يركز المؤلف ضمن تناوله لصعود الذاكرة التاريخية في العراق والتي عمل نظام البعث على تأسيسها وتعزيز تأثيرها في المجتمع على المرحلة الفاصلة ما بين نظام عبدالسلام عارف وتولي البعث عقب انقلاب 1968.

مشيراً إلى أن هذا الانقلاب الأخير لم يكن يعكس في الحقيقة قوة البعث بقدر ما كان يعكس الضعف المؤسسي لنظام عارف وهو الأمر الذي يرجعه دافيس إلى عجز المنظومة السياسية في العراق عن تطوير مؤسسات قابلة للديمومة يمكن لها أن تتخطى نظماً وقادة بعينهم. وفي هذا الإطار يتطرق المؤلف إلى جوانب من صعود صدام ضمن البعث وتعزيزه لمركزه من خلال مهاراته الفريدة في التآمر والتصفيات. وفي وصفه للحياة السياسية فيما بعد انقلاب 1963 يذكر المؤلف أنها أصبحت أكثر اتساماً بالطائفية في ضوء ما كان معروفاً من توجهات عن عبدالسلام عارف في هذا الصدد حيث يصفه المؤلف بأنه كان سنياً متطرفاً. ويشير المؤلف إلى أن عدم الاستقرار أودى بثقة الشعب بالنظام السياسي على نحو أكبر وخصوصاً عقب مقتل عبدالسلام عارف في حادث تحطم طائرة مروحية في أبريل1965.

يوضح المؤلف أنه إثر مقتل عبدالسلام عارف تأكد الحكم غير الناجح لأخيه عبدالرحمن عارف بفعل الانحدار الاقتصادي المتواصل وأدائه المهين في الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو 1967. ثم إن عدم رغبة الدولة في تطبيق خطة البزاز ذات الثلاث عشرة فقرة في 1966 لحل المشكلة الكردية حلاً جذرياً فاقم التدهور السياسي الذي لف البلاد. وإبان انقلاب 1968 كان عارف ورئيس وزرائه طاهر يحيى قد تمت الإطاحة بهما من دون عناء ومن دون إطلاق طلقة واحدة على نفس المنوال الذي تمت فيه الإطاحة بالثلاثي نوري السعيد وعبدالإله وفيصل الثاني في 1958. وباختصار كان انقلاب 1968 انعكاساً للضعف المؤسسي لنظام عارف ـ يحيى أكثر مما كان انعكاساً للدعم الشعبي لحزب البعث.

إذ بقيت السياسة العراقية شخصانية في قمة السلطة. وسواء كانت بزعامة فيصل الأول أم بكر صدقي، أم العقداء الأربعة أم نوري السعيد أم عبدالكريم قاسم أم على صالح السعدي قائد انقلاب 1963 أم الأخوين عارف، عجزت المنظومة السياسية عن تطوير مؤسسات سياسية قابلة للديمومة يمكن لها أن تتخطى نظماً وقادة بعينهم. فمن دون مأسسة سياسية لم يكن أمام السياسة سوى الارتداد إلى مجموعات ليس لها وزن على المستوى الوطني قدر ما تعتمد على الهويات العشائرية والأثنية والمناطقية. وهذه التوجهات الاصطفافية التي أنتجت معاودة متواصلة لإنشاء التحالفات، مثلت وصفة جاهزة للاضطراب السياسي.

الأكراد ونظام عارف

لذلك نلاحظ أن الأكراد الذين ساندوا البعثيين القوميين العروبيين للإطاحة بقاسم في 1963 كانوا هم أنفسهم الذين انخرطوا في حرب ذات نطاق واسع مع نظام عارف ـ يحيى القومي العروبي عام 1968. كما لم يكن بمقدور أي تحالف القدرة على الصمود. وإذا ما كان هنالك من أمل فإنه ذلك الذي وفره فحسب النموذج الوطني العراقوي من أجل تحقيق الاستقرار السياسي من خلال رفض تحديد المجتمع السياسي طبقاً إلى الدين أو الأثنية.

