يواصل المؤلف في كتابه استعراض مشروع إنشاء ذاكرة تاريخية للدولة العراقية متناولا ما يصفه بمرحلة سطوع نجم ذاكرة الدولة وهى الفترة التي يحددها بسنوات 1968 ؟ 1979 فيذكر أن حزب البعث شرع في تنفيذ هذا المشروع حالما أخذ بزمام السلطة في 1968 مع أن ذلك لم يتضح رسميا إلا في عام 1979 ومما يذكره المؤلف هنا نقلا عن صدام حسين قوله حول كتابة التاريخ : ليس من الصواب النظر إلى تاريخ ما قبل الإسلام على أنه فجوة أو شيء ينبغي الخجل منه مثلما أنه ليس صحيحا ، من جانب آخر، تحليله بالاستناد إلى الصراع الطبقي لأن كلا المنظورين لا يتفقان مع حقائق التاريخ. والمطلوب هو أن يستجيب تحليلنا للوقائع التاريخية بشكل خاص إلى رؤيتنا البعثية في بناء الأمة العربية.

ويذكر إيريك دافيس أن مجال هذا المشروع ونطاقه لم يكن مسبوقا لا في العراق ولا في أي مكان آخر في العالم العربي. حيث مثل محاولة لإنشاء مجال عام جديد، تدخل في نطاقه عمليات إعادة تشكيل الهوية السياسية وعلاقة المواطن بالدولة والتصورات العامة بخصوص التراث الوطني أكثر من كونه مجرد مدخل سياسي بسيط.

على هذه الخلفية يشير المؤلف إلى أن محاولة إنشاء هذا المجال العام الجديد سعت إلى الإنكار التام لوجود التركة الاستيعابية للحركة الوطنية العراقوية في الوقت نفسه الذي كانت تجري فيه محاولة تطويعها لبناء «مجتمع وإنسان عراقيين جديدين». فما هي أصول هذا المشروع، وكم كان ناجحا، وماذا بإمكانه أن يخبرنا عن العلاقات بين الدولة والمجتمع، وعن الصراع المتواصل بشكل خاص على تعريف المجتمع السياسي في العراق تحت ظل حكم البعث التكريتي؟

يقول إيريك ديفيس إذا ما كانت ثورة يوليو 1958 قد تسببت بفورة تلقائية من النشاط السياسي والمدني، فإن ثورة 17-30 يوليو 1968 قد قلصته على نحو خطير. وفي حين كان نظام قاسم يتجنب التوجه الطائفي في توظيف كوادر الدولة، لجأ النظام البعثي التكريتي إلى استخدام المعايير الطائفية لملء المناصب المهمة واضعا مسيحيين وشيعة بالاسم لا غير في بضع من المناصب الهامة ولكن من دون سلطة فعلية.

ولكن، إذا كان نظام قاسم هو الأكثر استيعابا للآخرين، فلماذا لم يكن ناجحا إذا ما قورن على وجه الخصوص بانقلاب 17 يوليو 1968 الذي أنشأ واحدا من أكثر الأنظمة استمرارا في العالم العربي؟ ثم كيف لنظام لم يتمتع إلا بتأييد ضئيل عندما قبض على مقاليد السلطة في 1968 أن يكون قادرا على أن يصبح راسخا إلى حد كبير، بينما أنهار في 1963 نظام كان يتمتع بشعبية كبيرة جدا في 1958؟

