عبر مكبرات الصوت: «أنتم الأكثرية؟، لا بل الأكثرية على الطرق في الشمال والجنوب والجبل والمتن وكسروان».

ووقف المشاركون، ومن بينهم شقيقة رئيس الوزراء الراحل وزيرة التربية بهية الحريري، دقيقة صمت تزامناً مع اللحظة التي وقع فيها الانفجار الذي أودى بحياة الحريري و18 آخرين في الساعة ال12:50 دقيقة بالتوقيت المحلي مترافقةً مع دقات أجراس الكنائس وآذان المساجد.

انتخابات يونيو حضرت

وألقى قادة «قوى 14 آذار»، التي تمثلها الأكثرية النيابية، كلماتٍ شددوا فيها على أهمية الانتخابات النيابية المقبلة في شهر يونيو باعتبارها «مفصلية» و«مصيرية» وعلى المحكمة «الآتية»، مجددين حملتهم على القيادة السورية التي حملوها مسؤولية الاغتيالات والسياسات السابقة السائدة في لبنان قبل انسحاب الجيش السوري من هناك. وأكد زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري أهمية الاحتفاظ بالأكثرية في الانتخابات المقبلة «حفاظاً على القرار الحر»، داعياً إلى «مراقبة عربية ودولية» لها.

وأضاف الحريري في كلمته مخاطباً مئات الآلاف «أنتم روح 14 آذار أردتم لعهد الهيمنة أن يرحل فرحل وأردتم للمحكمة الدولية أن تقوم فقامت»، مضيفاً «معكم نتقدم نحو 7 يونيو موعد القرار الحر والصوت الحر، ونتطلع لإجرائها بأجواء ديمقراطية تحت رقابة القانون». وشدد على أن الأغلبية ستتعامل مع نتائج الانتخابات «في إطار القوانين المرعية ووفق الدستور لما فيه خير للدولة واستمرارها وقيامه».

ومر الحريري بالذكر على قضية المحكمة الدولية، منوهاً إلى أن «ساعة الحقيقة دقت، والعدالة ستدق بإذن الله أبواب كل الذين شاركوا في المسلسل الإجرامي بحق لبنان» على حد وصفه. وتابع قائلاً: «كل مواطن نزل إلى هذه الساحة، كان شريكاً بتعبيد الطريق إلى لاهاي»، وهو مقر المحكمة التي سينطلق قطارها مطلع الشهر المقبل. ودعا إلى «إعلاء لغة الحوار الوطني على أي لغة أخرى تسعى إلى استدراج لبنان نحو أي شكل من أشكال العنف».

الجميل وجعجع والسبع يستنفرون

من جهته، أكد رئيس «حزب الكتائب» ورئيس الجمهورية السابق أمين الجميل في كلمته أن الانتخابات «ليست خياراً بين فريقين وطنيين يتنافسان على خدمة الوطن، وإنما خياراً بين مشروعين متناقضين» كما قال، موضحاً أن المشروع الأول هو «إكمال مسيرة السيادة والاستقلال والنهضة الاقتصادية، والمشروع الآخر هدفه استحضار الوصاية والارتباط العضوي بوصاية لا علاقة لنا بها أبداً». وتابع: «إما أن تنتصر روح ثورة الأرز فنحبط انقلابهم المستمر وإما أن ينتصروا هم ويستكملوا انقلابهم بالاستيلاء على السلطة».

بدوره، تحدث رئيس «الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية» سمير جعجع مطالباً أنصاره بـ «تغيير مجرى التاريخ» في شهر يونيو «كما انتفضتم في 2005». وصعد على المنبر، الذي تقدمه لوح زجاجي مضاد للرصاص، النائب باسم السبع، وهو أحد المقربين من رئيس الوزراء الراحل، مهاجماً سوريا التي زعم وجود «تجربة مريرة وتاريخ أسود» معها. وأضاف متوجهاً إلى المجتمعين: «أنتم كشفتم الحجاب عن إدانة سوريا في جريمة الحريري والجرائم الأخرى قبل أن ترد على لسان أي مسؤول».

جنبلاط يهاجم القيادة السورية بشدة

هاجم زعيم «تكتل اللقاء الديمقراطي» الذي ينتمي إلى الأكثرية النائب وليد جنبلاط بشدة القيادة السورية خلال كلمته التي ألقاها في المناسبة. وقال جنبلاط: «أخرجتم نظام الوصاية وجيش القهر والحقد والدم وفرضتم المحكمة بإصراركم وعنادكم» في إشارة إلى الجيش السوري والى المحكمة الدولية. وأضاف انه «من موقع الحرص على الوحدة والحوار لا بد من التمييز بين التهدئة والتسوية»، مستطرداً «نقولها بصراحة لا تسوية على المحكمة وعلى تحديد وترسيم الحدود مع سوريا، ولا تسوية على اتفاق الطائف بشرط استكماله بتحرير لبنان من نظام الطوائف ولا تسوية على حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة»، في إشارة إلى سلاح حزب الله الذي يتم بحث مصيره في جلسات الحوار.

وهادن جنبلاط خصوم الداخل قائلاً: «لا عدو لنا في الداخل على الإطلاق. نحترم شهداءهم ونتمنى أن يحترموا شهداءنا»، مضيفاً «عدونا إلى جانب إسرائيل هو الحقد ومحاولة أنظمة الاستبداد قمع التقدم والتطور». وعاود هجومه على سوريا من دون أن يسميها مشدداً على «التهدئة والهدنة مع إسرائيل في وقتٍ يحارب عبرنا وعبر غزة وأرضه محتلة ويتباهى بالتحرير ويفاوض إسرائيل وكأن أهل لبنان وغزة يباعون ويشترون على طاولة المفاوضات» على حد وصفه.

على الهامش

ألقت أرملة رئيس الوزراء اللبناني الراحل نازك الحريري كلمةٍ عبر مكبرات الصوت توجهت فيها إلى زوجها الراحل بقولها: «أتذكرك تقول قضيتي هي السيادة والحرية والاستقلال، قضيتي هي الاعمار لهذا البلد الحبيب». كما بثت عبر مكبرات الصوت ثلاث كلمات للأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، والذي يوصف بصديق الحريري الشخصي، ورئيس الحكومة العراقية الأسبق أياد علاوي، أشادوا فيها برئيس الوزراء الراحل.

ذكر شهود عيان أن عدة حوادث «تلاسن وضرب بالعصي» جرت أمس بين أنصار «قوى 14 آذار» ونظيرتها «قوى 8 آذار» التي تمثلها الأقلية النيابية وتدعمها سوريا. وأسفرت الاشتباكات، وفق مصدر أمني، عن إصابة بضعة أشخاص بجروح وعن تحطم بعض السيارات. جدد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في بيان تأكيده على دعم المنظمة الدولية لجهود المحكمة الخاصة بهدف «كشف الحقيقة وجلب المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة أمام القضاء ووضع حد لغياب العقوبة في لبنان».