حيث يمثل رؤية استيعابية وقفت بفاعلية في وجه الزمر النخبوية التي سيطرت على السياسة العراقية طوال القرن العشرين تقريباً. وضمن هذا الإطار لضعف حزب البعث محلياً وإقليمياً في 1968، ينبغي أن نفهم إصرار الحزب على إعادة كتابة التاريخ كجزء مهم من مساعيه لتحقيق الهيمنة.

لقد تطور النظام البعثي عبر عدد من الأطوار. حيث اتسم الطور الأول من 1968 إلى 1973 ببلاغة خطابية مناهضة للإمبريالية والصهيونية ومولعة بالمواجهة مثلما اتسم بدعم الوحدة العربية وبمفاتحات حزب البعث للحزب الشيوعي من أجل تشكيل جبهة موحدة. وبعد عملية التأميم الناجحة لشركة نفط العراق في 1972 وارتفاع أسعار النفط أوائل السبعينات والتخلص من أي منافسين جديين، أخذ النظام يضايق باستمرار الحزب الشيوعي، حليفه السابق، ومضى صوب عقد صلات أوثق مع الغرب.

وأصبح البعث في أوج سلطانه مع حلول عام 1979 حيث تخلص صدام حسين من أحمد حسن البكر وحل مكانه وقضى على كل معارضة رئيسية في صفوف حزب البعث ومن ضمن ذلك عدد من الشيعة البارزين.

فسحة للتعبير الثقافي

كما كانت هنالك فسحة ضئيلة للتعبير الثقافي أوائل الثمانينات على الرغم من الحرب العراقية الإيرانية. حيث سمح خلال تلك الفترة لبعض الصحف غير الحكومية بالعمل ونشر كتابات كانت محظورة سابقاً كالمؤلفات التي تبدي منظوراً أكثر رأفة بعبدالكريم قاسم وتناولاً أكثر انفتاحاً على العشائر العراقية. وترافق هذا التطور بتحرر اقتصادي تخصخصت بفعله قطاعات زراعية وتجارية وكذلك بعض مؤسسات القطاع العام.

وعند نهاية الحرب في 1988، دخل النظام مرحلة ثالثة صارت فيها مصداقيته عرضه للارتياب. حيث أصبحت الضغوط الاقتصادية بفعل هبوط أسعار النفط وديون الحرب تغذي الامتعاض الشعبي من عدم قدرة النظام على إنفاذ السياسات الجديدة التي وعد بأنها ستلي نهاية الحرب. كما مثل غزو الكويت تعميقاً لأزمة النظام بعد الحرب والتي ترافقت مع الهزيمة الشنيعة للعراق وانتفاضة فبراير مارس1991 التي أوشك البعث خلالها على السقوط.

ولم تكن الأوضاع السياسية في يوليو 1968 بشير خير على النظام الجديد. إذ على المستوى الوطني لم يكن أحد يعرف غير زعيم النظام اللواء أحمد حسن البكر الذي لعب دوراً رئيسياً في عملية الإطاحة بعبدالكريم قاسم وإعدامه. وكان النظام منقسماً بشدة.

حيث لم يكد يمضي أسبوعان على تسلم السلطة حتى تفجر صراع الأعضاء غير العبثيين الأصغر سناً ممثلين بالمقدم عبدالرزاق النايف والمقدم إبراهيم الداوود من جهة، والضباط الأكثر رسوخاً ممثلين بالبكر ونائبيه اللوائين حردان التكريتي وصالح مهدي عماش من جهة أخرى. وكان طرد النايف والداوود في 30 يوليو الذي اعتبره البعثيون «ثورة ثانية» بمثابة مشهد افتتاحي لمسرحية طويلة من التآمرات المتواصلة والتحالفات المتغيرة خلال السنوات الخمس الأولى للنظام الجديد.

