بعد أن استعرض المؤلف في الجزء السابق من الكتاب لصراع الرؤى المختلفة بشأن مستقبل العراق يتطرق إلى تأثير هذه الرؤى في المراحل المستقبلية من تطور البلاد، فيذكر أنه بالتدريج اتخذت الرؤيتان المتنازعتان على الهوية الجمعية والمجتمع السياسي شكلا مؤسساتيا في صيغة تنظيمات وأحزاب سياسية.
حيث ارتبطت الرؤية الوطنية العراقية بحرس الاستقلال إبان ثورة العشرين. وفيما بعد، كون مناصروها الحزب الوطني وما تبعه من تنظيمات مثل جماعة الأهالي والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي واسع الانتشار. بينما تعزز التوصيف القومي العروبي للمجتمع السياسي إبان العشرينات والثلاثينات عن طريق حزب العهد الوطني وحزب الإخاء الوطني.
وقد تلقت الحركة القومية العربية دعما هائلا ابتداء من نكبة 1948 في فلسطين لأنها كانت قادرة جزئيا على تلطيخ سمعة مناصري الرؤية العراقية باعتبار أنهم معادين للعروبة ولا يتسمون بالوطنية طالما أن هنالك العديد من اليهود في صفوفهم والذين أصبحوا حينذاك عرضة للاتهام بمؤازرة الصهيونية. كما تعززت الحركة القومية العربية على نحو أكثر خلال الخمسينات بفعل دحر الرئيس جمال عبد الناصر للعدوان الثلاثي على مصر عقب تأميمه لقناة السويس في 1956 وقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا في 1958.
يشير المؤلف إلى أن الصراع بين هاتين الرؤيتين للهوية الجمعية وللمجتمع السياسي برز إلى الواجهة إبان ثورة يوليو 1958 وأثرها العنيف، فالنظام الثوري لعبد الكريم قاسم، وهو أول نظام عراقي سعى بشكل منظم لصياغة ذاكرة دولته، اتبع نموذجا عراقيا خالصا إلى الحد الذي تسبب بتعكير مزاج العديد من الضباط الأحرار والدول العربية المجاورة التي سبق لها ودعمت الثورة.
وعلى الرغم من أن عدم قدرة قاسم على صياغة تحالف فعال مع مؤيديه الطبيعيين في الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي قد كان السبب الرئيسي في فشل نظامه، إلا أن قاسم قد لحقه الضرر أيضاً نتيجة عجزه عن تبين مغزى الحركة القومية العربية الرمزي بالنسبة لكثير من العراقيين من الطبقة الوسطى الفاعلة سياسيا.
فبالنسبة للكثير من القوميين العروبيين في المناطق الحضرية كان الانجذاب إلى الحركة القومية العربية هو بسبب تلويحها بتحقيق الوحدة الثقافية والاجتماعية التي تتماشى وبقوة مع سعي الجماهير للتحرر من عقود من عدم الاستقرار اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، أكثر مما كان انجذابا لإمكانية وشيكة لبناء الدولة القومية العروبية. أما الوطنيون «العراقويون» من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي فتجاهلوا إلى حد كبير الذاكرة التاريخية أو أنهم روجوا لذاكرة تاريخية ركزت على التجارب الغربية والسوفييتية التي لم يستطع الكثير من العراقيين التماهي معها.
وبالطبع ليس كل العراقيين الذين آزروا هوية جمعية ذات طابع «عراقوي» وطني قاموا بتجاهل الذاكرة التاريخية الأصيلة. فمجموعة المثقفين المرتبطين بدائرة التراث الحكومية ومجلتها المعتبرة، سومر التي تأسست في عام 1945، سلطت الأضواء على حضارات العراق القديمة لا على تراثه العربي الإسلامي فقط. وبالمثل، اعتمد قاسم على رموز بلاد ما بين النهرين قديما والتي أصبحت جزءا تكوينيا في شعارات الثورة كالشمس البابلية في العلم الجديد للجمهورية العراقية. ثم إن التركيز المكثف للنظام الثوري على الفلكلور والذي نهج على منواله فيما بعد صدام وحزب البعث، كان يستند إلى ذاكرة تاريخية تؤكد على تواصل واستمرار التراث الفلكلوري الذي دام قرونا ويشعر كل العراقيين وخصوصا من الطبقة الوسطى والفلاحين والعمال انه قد يمثلهم.
