إذا صحت التسريبات الإعلامية فإن أول زيارة للرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما إلى منطقة الشرق الأوسط ستكون إلى المغرب، وهو ما يعني أن انخراط الرئيس الجديد في قضايا الشرق الأوسط قد بدأ مبكرا، وهو ما أكده نفسه حينما اختار في اليوم الخامس لتوليه السلطة رئيسا قناة «العربية» الإخبارية ليجري أول مقابلة تلفزيونية وليتوجه عبرها برسالة الإدارة الجديدة إلى العالمين العربي والإسلامي.

واختيار المغرب وفق المتابعين، له مبرراته المقنعة، فهو بالنسبة لواشنطن صاحب دور معتدل في مشاكل المنطقة ويقوم بدور مقبول منذ عاهله الراحل الحسن الثاني، وخلافا للإدارة الجمهورية التي لم تول بلدان المغرب العربي اهتماما في زيارات جورج بوش الخارجية طيلة سنوات ولايته الثمانية فإن الإدارة الجديدة تضع ضمن أولوياتها المنطقة وفق مفاصل تختلف عن سابقتها والتي كانت تتعامل مع ملف مغاربي واحد وهو الإرهاب.وفي صورة حصول هذه الزيارة وتوجه الرئيس أوباما بخطاب إلى العالم العربي يضمنه رؤيته لحل قضايا المنطقة، فإن الإدارة الديمقراطية الجديدة تعلن من المغرب العربي بدء طور جديد في تاريخ العلاقات الأميركية المغاربية التي شهدت في السنوات الماضية وكغيرها من الشعوب العربية والإسلامية تتابع شعوب المغرب العربي باهتمام بالغ إشارات الرئيس 44 للولايات المتحدة الأميركية وتترصد وسائل الإعلام أخباره حتى لا تكاد تخلو مطبوعة يومية أو أسبوعية من صور أوباما في الوقت الذي طفت فيه على السطح تساؤلات كثيرة حول مستقبل العلاقات الأميركية المغاربية في المرحلة المقبلة، خاصة وأن الملفات التي تتداخل فيها الولايات المتحدة الأميركية مع كل من تونس وليبيا والجزائر والمغرب كثيرة ومتشابكة ، ومن بينها ملف الحرب على الإرهاب الذي فتحته الإدارة الجمهورية السابقة مع هذه الدول وما يزال مفتوحا ثم ملف النفط وملف الخلافات المغربية الجزائرية وملف الصحراء الغربية وأخيرا وليس آخراً الملف الموريتاني بتعقيداته.

آفاق العلاقة من ليبيا

وإذا كانت إدارة جورج بوش الابن قد حسمت ملف العلاقة مع ليبيا لتنهي حقبة طويلة من الصراع بعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد نصف قرن من القطيعة فإن الإدارة الجديدة ستجد الباب مواربا في علاقاتها مع الجماهيرية الليبية للعمل على مستويين: اقتصادي، حيث ينتظر الليبيون أن تفتح الإدارة الجديدة الباب على مصراعيه أمام الشركات الأميركية للاستفادة من المرحلة الجديدة في هذا البلد النفطي.. وسياسي، إذ تراهن أوساط أخرى على دور للولايات المتحدة لدفع عجلة الإصلاح التي يقودها سيف الإسلام معمر القذافي نجل القائد الليبي.

ويرجح هذا التصور الدور الذي لعبه سيف الإسلام في السنوات الأخيرة في فض الاشتباكات العالقة بين الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما وبلاده، ومن ذلك وساطته في قضية المخطوفين في الفلبين على يد جماع أبوسياف ودوره بالغ الأهمية في حلحلة ملف التعويضات الليبية في قضية عبدالباسط المقراحي وصاحبه الأمين فحيمة المتهمين بتفجير طائرة «بان آم» الأميركية فوق اسكتلندا والتي يعلق الليبيون آمالا عريضة على إنهائها في ظل الإدارة الجديدة، كما تقدر الولايات المتحدة لسيف الإسلام دوره في حل أزمة الممرضات البلغاريات وهي من الملفات التي كانت تشكل شوكة في حلق العلاقات الليبية الأميركية.

