أجرى العراق انتخابات مجالس المحافظات في هدوء امني دون تسجيل عمليات تفجيرية في دلالة على ان سنوات العنف الطائفي والعمليات المسلحة ربما بدأت تتلاشى بالفعل وتصبح جزءا من الماضي وان الامن بات مستتبا بصورة اكبر. غير ان الحقيقة المتمثلة في الاضطرار الى اجراء الانتخابات خلف اسلاك شائكة وعدم مشاركة اربع محافظات يشير الى ان العراق ما زال امامه طريق طويل للوقوف في مصاف الديمقراطيات المستقرة. لكن هناك تفاؤلا كبيرا على ان هذه الانتخابات قد تساعد في تخفيف ازمة كركوك.

اجماع على مساهمة الجهات الأمنية في انجاح الانتخابات واجمع السياسيون على ان الجهات الأمنية ساهمت بشكل كبير في سلاسة وانسيابية الانتخابات، اضافة الى ان تنظيمها كان جيدا، ولفت بعضهم إلى إن المواطنين تمتعوا بحرية الاختيار دون ضغوط من أي جهة كانت برغم بعض السلبيات . وكانت الانتخابات بمثابة اختبار للامن الوطني العراقي الذي انتشر بكثافة في جميع المدن العراقية مع وجود غير كثيف لقوات التحالف، كما انها جرت مختلفة عن السنوات السابقة حيث كان الوجود الارهابي ملحوظا لعناصر القاعدة، كما ان المشاركة السنية كانت ملحوظة بعكس الانتخابات التي جرت في السابق.

وقد شددت السلطات العراقية الإجراءات الأمنية، إذ تم إغلاق الحدود الدولية وحظر سير المركبات في بغداد والمدن الرئيسية الأخرى وفُرض حظر التجول في العديد من المناطق حتى يحين موعد التصويت. وجندت القوات الأمنية المئات من النساء، بما فيهن المدرسات وموظفات الخدمة المدنية، للمساعدة على تفتيش المقترعات، لا سيَّما بعد ازدياد عدد الانتحاريات في العراق خلال العام الماضي. وكان مسؤولون أمنيون عراقيون وأميركيون قد حذروا خلال الأيام القليلة الماضية من أن تنظيم القاعدة يمكن أن يشكِّل تهديداً وخطرا على الانتخابات.

في غضون ذلك، اوضح المحللون ان الاختبار الحقيقي على زيادة حالة الاستقرار في العراق لا يتعلق فحسب باجراء انتخابات هادئة نسبيا ولكن فيما اذا كان الخاسرون سيسلمون السلطة بهدوء ويعلنون الولاء للفائزين. وقال هانز فون شبونيك وهو منسق سابق للامم المتحدة لشؤون العراق «الخوف والترهيب واستبعاد اربع محافظات منها كركوك عوامل تذكرنا تماما بان الاوضاع في العراق لم تعد الى طبيعتها». واضاف «يجب ان نضع ذلك في اعتبارنا ونحن نحكم على نتائج الانتخابات».

من جهته قال قال جوست هيلترمان من المجموعة الدولية لمعالجة الازمات «الحل يكمن فيما اذا كانت الاحزاب تستطيع التوصل الى ميثاق يدعم انضمام مخربين سابقين او من يمكن ان يكونوا كذلك في هيكل الدولة العراقية.»

وليس من المرجح اعلان النتائج الاولية للانتخابات قبل ثلاثة الى خمسة ايام والنتائج النهائية ليس قبل شهر.

والنجاح الذي حققته الشرطة العراقية والجنود العراقيون في حفظ الامن خلال انتخابات مجالس المحافظات ربما يجعل من الاسهل على المسؤولين الاميركيين تأييد انسحاب اسرع من العراق.

واضطر مسلحو تنظيم القاعدة وجماعات اسلامية سنية اخرى حاربت القوات الاميركية بعد الغزو الى الخروج من مناطق كثيرة من البلاد بعد ان انقلب عليهم زعماء العشائر العربية السنية في محافظة الانبار بغرب البلاد. وما زال المسلحون يمثلون تحديا في محافظتي نينوى وديالى المضطربتين حيث قاطع الناخبون السنة الانتخابات الماضية في عام 2005 وجرى استبعادهم بعد ذلك بشكل كبير من السلطة.

الاقتراع شكل اختبارا لاستقرار العراق قُبيل الانتخابات العامَّة

واذا تمكن العرب السنة في نينوى بما في ذلك مدينة الموصل من استعادة مجلس المحافظة من الاقلية الكردية فربما تهدأ مشاعر الاستياء بين السنة والتي استغلها تنظيم القاعدة. ولكن اذا تبددت طموحات السنة من خلال اداء ضعيف بين الجماعات السياسية السنية المنقسمة او نتيجة ممارسات ترهيبية من مقاتلي البشمركة الاكراد فان التوترات القديمة بين الاكراد والعرب قد تطفو مجددا على السطح وربما تزج بالعراق الى صراع عرقي وطائفي جديد. ونقطة الخلاف الرئيسية بين الاكراد والعرب هي كركوك التي تأجلت فيها الانتخابات لاجل غير مسمى بسبب عدم موافقة الجانبين على اللوائح.