نزاع في قمة البعث

ومع نفي كل من النايف والداوود، برز إلى السطح في الحال تنازع جديد بين نائبي الرئيس اللوائين حردان التكريتي ومصالح مهدي عماش حيث لم يكن حردان التكريتي بعثياً ملتزماً ووقف بوجه المحاولات لإعطاء النظام الجديد الطابع البعثي حصراً.

واستندت قوته إلى سيطرته على القوة الجوية كما أنها جاءت من شعبية معينة كان يتمتع بها في أوساط الطبقات الوسطى الحضرية كنتيجة لكبحه تجاوزات الحرس الوطني في 1963 في حين أن عماش الذي مثل الجناح اليساري لحزب البعث، كان مولعاً بفرض السيطرة الأيديولوجية على النظام الجديد. واتخذ الصراع بين النائبين شكل خلاف حول ما إذا كان بالإمكان السماح بزيارة ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث إلى بغداد أم لا.

فعارض التكريتي الزيارة خشية من أن تقوي سيطرة حزب البعث على الحكومة. وفي الحقيقة، لم يزر عفلق بغداد إلا في ديسمبر من عام 1968، أي بستة شهور عقب الانقلاب وبالإضافة إلى المنافسات الشخصية والصراع الأيديولوجي، واجهت النظام مشكلات محلية خطيرة. فخلال الستينات عانت الدولة من عجز خطير في الميزانية بفعل ركود أسعار النفط والذي تفاقم تأثيره نتيجة لإسراف نظام عارف في شراء الأسلحة لإرضاء الجيش. حيث اعتمدت الدولة طوال عقد من الزمان على عائدات النفط في حين استمر الركود في القطاع الزراعي.

ولم تكن المشكلة الكردية قد حلت لأنه لم يتمكن الجيش العراقي ولا الأكراد من تحقيق نصر عسكري. في حين كان الشيعة مستاءين من الدولة ويشعرون بالإقصاء من السلطة منذ انقلاب 1963. وعانى الموظفون المدنيون من قلة الأجور وتفشي الفساد الإداري.

ونتيجة لفقدان الثقة بالنظام الجديد، أخذ المقاولون ينظرون بحنين إلى الاصطلاحات المتحررة لوزارة البزاز. كما تجنب المستثمرون الأجانب السوق العراقية لعدم اطمئنانهم للسياسات الاقتصادية التي كان يتبعها النظام الجديد. وحافظ الحزب الشيوعي العراقي على شعبيته في أوساط المثقفين والطلاب وعمال المدن جاعلاً من إمكانية محاولته الاستيلاء على السلطة أمراً وارداً على الدوام.

نظام معزول دولياً

أما على المستوى الدولي، فكان النظام معزولاً. كما إن قمعه للناصريين الذين أسهموا في انقلاب 17 يوليو وضعه في مواجهة مصر. وبذلك وجه البعث التكريتي عداءه صوب منافسيه القوميين العروبيين الذين رأى فيهم التهديد الأكبر بدلاً من الشيوعيين، أعدائه التقليديين. لذلك، عندما زارت القيادات البعثية سجن أبو غريب سيء الصيت عقب الانقلاب، كان الناصريون والقوميون العروبيون من غير البعثيين الذين يعرفون بالحركيين هم الذين كانوا يستهدفون وليس السجناء الشيوعيين.

ومن جهة الغرب، كانت الصلات بالنظراء البعثيين السوريين خاضعة للمزاج اليساري لنظام دمشق، لذلك، شعر البعث التكريتي بارتياح أكبر مع قيادة الحزب المركزية الأكثر تقليدية لميشيل عفلق وشبلي العبسمي وإلياس فرح الذين لجأوا إلى العراق في نهاية المطاف. ومن جهة الشرق، ظل الشاه يدعم أكراد العراق الذين تلقوا أيضاً الدعم من إسرائيل والولايات المتحدة.

ولم يتمكن النظام من كسر طوق العزلة إلا من جهة الخليج العربي حيث أظهر نفسه على أنه المدافع عن الحقوق العربية إزاء النزعة التوسعية للدولة الإيرانية. ومن أجل مواجهة هذه المشكلات، أقدم النظام الجديد على اتخاذ عدد من القرارات. أولاً، تعهد البكر للعراقيين بحل الحرس الوطني المفزع الذي لا تزال ممارساته عقب انقلاب فبراير 1963 ماثلة في أذهان الأهالي.

