أجمع برلمانيون ومحللون وباحثون سياسيون سعوديون على أن المحادثات السياسية التي أجراها الرئيس التركي عبدالله غول الليلة قبل الماضية مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز تؤسس لدور إقليمي جديد تلعبه تركيا بسبب تآكل الدور العربي في أبرز الملفات الساخنة في المنطقة وهما ملفا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعراق.
وأكد المحللون الذين استطلعت آراؤهم «البيان» على أن أنقرة ترى في المبادرة العربية للسلام التي طرحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة بيروت العربية في العام 202 أحد الأعمدة المهمة في حل مشكلات المنطقة، والوصول إلى حالة الاستقرار وتثبيت دعائم سلام عادل قائم على أسس من التعايش الإيجابي واستعادة الحق الفلسطيني. وأشاروا إلى أن تركيا التي تتكئ على تاريخ سياسي عثماني عريق سيكون بمقدورها في الوقت الحالي قيادة ولعب دور إقليمي متزن في مواجهة دور إيراني مختل يعتمد على سياسة المحاور التي يمكن أن تسبب مزيدا من التمزيق في الصف العربي.
وقال عضو مجلس الشورى السعودي د. محمد آل الزلفة أن تركيا من خلال دورها الفاعل في قضايا المنطقة العربي أرادت أن لا تعزل نفسها عن التطورات المتسارعة خاصة مع تنامي النفوذ الإيراني بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين وتدخل إيران القوي في كل صغيرة وكبيرة في الشأن العراقي الداخلي.
وأضاف آل الزلفة قائلا إن «هذا التدخل يثير حساسية مفرطة لدى الأتراك نظرا لوجود الأقليات الكردية في العراق وأيضا وجود التركمان في هذا البلد وهم ينظرون إلى تركيا نظرة المنقذ لهم»، وأشار إلى أن «تركيا التي تحتفظ بعلاقات جيدة ومتوازنة مع كل الدول العربية بلا استثناء تعمل حاليا على تعميق صلاتها مع الدول المحورية في المنطقة خاصة السعودية ومصر وكأنها تريد أن تستعيد دور الدولة العثمانية القديمة في مواجهة الدولة الصفوية».
وأكد أن تركيا اقرب إلى دول الاعتدال في المنطقة ويمكنها بما تتمتع به من ثقل سياسي دولي أن تعيد الاعتدال في المنطقة ، مشيرا إلى أن دورها في الوساطة بين سوريا وإسرائيل كان سيساعد دمشق في الخروج من تحالفها الاستراتيجي الذي دخلت فيه مع إيران على حساب عمقها وهويتها العربية مما وضع سوريا في مأزق سياسي حرج.
من جهته، أكد الباحث السياسي عبدالله الشهري أن المحادثات التي أجراها الرئيس التركي عبد الله غول مع الملك عبدالله أسست لدور محوري إقليمي لأنقرة في مستقبل وحاضر الصراع العربي الإسرائيلي وفي الملفات الساخنة في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن تركيا دولة محورية تسعى بالتعاون مع السعودية إلى إيجاد منطقة مستقرة بعكس إيران التي تريد أن تخلق الفوضى في المنطقة من خلال انتهاج دور إقليمي يقوم على سياسة المحاور التي لا تزيد العرب إلا مزيدا من التمزق.
وأعرب عن اعتقاده بأن «تركيا ستنتصر في صراع الأدوار في مواجهة إيران لعدة أسباب منها أن أنقرة أسست لهذا الدور من خلال تعميق صلاتها مع دول الاعتدال العربي وهي الدول الأكثر تأثيرا في المنطقة وهي السعودية ومصر والأردن، كما أنها ظلت ولعقود طويلة تستمد ركائز حضورها الدولي ودورها الإقليمي من علاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع القوى الدولية الفاعلة خارج فضائها الجيوستراتيجي والحضاري كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عبر عضوية الناتو، والسعي الحثيث للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ورأى المحلل السياسي نايف الشمري أن القمة السعودية التركية منحت أنقرة ضوءاً أخضر لمواصلة دورها السياسي المتزن في معالجة قضية الوضع المعقد في غزة طالما أنها حصلت على ثقة كبيرة من حركة حماس التي خاضت حربا طاحنة مع العدو الإسرائيلي.
وأضاف أن «الدور التركي في المنطقة ليس دور محاور خلافا للدور الإيراني القائم على المحاور ، تركيا ليست طرفا في المحاور العربية لأنها تحتفظ بعلاقات جيدة مع كافة الأطراف العربية كلها وهذا أمر بالغ الأهمية ، ولكنني رغم ذلك اعتقد أن الدور التركي لا يمكن أن يتقدم ما لم يكن هناك توافق عربي عربي».
وقال الشمري: «كانت عودة تركيا إلى عمقها الإسلامي في الشرق الأوسط خطوة مهمة من جانب حزب العدالة، أكسبت أنقرة بعدا جديدا مهما على الصعيدين الإقليمي والدولي عبر انخراطها المباشر في الملفات والقضايا المهمة، وفي مقدمتها القضية المحورية، قضية الصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى الوضع في العراق ومساهمة تركيا في الملف اللبناني، وصولا إلى دورها في الوساطة بين سوريا وإسرائيل عبر المفاوضات غير المباشرة التي استضافتها تركيا على مدى 4 جولات وكانت تطمح في نقلها إلى المرحلة المباشرة لولا العدوان الإسرائيلي على غزة».
وأكد على أن أنقرة ترى في المبادرة العربية للسلام التي طرحها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت العربية أحد الأعمدة المهمة في حل مشكلات المنطقة، والوصول إلى حالة الاستقرار وتثبيت دعائم سلام عادل قائم على أسس من التعايش الإيجابي واستعادة الحق الفلسطيني.
ولكنه شدد على أنه «لا يفوت على الدبلوماسية التركية أنه ستكون هناك تأثيرات لمواقفها في التعامل مع قضية الشرق الأوسط، وخاصة مع إسرائيل وحماس، وموقف رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، والذي وصل إلى ذروته برد الفعل الحاسم من أردوغان تجاه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز وانسحابه من إحدى جلسات منتدى دافوس».
الرياض - عبدالنبي شاهين