علاقة سيئة مع الجزائر

في الجزائر يبدو الأمر مختلفا، بسبب تقاطع الملفات مع الإدارة الأميركية. فهيلاري رئيسة الدبلوماسية الأميركية الجديدة تحتفظ بموقف سيئ مع الحكومة الجزائرية حينما رفضت السلطات الجزائرية زيارتها للقاء عائلات المخطوفين الجزائريين ضحايا الحرب الأهلية حينما كانت سيدة أميركا الأولى، وكذلك ملف الانتخابات الرئاسية التي ينتظر أن تمنح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ولاية ثالثة، وموقف الديمقراطيين المطالب بقوة بوجوب دعوة مراقبين لمراقبة الانتخابات الرئاسية من منظمة الأمن والتعاون في بأوروبا.

وهناك طبعاً، ملف الإرهاب الشائك في هذا البلد وموقف الجزائر الرافض لإنشاء القوة الأميركية الخاصة بإفريقيا.

وإذا كانت إدارة الرئيس جورج بوش تضع في أولياتها مسألة محاربة الإرهاب التي كانت تشكل نقطة التقاء هامة مع الجزائر فإن مقاربة أوباما للحرب على إرهاب تختلف وفق تصريحاته. وهو ما يراكم من حجم الأسئلة لدى الجزائريين في كيفية تعامل الإدارة الجديدة مع بلادهم في هذا الموضوع عشية استحقاقات انتخابية هامة للولايات المتحدة الأميركية، فوفق أوباما الذي مد بيده نحو العالم العربي والإسلامي فإن معالجة ظاهرة الإرهاب لن تبقى ضمن أطرها الأمنية والعسكرية الضيقة التي تعاملت بها الإدارة السابقة، بل ستتناول مسائل أخرى ترتبط بتحسين نوعية الحياة وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الحريات الأساسية، وتنشيط الديمقراطية في البلدان التي تعاني من هذا الخطر.. وهو ما سيصطدم حتماً بآراء بعض التيارات الجزائرية في الحكم وخارجه ما يعني أن العلاقة الأميركية مع الجزائر لن تكون كما كانت عليه في السابق زمن إدارة جورج بوش الابن، فالزيارات المتعددة للعسكريين والأمنيين الأميركيين كرئيس الأمن الفيدرالي الأميركي ومساعد رئيسة الدبلوماسية الأميركية السابقة ديفيد وولش تشير إلى أن الرئيس أوباما لا يعتبر الإسلاميين الجزائريين عدوا للولايات المتحدة وهو ما يخفف الضغط على الجماعات الإسلامية وينقله إلى الطرف الأخر كما أن الطرح الديمقراطي في تفسير الأزمة الجزائرية باعتبارها نتاجا للانقلاب العسكري الذي أجهض الديمقراطية سنة 1992 يؤكد الاتجاه نحو سياسة جديدة في التعاطي مع الملف الجزائري من قبل الإدارة الأميركية الجديدة.

أما على صعيد الملف الجزائري المغربي المعقد، لا يتوقع الجزائريون تغييرا جذريا في هذا الملف لطبيعة العلاقة الوثيقة للولايات المتحدة الأميركية مع المغرب وهو الموقف الذي تنظر إليه الجزائر بعين الريبة نظراً إلى تشابك المصالح الأميركية في المنطقة والذي تنطلق منه الرؤية الأميركية المشجعة للحكم الذاتي في الصحراء الغربية فتعيين كريستوفر روس في منصب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة تم بقرار مشترك بين الإدارة السابقة والإدارة الحالية يعني أن هذا الملف بتعقيداته سيراوح مكانه في الأجل المنظور.

تفاؤل مغربي

وفي المغرب يبدو الأمر مختلفا نسبياً.. فالرباط تبدي تفاؤلا بالإدارة الديمقراطية الجديدة، خصوصا أن وزيرة الخارجية تحتفِظ بذكريات جيِّدة عن زيارتها إلى المغرب أثناء الولاية الثانية لزوجها بيل كلينتون.