عجز نظام قاسم
وتلقي الإطاحة بعبد الكريم قاسم الأضواء على متغير آخر حاسم بالنسبة لتأثير الذاكرة التاريخية. فعجز النظام الثوري عن بناء المؤسسات السياسية قد أضعف استغلاله للذاكرة التاريخية كسلاح ضد أعدائه. ورغم إنشاء قاسم لوزارة الإرشاد من أجل تعزيز الهوية الجمعية العراقية، غير أن فشله في تشكيل تحالف عريض من القوى السياسية «العراقوية» المؤلفة على وجه الخصوص من الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي والمجموعات الكردية، قد أضعف من قدرة النظام على مجابهة الرسالة القومية العربية التي اجتذبت دعما متعاظما مع اتساع نطاق الكفاح السياسي والاجتماعي ومع زيادة عزلة عبد الكريم قاسم.
ومع أن للثورة العراقية 1958-1963 تناقضاتها الداخلية الكثيرة، إلا أنها شجعت على النمو المستمر للمجتمع المدني الذي نشأ خلال فترة ما بين الحربين واتسع وانطلق جديا بعد عام 1945. واعتمد هذا المجتمع المدني الناشئ إلى حد ما على الأحزاب السياسية الجديدة التي استندت إلى قواعد اجتماعية هامة لا إلى زمر مثلما كان عليه الحال مع الأحزاب التي كانت تدعم الحكم الملكي.
حيث انتشرت في المناطق المتحضرة النقابات المهنية والنوادي الملحقة بها التي شاع فيها الخطاب السياسي المدني. فنظم عقب الحرب العالمية الثانية عدد كبير من الاتحادات العمالية في العراق بمساعدة الحزب الشيوعي العراقي عادة.
وازدهرت الاتحادات الثقافية المتعلقة بالآداب والفنون. وتكاثرت الصحف والمجلات والدوريات التي عندما كانت السلطات الرسمية تغلقها سرعان ما تعاود الظهور بأسماء مغايرة. وأصبحت المقهى، التي عادة ما كانت مؤسسة لها اعتبارها ومرتبطة بأحزاب سياسية أو باتجاهات ثقافية معينة، منطلقا مهما للخطاب السياسي والثقافي المبدع.
أما الميزة الخلاقة لحقبة ما بعد الحرب فكانت جلية في حركة الشعر الحر - وهي حركة اتسمت بالإبداع العميق في مجال الشعر، وبالشكل التعبيري الأكثر أصالة ؟ وفي الأشكال الجديدة من النحت والرسم وكتابة القصة القصيرة. وعندما أدى تضاؤل مؤقت في اضطهاد الدولة إلى انتخابات برلمانية نسبيا جرت في 1954، تمكن الوطنيون «العراقويون» الذين كان يدعمهم قوميون عروبيون معتدلون من تحقيق انتصارات باهرة في التمركزات المدنية الكبرى.
فشل اجتثاث الذاكرة التاريخية
ومع أن النظام البعثي الأول قمع وبوحشية هذا المجتمع المدني الناشئ في 1963، غير أنه عاود الظهور تدريجيا بين عامي 1964و1968 ولكن ليقمع مرة أخرى على أيدي النظام البعثي الثاني الذي اخضع تقريبا كل تعبير ثقافي فردي إلى سيطرة الدولة.
