لماذا كان يشعر البعث، عقب تعزيز السلطة في 1973، بالحاجة إلى القيام بحملة ضخمة لإعادة كتابة تاريخ الأمة وإعادة هيكلة التصورات بخصوص تراثها الثقافي؟ هذا هو السؤال الذي يحاول المؤلف الإجابة عليه من خلال السطور التي نقدمها في هذه الحلقة. فرغم توجيه مجمل وارداته للتجهيز العسكري والمرافق الأمنية على ما أشرنا الحلقة الماضية إلا أن حصة من الأموال كانت تكرس لتنمية صناعة «الإنتاج الثقافي».

وعلى الرغم من أنه لم يكن مسموحا إلا بصدور الصحف التي ترعاها الحكومة، غير أن عدد المطبوعات الرسمية الجديدة وخصوصا المجلات قد تزايد على نحو مثير. حيث أصبحت المهرجانات والمؤتمرات الدولية جزء من الحياة الثقافية العادية.

وتتبدى أهمية السؤال من أن النظام كان قد تخلص من المعارضة في صفوف الحزب وكانت أسعار النفط مرتفعة كما جرى تركيع الحزب الشيوعي العراقي من خلال اعتقال ومضايقة أعضائه بفعل اشتراطات الجبهة الوطنية لعام 1973 التي قيدت نشاطات الحزب. ومع ذلك، لم ينفك صدام والبعث عن الشعور بالحاجة إلى تطويع الذاكرة التاريخية حتى مع استقرار وضع النخبة نسبيا وتضاؤل التهديد الشيوعي.

في محاولته للإجابة عن السؤال الذي تصدر السطور السابقة يذكر المؤلف أن هناك ثلاثة عوامل ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار:

أولا، شعر العديد من البعثيين بالحاجة إلى التغلب على التصارع ضمن صفوف النخبة السياسية التي أنتجت عقدا من عدم الاستقرار السياسي المتواصل تقريبا بعد الإطاحة بالحكم الملكي.

ومن خلال طرح تعريف للمجتمع السياسي يجمع ظاهريا كل عناصر المجتمع العراقي، سعى البعث إلى التخلص من التناحر السياسي عن طريق منح كل فرد، على نحو رمزي، مجالا ثقافيا وسياسيا محدودا. أما الجهد المبذول لإعادة هيكلة الذاكرة التاريخية من خلال التركيب بين القومية العروبية و«الرافدينية» والثقافة الشعبية، فكان يراد من ورائه إعطاء تعريف للمجتمع السياسي يحشد الجميع ويقوي الدولة.

لقد امتحن النظام في سنواته الأولى بالاستياء الداخلي وبما لا يقل عن محاولتين للانقلاب عليه. ولكن مؤامرة يناير عام 1969 التي زعم ارتباطها بحلقة تجسس إسرائيلية بإدارة يهود عراقيين كانت مفبركة لترويع الخصوم المحتملين. ورغم ذلك، جرت انقلابات بالفعل مثلما حصل في 1970 و1973. إذ جرى إفشال محاولة الانقلاب التي وقعت في يناير 1970 من قبل اللواء عبد الغني الراوي والعقيد صالح مهدي السامرائي. وفي أكتوبر 1971، سرح حردان التكريتي من منصبه الأمر الذي عكس الاهتمام بتأثير الجيش في النظام الجديد، ثم اغتيل هذا الرجل في منفاه في الكويت إبان شهر مارس من عام 1972.

آخر تحد للنظام

وعلى الرغم من أن آخر تحد خطير للنظام الجديد في 1973 والذي مثله مدير الأمن، ناظم كزار، قد تم الإجهاز عليه بسرعة، إلا أنه من الجلي بأن المعارضة الداخلية ظلت احتمالا قائما سواء من قبل الجيش أم من قبل القوى الأمنية. لذا فإن تكوين رؤية ذات طابع هيمني توفر هوية أوسع نطاقا وأكثر ترابطا للجماهير والنخبة العراقية يمكن لها أن تقلل من الحاجة إلى الاعتماد حصرا على الجهاز الأمني الواسع للدولة. لقد شعر صدام والبعث بأن القمع الظاهر لوحده لا يمكن أن يقيم أود النظام لحكم طويل الأمد.