مرحلة من عدم الاستقرار

في أعقاب مرحلة أولية من عدم الاستقرار انتهت بمحاولة انقلاب فاشلة قام بها ناظم كزار، مدير الأمن، تمكن النظام البعثي من تعزيز سلطته طوال السنوات الخمس التالية مدعوما بفائض غير مسبوق تاريخيا من الثروة النفطية. وبين عامي 1973 و 1979، اكتسب النظام مستوى من الدعم واسع النطاق بوضوح، خصوصا في أوساط العرب السنة والمسيحيين والعديد من الشيعة العلمانيين المتعلمين. ويدين هذا الأمر بدرجة كبيرة إلى الهدوء السياسي الخادع؛ من قبيل دولة الرفاهية المعطاء والتطور الكبير في البنى التحتية التي يدخل فيها شق وتعبيد الطرق وإيصال الكهرباء إلى القرى وبناء مجمعات سكنية جديدة بالإضافة إلى تأميم النفط. حيث اعتقد العديد من العراقيين أن النظام البعثي الجديد قد يجابه بالفعل النزعة الطائفية نظرا إلى تعيين عدد من الشيعة خلال السبعينات في مناصب ضمن حزب البعث والدولة.

كما أن الخطاب الزاعق بمعاداة الإمبريالية، وخصوصا قبل تأميم شركة نفط العراق في 1972، جعل العديد من الوطنيين العراقويين اليساريين يعتقدون أن حزب البعث قد يواصل السياسات الاقتصادية التقدمية بالاستناد إلى تحالف اشتراكي عريض. كما ضرب الإنتاج الثقافي الذي ترعاه الدولة خلال هذه الفترة على عدد من الأوتار الحساسة، وخصوصا دعم الدولة لإحياء الفولكلور والتراث الشيعي، ويدخل في ذلك بث برامج إذاعية وتلفزيونية موسعة كانت مكرسة لمواضيع فولكلورية.

ويمكن اقتفاء جذور انقلاب 1968 وصولا إلى عام 1958. حيث إن تقويض النمو المؤسساتي المؤقت الذي طرأ عقب الحرب العالمية الثانية والضباط الأحرار وعبد الكريم قاسم ومن أعقبوه والحزب الشيوعي العراقي والقوى القومية العروبية هي التي مهدت الطريق لنجاح انقلاب عام 1968. فلقد أضعفت كل الأنظمة التي جاءت بعد 1958 المؤسسات السياسية الهشة التي سبق وكانت موجودة من خلال دمج السلطتين التشريعية والتنفيذية بمجلس واحد سواء في مجلس سيادة الثورة أيام قاسم أم في المجلس الوطني لقيادة الثورة في ظل حكم النظام البعثي الأول أم في مجلس قيادة الثورة لنظام ما بعد 1968.

ومع أن النظامين البعثيين كانا أكثر استعدادا لاستخدام العنف، إلا أن النظام البعثي الثاني لجأ إلى استراتيجية إضافية لاستخلاص الإذعان السياسي، بمعنى سعي الدولة الموسع لإعادة كتابة وإنشاء تاريخ البلاد والتصورات المتعلقة بالتراث الوطني سواء تعلق الأمر بالأشكال الثقافية الشعبية أم الرفيعة.

كما استفاد النظام الجديد من ضعف المجتمع المدني. فعند عام 1968، كانت الأحزاب الديمقراطية كحزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي في مرحلة احتضار. أما الاتحادات العمالية التي شكلت اتحادا وطنيا مثيرا للإعجاب إبان صيف 1959 فقد أصبحت من توابع الدولة، وفقدت المنظمات الثقافية استقلالها، في حين أن المنظمات الفلاحية الأكثر تأثرا من بين جميع المنظمات الأخرى تزايد تعرضها للترويع بدعوى حماية المصالح الزراعية.

وسعى نظام قاسم ابتداء من 1959 إلى تفكيك المنظمات التي قد تهدد امتيازاته وإلى إعادة إنشائها كتوابع ذيليه للدولة. حيث سيطر الموظفون الرسميون على الاتحادات العمالية. كما سيطرت وزارة الإرشاد (وزارة الثقافة والإعلام فيما بعد) على المنظمات الثقافية والمطبوعات، في حين تقلصت على نحو مطرد المبادرات المستقلة للمواطنين بفعل المنظمات الشبابية التي تديرها الدولة والمنظمات الفلاحية الخاضعة لها.