ورغم ذلك، لم يتمكن القمع البعثي من اجتثاث الذاكرة التاريخية لفترة ما قبل 1963. إذ كانت محفورة بشكل راسخ في أذهان أعداد كبيرة من العراقيين لدرجة أن النشاط النقابي وحتى السلوك الانتخابي البعيد عن سيطرة الدولة وكذلك الخطاب المدني والتعددية الثقافية أمكن لها أن تصبح من الخصائص المميزة للمجتمع السياسي.
وبغض النظر عن هذه العوامل، لماذا ينبغي للاستخدام المطلق للعنف الذي اتسمت به معظم الأنظمة العراقية أن لا يكون محور التركيز في فهم النشأة الحديثة لدولة ؟ الأمة؟ يقول المؤلف مما لاشك فيه، إن العنف الخاضع لرقابة الدولة ضروري لكونه الجزء المتمم لأي سرد لبناء الأمة في العراق الحديث.
ثم أن مساعي البعث لتطويع الذاكرة التاريخية تؤخذ هنا على أنها شكل من أشكال «العنف الثقافي» كما أنها بالنتيجة تؤخذ على أنها امتداد للقمع الجسدي للدولة. مع ذلك، يتطلب النموذج الذي يؤكد على الذاكرة التاريخية والهوية الجمعية أن يكون له استقلاله التحليلي ولا يمكن أن يندرج تحت خطاب العنف والاضطهاد. فمن بديهيات النظرية السياسية أنه ما من نظام بإمكانه الحكم مطولا من دون موافقة المحكوم.
وفي الواقع، كل الدول التسلطية من ألمانيا الهتلرية إلى روسيا الستالينية أردفت اللجوء للعنف بتأكيد شديد على الإقناع الأيديولوجي. ومع أن وحشية النظام البعثي التكريتي لا مثيل لها في العالم العربي، غير أن إدراكه لضرورة بناء الهوية الجمعية العراقية من خلال التأثير على كيفية تصور العراقيين للماضي و للتراث الثقافي الوطنيين يبين مثل باقي الأنظمة التسلطية انه لا يرى بأن الإكراه الجسدي لوحده وسيلة ناجعة للحكم. ومع أن القول المأثور للزعيم الصيني ماو هو أن السلطة لا تأتي إلا من فم البندقية، غير أن الحكم السياسي لفترة طويلة يتطلب ما هو أكثر من القوة لكي يكون فاعلا.
لقد جرى توثيق انتهاكات النظام البعثي المريعة لحقوق الإنسان على نحو بليغ في العديد من المؤلفات، وأبرزها تلك التي كتبها كنعان مكية. ورغم أهمية هذه المساهمات، إلا أن إحدى المعايب التي تؤخذ عليها هي الافتقار إلى الدينامية والتغير في نماذجها التي تقتصر فيها السياسة على الترهيب والتصفية لخصوم البعث الفعليين ومن يستشعر أنهم خصومه بالإضافة إلى صراعات النظام الداخلية. وحتى في ظل أعتى الأنظمة هنالك على الدوام ممانعة دائبة لامتيازات النظام من قبل المجموعات المهيمن عليها.
إن الانتقال من الاهتمام بالقوة والإكراه إلى الصراع على التاريخ والثقافة يكشف عن ميدان تنازعي تفضح فيه الرموز والاستعارات والإحالات والكنايات الجدل المحوري والغني الذي يشتمل على المسائل الكثيرة المتعلقة بالمساواة الاجتماعية والتعددية الثقافية والمشاركة السياسية. لذا فإن وصف العراق على أنه «جمهورية الخوف» لا يمكن أن يحيط بتعقيد هذا الحقل من الخطاب السياسي و«نصوصه الخفية» التي لا تعد ولا تحصى.
الهرب إلى الماضي
لقد أجبر الاتجاه البعثي المتسلط الخطاب السياسي العراقي على اتخاذ بعد تاريخي. وبسبب خطورة تناول القضايا الحساسة، كان الكتاب والفنانون يلجأون إلى الماضي لتمرير رسالتهم. فإذا حدث وكانوا عرضة للاتهام بانتهاك المعايير السياسية القائمة كان بإمكانهم الرد بأن نصوصهم وأعمالهم الفنية إنما هي متعلقة بالماضي وليس بالحاضر.