ثانيا، سعى كل من صدام وحزب البعث إلى محو النموذج الوطني العراقوي من السجل التاريخي لكي لا يطلع عليه الشباب العراقيون على نحو خاص. ومن خلال تبني اتحادات غير بناءة مع التوجه الوطني العراقوي ومقاربة التصنيفات المتصارعة للتفكير لأولئك الذين ترتبط بهم، سعى البعث إلى التخلص من تهديد المنافس الرئيسي وبالتحديد الشيوعيين، مثلما سعى كذلك إلى التشهير بعدد كبير من الشيعة الذين يرون في الحركة القومية العروبية محاولة للحط بهم إلى مستوى الأقلية في دولة قومية عروبية ذات هيمنة سنية.

وإذا ما استطاع النظام اقناع الشباب العراقيين بالنظر إلى الشيوعيين وغيرهم من الوطنيين العراقويين على أنهم غرباء لا ولاء لهم ويضمرون إلحاق الأذى بالعراق وكان بإمكان هذا النظام في نفس الوقت صياغة مقولات لا يستغني عنها الشباب في النظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل.

فإن منافسي البعث سيكون من العسير عليهم إلى حد بعيد تعبئة الجيل الأحدث سنا وكسبهم إلى صفوفهم. ولأجل أن يحط البعث من قدر الحركة الوطنية العراقوية التي اعتمدت على حضارات العراق القديمة في العديد من رموزها السياسية والثقافية، لجأ هذا الحزب إلى ابتكار ذاكرة «رافدينية» خاصة به كمكمل للتوجه القومي العروبي للحزب.

الإطار الدولي لتحرك البعث

ثالثا، تحتاج الجهود البعثية في إعادة كتابة التاريخ إلى أن تفهم ضمن إطار دولي لأنها لم تصمم للترويج لبرنامج البعث محليا فحسب؛ بل قد تم التخطيط لها كي تلبي أهداف سياسة الحزب الخارجية كذلك. حيث كانت المؤتمرات التي ترعاها الدولة والاتحادات المهنية والمجلات تستقطب باستمرار مثقفين من بلدان عربية أخرى لإظهار التزام العراق بالتوجه القومي العروبي.

في حين أن تركيز الدولة على تراثها الرافديني والعربي الإسلامي كان من أجل التأكيد على التفوق الثقافي للعراق في مواجهة مصر وسوريا، منافسيها الرئيسيين، على زعامة التوجه القومي العروبي. ولقد سمحت ثورة العراق النفطية حتى الثمانينات بجلب أعداد كبيرة من المثقفين العرب والأجانب إلى البلاد حيث كانوا يعاملون بسخاء يبرز وضع العراق كزعيم محدث النعمة للعالم العربي.

وضمن توجهات القوى الأيديولوجية العاملة في العراق في 1968، ينبغي التطرق إلى كل من الاهتمامات القومية العروبية والوطنية العراقوية. ففي أوساط القوميين العروبيين والطبقة الوسطى الحضرية بالتحديد، كان عجز نظام عارف خلال الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو 1967 قد أورث استياء عاما خصوصا مع ضعف النظام وحكمه غير الفاعل.

في حين أن البعث بموقفه المتطرف إزاء إسرائيل كان قادرا على كسب تأييد شعبي خصوصا في أوساط الضباط والطبقات الوسطى الحضرية وتمييز نفسه من ثم عن النظام العارفي. أما الصراع مع أنداده البعثيين في سوريا المجاورة وخصوصا مع الفصيل اليساري الذي قدر له أن يتسلم السلطة بقيادة صلاح جديد في 1966، فإنه قد فرض أيضاً على البعث التكريتي أن يثبت بأن مؤهلاته البعثية كانت هي الأكثر أصالة. ومن الجلي أن الصراع بين إسرائيل والبعث السوري يحتاج إلى أن يصاغ هو الآخر وفقا للتعابير القومية العروبية.