وينظر كثير من المغاربة إلى أوباما على أنه رئيس لدولة تشكِّل حليفا دائما لبلدهم ويأملون من إدارته تسريع خطوات تطبيق اتِّفاق التجارة الحرّة، الذي توصل له البلدان.

وتعول الرباط على الإدارة الجديدة في مساندة النموّ الاقتصادي المغربي الذي تواجهه تحديات جمة أهمها المخاوف من تراجع عائدات لاسياحة التي تشكل العمود الفقري لاقتصاد البلاد. كما يأمل المغرب أيضا في دور أميركي مساند لمبادرة الحكم الذاتي التي طرحها العاهل المغربي والتي تعد وجهة النظر المغربية في حل الصراع على الصحراء الغربية مقابل ذلك أبدى رئيس جبهة البوليساريو محمد عبدالعزيز في حديث صحافي تفاؤله بتسوية هذا النزاع خلال ولاية الرئيس الأميركي الجديد، وقال في هذا الإطار: «يخالِجنا شعور بأنه سيتِم الاعتراف باستقلال الصحراء الغربية وتسجيل انضمامها إلى منظمة الأمم المتحدة خلال رئاسة باراك أوباما».

وعزا عبدالعزيز هذا التفاؤل إلى أسباب عدة، أهمها أن إدارة الرئيس الجديد ستتميّز باحترامها للقانون الدولي، ومن ضمنه الحق في تقرير المصير الذي أقرّته منظمة الأمم المتحدة.

وهذا التباين في الرؤى والتفاؤل من شأنه أن يميز المرحلة المقبلة بمحاولات الضغط في التقرب من الإدارة الأميركية من قبل كل الأطراف المعنية بهذا النزاع وهو ما يعني مراجعة بعض السياسات الماضية وتقديم بعض التنازلات من قبل كافة الأطراف وقد أكدت هذه الخطوة مباشرة الأحزاب الجزائرية اتصالاتها مع السفير الأميركي في الجزائر متسائلة عن الموقف الأميركي الواضح من هذه القضية ، لكن الواضح في المغرب العربي أن الإتحاد المغاربي الذي تأسس منذ نحو عقدين وطرأ عليه الجمود منذ 15 عاما لم يتبلور موقف جماعي في التعاطي مع الإدارة الأميركية الجديدة كما بدا واضحا طغيان النظرة المحلية على حل المشكلات العالقة فكل بلد على حدة يتطلع إلى علاقة مع الطرف الأميركي قد تتقاطع مع الطرف الآخر وإن بدا في الأمر إجماع على وجوب بدء مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية المغاربية.

آمال التونسيين

وفي تونس التي تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة الأميركية فإن التونسيون يتوقعون من أوباما لعب دور أكبر في حل الصراع العربي الإسرائيلي فيما تراهن الحكومة التونسية على إعادة إحياء المشروع الأميركي في شمال إفريقيا المسمى: «مادرة ايزنستات» والذي فشل في السابق وهو عبارة عن سوق مغاربية أميركية مشتركة، كانت تسعى أميركا من خلاله إلى دعم التبادل الحر مع دول المغرب العربي، وهو المشروع الذي طرحته إدارة بيل كلينتون.

ويتوقع سياسيون تونسيون أن يتم إحياؤه من قبل هيلاري كلينتون ولو بصيغة مختلفة، وهو رهان تتطلع إليه تونس التي تسعى إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية لتعزيز اقتصادها ولامتصاص تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها على اقتصادها الوطني.

ملف موريتانيا الشائك

أما موقف باراك أوباما من الانقلاب الذي حصل في موريتانيا فلا يزال الغموض يكتنفه.، إلا أن موقف الإدارة السابقة الرافض للانقلاب والملوح بالعقوبات على القادة العسكريين من شأنه أن يدفع حكام موريتانيا إلى البحث عن حلول سريعة للمشكلة قبل حلول شهر يونيو المقرر أن تجري فيه انتخابات لم تحظ حتى الآن بقبول وموافقة أطراف عدة في المجتمع الدولي.