وبعد عام 1968 أصبحت النخبة الثقافية التي صاغت تصورات جديدة عن المجتمع السياسي خلال الخمسينات وخلال السنوات الأولى من حكم نظام قاسم معبأة من قبل البعث التكريتي لتنفيذ أهدافه وتعزيز سلطة الدولة. واتضحت مهام النخب الثقافية كغطاء لإخفاء استمرار فاعلية علاقات السلطة التي تستند إلى الصلات العشائرية والطائفية والطبقية بالإضافة إلى مهامها الأخرى كشطب التركة الوطنية العراقوية من السجلات التاريخية وحصر نطاق الدين بالمجال الفردي تماما وتقديس مفهوم جديد للقومية العروبية بتمركز عراقي ويمكن الاستخلاص أن هذا النموذج هو تجمع علماني تحت غشاوة من التسلط القمعي.

ومع أن بعض المحللين لاحظوا تحولا في النظرة الأيديولوجية للبعث تجاه المجتمع السياسي والذاكرة التاريخية يتأتى بنفسه عن النزعة القومية العروبية بقدر ما يقترب من «الرافدينية» خصوصا في أواخر السبعينات، ولكن ما يميز البعث التكريتي عن الأنظمة القومية العروبية السابقة له سواء كان نظام رشيد عالي الكيلاني في 1941 أم النظام البعثي الأول أو نظام عبد السلام عارف، هو ولعه بدمج التوجه القومي العروبي بالنزعة الوطنية التي تتمحور حول العراق.

وإن المجاورة بين بعث قومي عروبي وآخر ميال إلى «الرافدينية» تعجز عن إدراك تعقيدات القوى السياسية والأيديولوجية الفاعلة عقب 1968. فمن دون أخذ حضارات العراق القديمة بالاعتبار لا يمكن للنظام الجديد أن يدعي بتفرد ملائمة العراق لاتخاذ دوره الطليعي من بين الدولة العربية في قيام الأمة العربية. فضلا عن ذلك، إن التراث الرافديني للعراق هو التراث الوحيد الذي يخص على نحو لا لبس فيه كل العراقيين ؟ من سنة وشيعة عرب وأكراد بالإضافة إلى الأقليات الأخرى على حد سواء.

مركزية «الرافدينية»

ومن ناحية أخرى، هناك سبب ثالث لاحتلال «الرافدينية» مكانة مركزية جدا بالنسبة للفكر البعثي. ففي سعيه إلى تقليل المؤازرة للحزب الشيوعي العراقي، اتجه حزب البعث إلى تطويع الثقافة الفولكلورية وقدم نفسه على أنه الممثل الحقيقي لمصالح الجماهير. ومن أجل تحقيق ذلك استخدم النظام الفولكلور ليبين القيم والمعايير والأولويات الثقافية التي كانت عراقية تماما. و

هنا، قصرت الحركة القومية العروبية في تزويد المسؤولين الثقافيين للنظام بلوحة مزج ألوان وافية من الرموز التي يرسم بها منظر «العراق الجديد». ومثلما كان عليه الحال مع نظام قاسم، سعت الدولة إلى إظهار استمرار وتواصل الحضارة العراقية من خلال تطويع الثقافة الفولكلورية. حيث صار بإمكان العراقيين أن يشعروا بالفخر لانتمائهم لتراث عمره عدة آلاف من السنين مثلما بإمكانهم أن يشعروا بذلك إزاء الجذور العربية الأحدث للعراق.

علاوة على ذلك، فإن الذاكرة التاريخية المرتبطة بالإمبراطورية العباسية حصريا، وهي أعظم تركة عربية للعراق، كانت تثير الإشكال. فمن ناحية أولى، مثلت هذه الذاكرة حقبة من الاختلاف الإثني التي عمل خلالها الفرس المستعربون كما يزعم على تقويض تماسك الإمبراطورية مما أدى إلى حصول التجاذب بصدد الشعوبية والذي استمر ليصبح جزءا من السياسة العراقية المعاصرة. ثانيا، ينم انهيار الإمبراطورية بفعل الغزو المغولي للعراق في عام 1258 عن الضعف العربي وبما أن البعث كان يروج لنزعة قومية ضيقة، فإن قدرته على تطويع الماضي قد تقيدت «بحقل رمزي» أكثر تحديدا.