ومن ناحية أخرى، لم يكن بوسع النظام أن يستبعد السكان العرب من غير السنة وخصوصا الشيعة والأكراد في مواجهة جيران معادين كسوريا وإيران وتركيا. وفي هذا الإطار، كانت الحركة القومية العروبية المتصلبة غير مثمرة خصوصا في ضوء خيبة الأمل بالحركة العروبية عقب هزيمة مصر، محور الوحدة العربية، في 1967 ثم إن حاجة النظام إلى توسيع قاعدته الاجتماعية.

والتي أدت إلى قيام «الجبهة الوطنية التقدمية» بالاشتراك مع الحزب الشيوعي العراقي، قد جاءت بالضد من الموقف العروبي الإقصائي أيضاً لأنه كان يعمل على منع النظام الجديد من اجتذاب اليسار. وبالرغم من تأكيد صدام على أنه كان شديد التأثر بمذكرات صلاح الدين الصباغ، «فرسان العروبة في العراق»، إلا أن التوجه البعثي التكريتي كان مختلفا عن القومية العروبية للصباغ وللمشاركين في حركة 1941.

تناقض أيديولوجي

لقد عانى النظام من تناقض أيديولوجي عميق. فمن ناحية، لم يكن بمقدوره أن يتبنى الأيديولوجية القومية العروبية الإقصائية خشية الإيغال في استبعاد الشيعة والأكراد والشيوعيين. ومن ناحية أخرى، لم يكن بمقدوره اعتناق التوجه الوطني العراقوي الذي كان يتناقض مع التراث الأيديولوجي للحزب والذي يؤكد على الوحدة العربية. فلو انحاز النظام كثيرا إلى جهة اليمين لأمكن أن يحط البعث من مصداقية «الثورية». ولو بالغ في اتخاذ جانب اليسار لأمكن أن يخسر دعم الطبقات الوسطى المهيمنة ومجموعة ضباط الجيش والتجار وقطاعات المجتمع المحافظة كالمرجعية الشيعية.

لذا أطلق النظام على نحو فيه دهاء بيانات أيديولوجية غامضة وشديدة التجريد. وعوضا عن التركيز على الأيديولوجيا، قدم نموذجه الثقافي الجديد وسيلة ماكرة لحشد التأييد والدعم الشعبي.

ومما لا ريب فيه أن البيانات الزاعقة بصدد «الكيان الصهيوني» وشرور الإمبريالية قد تواصل صدورها من خلال الصحافة الخاضعة لسيطرة الحكومة. ومع ذلك، لم تقترن مثل هذه البيانات بأية مساع جدية لمجابهة إسرائيل أو المصالح الغربية في العالم العربي. وظلت الأيديولوجيا البعثية التقليدية بمكونها القومي العروبي على وجه الخصوص مظهرا خادعا يتجلبب به البعث التكريتي. كما خضعت باستمرار لهوية وطنية جديدة تستوحي إلهامها من ماضي العراق الوطني أكثر مما تستوحيه من المؤسسين الفكريين لحزب البعث في الشام كميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار.

وكان المجهود الضخم لإعادة بناء ذاكرة تاريخية ردة فعل أيضاً على ثورة «تموز 1958» ونتيجة للخشية من الحركة القومية العراقوية التي إذا لم تكن تشكل تهديدا سياسيا آنيا، فإنها كانت تقبع كبديل للمشروع البعثي.