ثانياً، وعد النظام بإطلاق سراح كل السجناء السياسيين ودعا الموظفين المفصولين لأسباب سياسية إلى مراجعة القصر الرئاسي لتقديم طلباتهم للعودة إلى مناصبهم السابقة. ثالثاً، هيأ النظام إصلاحاً شاملاً للإدارة المدنية من أجل تحسين دعم وتأييد الطبقة الوسطى الحضرية. رابعاً، من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية، تجنب النظام التطرف في إعادة هيكلة الاقتصاد. وأخيراً، وفيما يشكل اعترافاً ضمنياً بضعفه، ضغط النظام من أجل تشكيل جبهة شعبية لكي تضم الجماعات القومية العروبية كما تضم الشيوعيين على الرغم من كراهية البكر الشديدة لهم.

وتوقع الكثير من المراقبين عمراً محدوداً للنظام المفعم بصراع داخلي والذي لا يحظى إلا بدعم شعبي ضئيل. ومن جانب آخر، ميز البعث التكريتي نفسه وبسرعة عن الأنظمة السابقة. إذ خلال خريف 1968، أعلن النظام عن «اكتشاف» الكثير من المؤامرات المؤلفة من «خلايا تجسسية» زعم أنها تعمل لصالح إسرائيل والمخابرات الأميركية واشتملت إحدى تلك الخلايا على رئيس الوزراء السابق عبدالرحمن البزاز.

واستناداً إلى المراقبين البريطانيين، كانت المحاكمات معدة لترهيب الشعب ولإيضاح السياسات التي تعتبر مقبولة من وجهة نظر النظام. حيث كانت محاكمة البزاز، على سبيل المثال، مؤشراً على أن النظام لن يسمح بعودة لإصلاحاته السياسية والاقتصادية الليبرالية.

وبينما كان أحمد حسن البكر يهيمن على فصائل النظام المتنافسة، تبدى حضوراً لناشط سياسي جديد على نحو محسوس. فمن قرية العوجة التي تقع جنوب شرق تكريت، أقبل صدام الذي كان معروفاً بحركيته وعلى نحو أخص بمشاركته مع العصبة البعثية التي حاولت اغتيال عبدالكريم قاسم في بغداد في أكتوبر عام 1959.

وعلى إثر تعرضه للإصابة واضطراره إلى الفرار عبر الصحراء إلى الأردن عقب محاولة الاغتيال الفاشلة، والتعرض من ثم إلى السجن للفترة من 1963 إلى 1965، تعلم صدام كيف يعمل في الخفاء. ومن خلال صلته بالبكر عن طريق الزواج، أصبح صدام نائباً صغير السن للأمين العام للحزب إبان الانقلاب، الأمر الذي لفت انتباه الدبلوماسيين البريطانيين إلى سلطته المتزايدة ضمن الحزب وجهاز الدولة حيث وضع صدام حلفاءه في المواقع الاستراتيجية للجهازين الأمني والحزبي من دون أن يكون له حضور على واجهة الأحداث.

ولم ترتفع حظوظ النظام كنتيجة لمهارات صدام فريدة الطراز في التآمر والتصفيات فحسب، ولكنها ارتفعت أيضاً بسبب تزايد الواردات النفطية للدولة من مليار دولار في 1972 إلى ثلاثة وثلاثين مليار دولار أميركي في 1980. ومع أن مجمل هذه الواردات كان مخصصاً للتجهيز العسكري والمرافق الأمنية المتوسعة وتطوير البني التحتية والرفاه الاجتماعي، إلا أن حصة من الأموال كانت تكرس لتنمية صناعة «الإنتاج الثقافي».

الصفحات: 397 صفحة

الكتاب: ذكريات دولة

تأليف: إريك دافيس

الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005