لذلك، لم يكن العراقيون وخصوصا الطبقات الوسطى المتعلمة، مهتمين أساسا بالمواضيع التاريخية فحسب، لكن اهتمامهم بالماضي كان أيضاً جزء من «خطاب النصوص المخفية»، أي انه نهج مناهض يستغل الماضي كوسيلة للانخراط في خطاب سياسي «مأمون» الجانب في ظل حكم تسلطي.
وفي مجال تناوله لبناء الذاكرة التاريخية العراقية من قبل نظام البعث يقول المؤلف: وفي الحقيقة، انشأ العراق المتاحف وابتدع النصب التاريخية التي صممت لكي توطد علاقة راسخة الجذور بالماضي.. ومثال ذلك، إن عملية إعادة بناء مدينة بابل الأثرية - التي لا تتوفر حولها مصورات دقيقة باستثناء مخططات أثرية قليلة لا غير- عكست سعيا واعيا لربط البعث ببلاد ما بين النهرين قديما مثلما يتضح ذلك من حفر اسم صدام على كل آجرة من آجر بناء المدينة الأثرية.
كما جرى تخصيص الكثير من العطل الرسمية والمهرجانات السنوية لإحياء ذكرى وقائع تاريخية. كما حض صدام الوعي الذاتي على إعادة كتابة التاريخ للتغلب على إرث التفكير الاستعماري وما قبل الثوري المتعلق بالتراث الوطني والتاريخ العراقي.
يقول المؤلف: إن العراق وبخلاف أغلب الدول الأوروبية لم يصبح دولة ـ أمة إلا في عام 1921 ولم يستقل عن السيطرة الأجنبية إلا في 1932 (بينما يحاجج آخرون بأن ذلك لم يحصل قبل 1958). لذا ينبغي أن يخفف إدراك هذه الحقيقة من الحيرة بخصوص السبب الذي يكمن وراء عدم قدرة العراق على إنشاء مجتمع سياسي ديمقراطي مستقر.
وبخلاف الآراء الغربية، يتعلق العراقيون بقوة بدولة ـ الأمة العراقية. فالمسألة لا تتعلق فبما إذا كان ينبغي أن تكون هنالك دولة أمة، قدر ما تتعلق ـ على نحو ما ـ بنوع المجتمع السياسي الذي ينبغي أن تستند إليه. حيث ما أن أسست بريطانيا العظمى الدولة العراقية (التي فرضت عليها المؤسسات السياسية البريطانية فرضا) حتى أصبح العراقيون مكرهين على مواجهة عدد من القضايا الرئيسية.
تساؤلات مطروحة
وبناء على ذلك يشير المؤلف أنه على أساس هذه الخلفية تثار الأسئلة حول ماهية الشكل الذي قد يتخذه المجتمع السياسي للعراق؟ وما الذي سيؤلف الأساطير التأسيسية للدولة الجديدة، ومن ثم أي تاريخ أو تواريخ يتطلع إليها العراقيون؟
وكيف سترتبط المجموعات الاثنية المكونة للدولة ببعضها؟ وهل أن نماذج الهيمنة والمحاباة التي اتسمت بها سابقا المقاطعات العثمانية التي تتألف منها الآن دولة الأمة العراقية الجديدة لا تزال موجودة أم أنها تراجعت لصالح المجموعات التي عادة ما تكون مهمشة؟ وكيف للعشائر الكردية والعربية التي نظمت نفسها وفقا للهويات المناطقية أن تؤدي وظيفتها ضمن مؤسسة يدفعها مبرر وجودها إلى معارضة النزعة المناطقية المحلية؟
الصفحات: 397
الكتاب: ذكريات دولة
تأليف: إريك دافيس
الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005