وفي معرض تفسيره لوضع البعث يقول المؤلف: إن إرهاب وعنف البعث واتكاءه على الصلات القرابية في صيغة بنية العشيرة وما يتفرع عنها من أفخاذ وصولا إلى العائلة في إقامة البنية التحتية للدولة، قد مثلا ضربا من الرؤية السياسية الضيقة التي عارضتها تماما الرؤية الوطنية العراقوية للحزب الشيوعي العراقي وأيديولوجيته حيث إن تركيز الحزب الشيوعي العراقي على العدالة الاجتماعية يقف بتناقض حاد مع محسوبية البعث التكريتي وفساده الداخلي اللذين راكمت نخبة الحزب من خلالهما ثرواتها.

تعزيز الإنتاج الثقافي

وإذا ما كان البعث التكريتي قد جعل نمو إيديولوجيا متماسكة رهناً بانتحال ذاكرة تاريخية من خلال الإنتاج الثقافي، فما هي الأشكال التي اتخذها هذا المسعى؟ أولاً، زاد النظام في أعداد الصحف والمجلات لفئات متنوعة من أنصاره. كما شهد المثقفون زيادة مفاجئة في عدد الإصدارات الأكاديمية والبحثية من قبل وزارة الثقافة والإعلام.

وتشمل أبرز الأمثلة على ذلك مجلة التراث الشعبي التي صدرت لأول مرة كمجلة خاصة في سبتمبر 1963 والتي تقطع صدورها إلى أن سيطرت عليها الوزارة في 1969 ثم مجلة المثقف العربي (في1969) ومجلة المورد (في 1971) ومجلة الخليج العربي (في 1970) ومجلة آفاق عربية (في 1975) ومجلة المؤرخ العربي (في 1975).

كما أصدرت المؤسسات الحكومية الأخرى مطبوعات مهمة كمجلة السينما والمسرح التي أصدرتها دائرة السينما والمسرح. ولا ننسى بأن الجامعات قد أصدرت أيضاً المزيد من المطبوعات المتخصصة التي وإن لم تكن تحت سيطرة وزارة الثقافة والإعلام مباشرة إلا أنها كانت تخضع لرقابتها بالتأكيد.

حيث صدرت مجلة التراث العلمي العربي (1977) من قبل مركز إحياء هذا التراث في جامعة بغداد، وصدرت مجلة آفاق جامعية (1977) باللغتين العربية والكردية من قبل جامعة السليمانية، كما أصدرت جامعة بغداد مجلة كلية الآداب. وغالباً ما كانت ميزانيات هذه المطبوعات كبيرة جداً. فمجلة آفاق عربية، على سبيل المثال، بلغت ميزانيتها عند التأسيس 250000 دينار عراقي.

ومما له دلالة، إن المطبوعين اللذين ظهرا مباشرة تقريباً عقب انقلاب 1968 كانا متعلقين بالعمال والفلاحين، في حين إن المطبوعات المهنية والفكرية لم تشرع بالصدور إلا في أوائل وأواسط السبعينات من القرن الفائت. لذلك ظهر على العديد من إصدارات النظام الجديدة تأثير اليسار العراقي مثلما يلاحظ من عناوينها كوعي العمال. إذ سعت المطبوعات الجديدة إلى مجاراة الصحف والمجلات التي ظهرت إبان الخمسينات وحقبة قاسم. فعلى سبيل المثال، انتحلت مجلة المثقف العربي دور المجلة اليسارية المعتبرة، المثقف، والتي كان أول صدور لها في 1954.

وانتحلت مجلة المرأة «العراقية» عنوان المجلة التي أصدرها اتحاد النساء العراقي ذي الميول الشيوعية بين عامي 1958 و1963. كما أظهر تشجيع الثقافة الشعبية بالمثل التأثير اليساري على المساعي البعثية لانتحال ذاكرة تاريخية. وكان ربط هذه المطبوعات بالقومية العروبية بدلاً من الوطنية العراقوية دالاً على جهود النظام لجعل الهوية العربية الموحدة بديلاً عن التصور الطبقي أو الاجتماعي الديمقراطي للمجتمع العراقي.

الصفحات: 397

الكتاب: ذكريات دولة

تأليف: إريك دافيس

الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005