يواصل المؤلف في هذه الحلقة من كتابه «ذكريات دولة» الحديث حول الأثر السياسي والاجتماع ـ ثقافي للثروة النفطية في الدولة العراقية الحديثة استعراض مراحل وعمليات التأسيس لهذه الذاكرة مستعرضا تأثير هذه العملية على التركيبة العراقية وطبيعة الأوضاع فيه .

ومما يشير إليه في هذا الخصوص أن الوحشية التي اتسم بها نظام حكم حزب البعث لا تعكس صفة متأصلة في الهيكل السياسي العراقي وأن الحزب انتهى به الأمر في نهاية المطاف إلى عدم تحقق وعوده ما انتهى به إلى الزوال مع التأكيد في الوقت ذاته على أن ديكتاتورية النظام العراقي خلال فترة حكم صدام حسين إنما تمثل سبب ونتيجة لمجريات العملية المضطربة لبناء الأمة العراقية مع الإشارة إلى أن هذا الحكم التسلطي قوض أو دمر على نحو خطير مؤسسات المجتمع المدني من خلال شق صفوف الجماهير.

وفي محاولة لتأصيل المفهوم المحور لكتابه يعرف المؤلف «الذاكرة التاريخية» بأنها التصورات الجمعية التي تشترك بها مجموعة بشرية معينة بصدد أحداث وقعت في الماضي الذي يدرك على أنه قد شكل هويتها ووضعها السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي المعاصرين.

يقول المؤلف ان الذاكرة التاريخية تمثل التي جرى الإيعاز بتدوينها لدوافع سياسية في الدولة العراقية على يد النظام البعثي مثلت حقلا للصراع تدير فيه التحالفات السياسية «حروبا مواقفية» خاصة بها بينما هي تسعى إلى تحقيق الهيمنة بدلا من أن تكون مجرد ثمرة لعمليات السبب والنتيجة الخطية. ومع أن الذاكرة التاريخية لا يمكن اختزالها، بمعنى إيجابي ما، إلى مجموعة من المتغيرات «المستقلة» و«غير المستقلة»، إلا أن بالإمكان أن تكون لها خصائص سببية.

فعلى سبيل المثال، دعمت الذاكرة التاريخية ? حسب المؤلف - تراتبيات السلطة القائمة عن طريق توفير التبريرات للسيطرة المستمرة على الدولة العراقية من قبل الجماعة ذات الطبيعة العشائرية للمكون العربي السني من خلال الشطب على تاريخ وثقافة المكونات الأخرى التي لا تعد من الصفوة المختارة. وبالمثل، كانت الذاكرة التاريخية تجند من قبل القوى المناهضة للهيمنة والتي تتمثل المشاركة بالسلطة على أنها إشراك لكل مكونات المجتمع.

تقويض التفاهم المجتمعي

ويذكر المؤلف أن الذاكرة التاريخية في مثل هذا النموذج تقوض التفاهم والتواصل ما بين الإثنيات من خلال تعزيز الشك فيما بينها. حيث كانت الدولة البعثية هي المستفيد من حالة انعدام الثقة هذه. في حين أن الذاكرة التاريخية تشجع على التضامن بين الاثنيات بحسب نماذج أخرى. ومن الجلي أن الذاكرة التاريخية ينبغي أن يؤخذ طابعها الجدلي في الاعتبار عند البحث. فلكل ذاكرة ترعاها الدولة ذاكرة مضادة أو ممانعة ? تتقنع بها المجموعات الخاضعة للهيمنة من خلال خطابها الشفهي ونصوصها التاريخية المشفرة ـ تتحدى تفسير الدولة للماضي.

ويذكر المؤلف أن استخدامات الدولة للذاكرة التاريخية تعد مؤشرا على الصراع والتغير. فمن جهة أولى، أنها تسلط الأضواء على قابلية الدول على الخضوع للتأثر بدلالة تلك القوى السياسية والاجتماعية التي تجد فيها تهديدا لها. ففي المجتمعات التسلطية التي يكون فيها القرار السياسي محتجبا بالسرية، تهيئ دراسة مساعي الدولة لإعادة بناء الذاكرة التاريخية نافذة يمكن من خلالها الوقوع على التبصرات بصراعاتها السياسية الداخلية.

إذ أن التفحص الدقيق لمحاولات الدولة قمع تلك الجوانب من الماضي التي تتحدى برنامج الدولة السياسي وتفضيلها لأولئك الذين يؤازرونها، يساعد على تبين المخططات البيانية للصراع على المجتمع السياسي بالذات، مثلما يعين على معرفة المسائل الرئيسية المتعلقة بمن يعتبر مستحقا لأهلية المواطنة، وينظر إلى أن لمعاييره الثقافية إسهام في خدمة غايات المجتمع، وينبغي بالنتيجة أن يتمتع بمقام الحظوة سياسيا واجتماعيا.

كما تلعب مساعي الدولة للسيطرة على الذاكرة التاريخية دورا كبيرا في تحديد تلك المجموعات التي تعارض الدولة. إذ ليس بإمكان أكثر الدول تسلطا أن تفرض رؤيتها الأيديولوجية على الجماهير قاطبة.