وفيما تتسارع خطوات الانقلابيين في اتجاه حلحلة الأزمة وفق شروطهم لم تبد الإدارة الأميركية الجديدة أي موقف تجاه ما يجري في بلاد شنقيط، وهو ما تراهن على اتخاذه النخب الموريتانية في القريب العاجل.

أوباما والأماني المؤجلة

ارتفع مؤشر التفاؤل في المغرب العربي بالخطاب الجديد الذي بدأ به الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما عهده رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وإن كانت الشعوب المغاربية ترسم ملامح علاقاتها بأي رئيس أمريكي بمواقفه تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط وتحديدا فلسطين والعراق فإن إرث جورج بوش الابن العاطفي في المنطقة دفع بالكثيرين ومنهم من يناصب الولايات المتحدة العداء المعلن إلى التفاؤل بما يحمل هذا القادم الجديد في جرابه، وهو الذي تعهد بفتح صفحة جديدة في التعامل مع العالم العربي والإسلامي إلا أن تباين الأماني والانتظارات التي تحملها الحكومات المغاربية من الإداراة الأميركية الجديدة، قد تبدد تفاؤل الشعوب وتعود بها إلى المربع الأول من مواقفها تجاه أمريكا، فالدول المغاربية الخمس التي شكلت فيما بينها كيانا هشا ولد مشوها لم تقو طيلة العقود الماضية على بلورة رؤية مشتركة لمعالجة القضايا العالقة بين الإتحاد المغاربي وغيره من الأطراف الأخرى وهي أيضا لن تتوصل إلى أية صياغة ترسم علاقة موحدة مع إدارة أوباما لاختلاف المصالح وتباين أهداف كل دولة فيها مما يعني أن الإدارة الجديدة لن تنتهج السياسية نفسها مع الدول الخمس فالملف الليبي يختلف في معالجته عن الملف التونسي أما المعضلة الكبرى فهي في التعامل مع قضية الصحراء الغربية التي تعد بمثابة الشوكة في الخاصرة المغاربية لارتباطها بطرفين إتسمت علاقتهما بالعناد والتمسك بمواقفهما وهما الجزائر والمغرب، فيما تقف موريتانيا حائرة أمام ما سيعلنه الرئيس الجديد من مواقف قد تحدد خط سير العلاقة المستقبلية مع هذا البلد.

ومن هنا فإن تباين المصالح المغاربية حول عدد من القضايا المصيرية من شأنه أن يوجه الرأي العام المغاربي إلى ترصد الخطوات الأميركية عند منعطفات الملف الفلسطيني والقضايا الخارجية، في الوقت الذي بات فيه واضحا أن أوباما في المئة يوم الأولى من حكمه لن يعتبر المغرب العربي من أولوياته وأن تحريك ملفات الديمقراطية من أجل إرساء منظومة للحكم الرشيد في هذه المنطقة سيكون الهدف الرئيس للإدارة الجديدة باعتبارها المدخل الفعلي لمختلف أشكال التعاون الأخرى والحل الذي يراه فريق أوباما لمختلف القضايا المغاربية بما فيها معضلة الإرهاب، فالمؤشرات جميعها تدلل على وجود سياسة جديدة تتخذ من المغرب العربي نموذجا في صورة نجاحه سيكون مدخلا إلى الساحل الإفريقي بعمومه وهي المناطق التي تجد فيها الولايات المتحدة فضاء جديدا واعدا بالثروات الطبيعية وفي مقدمتها الاكتشافات النفطية الهائلة التي تشكل لواشنطن منابع جديدة للطاقة لا يفصلها عن أسواقها سوى المحيط الأطلسي، وأنظمة والغة في البيروقراطية، وحروب منسية، وصراعات عرقية لن يتم حلها سوى بانتهاج الديمقراطية سبيلا وحيدا، وهي مطامح هذه الشعوب التي ستغير من نظرتها السوداوية للولايات المتحدة الأميركية.

محمد الهادي الحناشي

mohannachi@gmail.com