كما ميز البعث التكريتي نفسه عن الأنظمة السابقة من خلال وضعية لها شأنها من الأحداث. وكانت قدرته على إبداء توقه الشديد لتحقيق الاستقرار السياسي خصوصا في أوساط الطبقات الوسطى الحضرية مركزية بالنسبة لهذا الأمر عقب أكثر من ثلاثين عاما من الاضطراب المتواصل. وعلى القدر نفسه من الأهمية عزف النظام الجديد مرة أخرى على وتر رغبة كانت أكثر وضوحا في أوساط الطبقات الوسطى الحضرية لعقد صلات أقوى بالماضي.

ومع ذلك، تضمنت محاولة إعادة كتابة التاريخ استبعاد ثقافة وتاريخ الجميع باستثناء عدد صغير من العراقيين. حيث أن الشيعة والأكراد والأقليات الأخرى والعمال وحتى العرب السنة الحضريين لم يحظوا إلا بمقدار ضئيل من الاعتبار اجتماعيا وثقافيا. ومما لا مفر منه أن هذه المحاولة التي لاقت ابتداء تجاوبا لدى الكثير من الطبقات الوسطى الحضرية المتعلمة وخصوصا خلال الارتفاع قصير الأجل في أسعار النفط، قد ثبت فشلها تماما نظرا لضروب الحرمان القاسية التي رافقت الحرب الإيرانية العراقية وحروب الخليج.

محورية انقلاب 63

ويذكر المؤلف أن انقلاب 1963 الذي أطاح بنظام قاسم يمثل مفصلا حاسما في التاريخ العراقي الحديث بالمقارنة مع ثورتي 1920 و 1958 وحركة 1941.

إذ بينما أكدت ثورتا 1920 و 1958 على الاستيعاب السياسي والثقافي، استندت حركة 1941 وانقلاب 1963 إلى توصيف قومي عروبي ضيق للمجتمع السياسي العراقي قلص على نحو خطير من الحرية في التحزب والتعبير. حيث وجه الانقلاب ضربة قاسية على نحو خاص للقوى الوطنية العراقوية من خلال قمع الحزب الشيوعي العراقي وهو أحد مكونات هذه القوى الأكثر نفوذا.

كما إن صلات قيادة هذا الحزب بالطبقة العاملة والطلاب والمثقفين قد قطعت بفعل قتل واعتقال الكثير من قياداته. واضطر الحزب إلى الاتكال على حلفائه الأكراد وخصوصا الحزب الكردستاني الديمقراطي واتخاذ كردستان قاعدة أساسية يعمل من خلالها على معارضة النظام البعثي. وبما أن الحزب الشيوعي العراقي فقد قسما كبيرا من قياداته العربية في 1963 وحول قاعدة عملياته إلى كردستان، فإن انقلاب 1963 ركز على تشديد النزعة الطائفية لأن الشيوعيين أصبحوا إلى حد بعيد ممن يحسبون على الأكراد في بعض الأحياء العربية.

وعلى الرغم من أن الإطاحة بالنظام البعثي الأول من قبل عبد السلام عارف في نوفمبر 1963، قد أنشأت بيئة سياسية أقل تضييقا نوعا ما، إلا أن نظام التعدد الحزبي لأواخر الأربعينات والخمسينات لم يعاود الظهور في العراق على الإطلاق. وعقب 1963 لم يعد بإمكان المثقفين الذين دعموا الإجراءات الديمقراطية أن يعملوا كجماعة، كما باتت الصحافة المطبوعة خاضعة للدولة على نحو متزايد.

الصفحات: 397

الكتاب: ذكريات دولة

تأليف: إيريك دافيس

الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005