أما على الجانب الشيعي، فتجري أيضا مراقبة النتائج والتطورات عن كثب، وذلك وسط إشارات وتوقعات تفيد بأن العديد من الناخبين الشيعة ينوون الانفضاض عن الأحزاب والفصائل الدينية الكبيرة ويلتحقون بالأحزاب والتجمعات العلمانية والوطنية. كما ينظر المراقبون الى هذه الانتخابات على أنها تشكِّل اختبارا لاستقرار البلاد قُبيل الانتخابات العامَّة التي ستشهدها البلاد أواخر العام الحالي. فقد شدَّدت مجموعة الأزمات الدولية على اهميتها، إذ جاء في تقرير أصدرته بالمناسبة: «بينما ساعدت انتخابات عام 2005 على وضع العراق على طريق الحرب الأهلية، فإن الانتخابات الحالية ستشكِّل نقطة تحوُّل أخرى في البلاد، وإن كانت هذه المرة تجري بطريقة أكثر سلميَّة».

الى ذلك، قال مسؤول رفيع بالامم المتحدة ان انتخابات مجالس المحافظات في العراق والتي ينظر اليها على انها نقطة تحول مبدئي للديمقراطية الهشة بالبلاد ربما تشجع على ايجاد تسوية للصراع المرير بشأن مدينة كركوك الغنية بالنفط. واوضح ستافان دي مستورا الذي يرأس بعثة الامم المتحدة في العراق ان الانتخابات ربما تساعد في استمالة الاكراد والعرب والتركمان للتوصل الى اتفاق بشأن السيطرة على المدينة المختلطة عرقيا شمالي بغداد.

وقال «اذا كانت الانتخابات سلمية مثلما كانت واسفرت عن نتائج مقبولة كما نأمل فانها ستوضح مرة اخرى المحاولات التي كانت الامم المتحدة تبذلها لاقناع جميع الاطراف المعنية بكركوك بان الحل يكمن في عملية سياسية لا في العنف او في تطبيق سياسة الامر الواقع».

وربما يتطلب الامر كل جهد ممكن للتوصل الى حل لواحدة من اكثر القضايا الشائكة في عالم السياسة العراقية المليء بالمشاحنات. وتريد الاقلية الكردية ان تجعل كركوك التي توجد بها احتياطات هائلة من النفط جزءا من منطقتها التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال العراق وهي فكرة يرفضها التركمان والعرب بالمدينة ويعتبرونها بغيضة.

وأدت الامم المتحدة دورا بارزا في السعي للتخفيف من حدة الوضع المعقد في كركوك وطبقا لقانون الانتخابات الذي اقره البرلمان العام الماضي فانها ستقود لجنة تتألف من فصائل مختلفة بهدف رسم مسار ودي.

ومن المقرر ان ترفع اللجنة التي لم يتم تشكيلها حتى الان توصيات الى البرلمان بحلول نهاية مارس . وقد ينقضي هذا الموعد بسهولة دون التوصل الى حل شأنه في ذلك شأن الكثير من المواعيد الاخرى المتعلقة بالجهود الرامية لانهاء مشكلة كركوك.

وسلطت انتخابات السبت الضوء على ساحة سياسية نابضة بالحيوية انعشها التراجع الحاد في اعمال العنف والثقة المتزايدة للحكومة قبل انسحاب القوات الامريكية بحلول نهاية عام 2011. ومن المتوقع ان تمنح الانتخابات المزيد من السلطة للعرب السنة الذين جرى تهميشهم بعد الانتخابات الماضية التي جرت عام 2005 وسلطت الضوء على انقسامات بين الشيعة ربما تعزز سلطة المالكي. ومن المبكر جدا معرفة نتائج الانتخابات او ما اذا كانت اتسمت بمزاعم خطيرة عن ارتكاب مخالفات او ما اذا كان اولئك الذين تم تجريدهم من السلطة سيلجأون الى العنف .

والنجاح الذي حققته الشرطة العراقية والجنود العراقيون في حفظ الامن خلال انتخابات مجالس المحافظات ربما يجعل من الاسهل على المسؤولين الامريكيين تأييد انسحاب اسرع من العراق، ويرغب الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما ان يتم الانسحاب على نحو اسرع. ووعد خلال حملته الانتخابية بالانسحاب من العراق خلال 16 شهرا من توليه السلطة في يناير. وأدرج الجيش الاميركي خيار الستة عشر شهرا ضمن خططه العسكرية. لكن الرئيس الاميركي بحث اخيرا مع قياديي جيشه امكانية التعجيل بالنسحاب متحدثا عن خيارات صعبة سيلجأ اليها في العراق دون ان يحددها، لكن البعض يتوقع ان يبادر بالانسحاب بعد اتضاح الرؤى حول الخارطة السياسية التي ستنبثق عنها انتخابات المحافظات في العراق.

(بغداد-«البيان» والوكالات)