تجربة العراق المضطربة

ويذكر المؤلف أن أحد أسباب التركيز على الذاكرة التاريخية والهوية الجمعية يتمثل في الحصول على فهم أفضل لما دعا أن تكون للعراق، دون غيره من البلدان العربية الأخرى، مثل هذه التجربة المضطربة في تشكيل وبناء الدولة والأمة الحديثتين. فمنذ تأسيسها عام 1921، عانت دولة الأمة من العنف وعدم الاستقرار السياسي بما في ذلك أول انقلاب عسكري في العالم العربي عام 1936.

وبالرغم من وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في ظل الحكم الملكي، وإلى حد ما في الحقبة الجمهورية الأولى في ظل نظام الزعيم عبد الكريم قاسم، إلا إن هذه الانتهاكات لا تقاس بوحشية النظام البعثي في ظل زعامة صدام حسين التكريتي.

حيث أدت السياسة الشاملة لجهاز أمن الدولة في الاعتقالات الاعتباطية والاستخدام الواسع النطاق للتعذيب والإعدامات إلى تمييز العراق بسمة «جمهورية الخوف. ولتزعمه السلطة من عام 1968 إلى 2003، لم يكن صدام هو الأطول بقاء في السلطة كرئيس عراقي فحسب، بل إنه الأطول بقاء كحاكم عربي كذلك، وإن كان يرد على ما يشير إليه المؤلف تحفظا يتمثل في أن هناك من هو أطول بقاءا من صدام في الحكم وما زال يمارس مهامه حتى الأن.

ومع أن الاضطهاد الممارس في الحياة اليومية في ظل حكم البعث التكريتي يوحي بالتصلب والجمود في السياسة العراقية، إلا أن ما سبق الحكم البعثي من حياة ثقافية غنية ومتنوعة لا يتسق وتسلط النظام وممارساته الاقصائية ويشي بالحاجة لإعادة النظر في الكثير من الافتراضات المتعلقة ببناء الأمة في العراق الحديث.

وهذا يوحي بأن الوحشية البعثية بحسب المنظور التاريخي منهجيا لا تعكس صفة متأصلة أو فطرية يتسم بها الهيكل السياسي العراقي. إذ لم يكن النظام البعثي ضرورة «طبيعية» لحكم ابتلي بالافتقار إلى هوية جمعية وبالاضطراب السياسي وبالميل نحو العنف قدر ما كان نتيجة لتمفصل معين من الحوادث التاريخية التي تعود بجذورها إلى القرن التاسع عشر.

كما أن حزب البعث، منذ أن أخذ بزمام السلطة في عام 1968 من خلال استغلاله للأزمة السياسية وللفراغ في السلطة الناجمين عن حرب يونيو العربية الإسرائيلية في 1967، قد فشل في تحقيق أي من وعوده وهو الأمر الذي أدى به في نهاية المطاف إلى الزوال.

انعدام الثقة

ومن الجلي أن بناء الأمة والحكم التسلطي وتشجيع الدولة لأشكال معينة من الذاكرة التاريخية يعتمد كل منها على الآخر. فالحكم التسلطي هو سبب مثلما هو نتيجة لمجريات العملية المضطربة لبناء أمة عراقية. وهو نتيجة من نتائج عدم قدرة المكونات العراقية الاثنية على تجاوز صيغة تاريخية بعينها من صيغ تشكيل السلطة التي تهيمن فيها مجموعات من الأقلية العربية السنية على الدولة ولا ترغب في إشراك أحد سواها في السلطة السياسية وخصوصا الأغلبية الشيعية.

ويراد من الاضطهاد السياسي قطع الطريق على المشاركة السياسية ومنع تكون المجتمع السياسي على أساس برنامج سياسي للأمة ككل. ومن ناحية تاريخية، يعود انعدام الثقة إلى حد كبير بين المجموعات العراقية الاثنية إلى ندرة المؤسسات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي يمكن أن تطور من خلالها هذه المجموعات تمازجا اجتماعيا مجديا، حيث ان الاستغلال العثماني والبريطاني للانقسامات الاثنية لم يسهم في تفاقم هذا الافتقار إلى الثقة فحسب، بل إنه قوض نمو أي حس مشترك بالانتماء إلى هوية جمعية ومجتمع سياسي موحد.

إن النزعة التسلطية ليست مجرد نتيجة لعملية بناء الأمة، بل انها أحد أسبابها أيضاً وعلة من عللها. ففي ظل نظام الحكم الملكي الهاشمي والحكمين البعثيين بخاصة لعام 1963 ولما بعد عام 1968، قوض الحكم التسلطي على نحو خطير إذا لم نقل إنه قد دمر مؤسسات المجتمع المدني من خلال شق صفوف جماهير الأمة وإجبار الأنشطة التجمعية على اتخاذ طابع السرية، أو لكي تعيد تشكيل نفسها في نهاية المطاف خارج حدود العراق.

ولقد تكشفت هذه النزعة التسلطية على نحو أكثر حدة من خلال عنف الدولة البعثية إزاء مواطنيها، وقراراتها بمهاجمة إيران في 1980 وباحتلال الكويت بعد مضي عشر سنوات من ذلك التاريخ، وبـ «العنف الثقافي» الموجه ضد المجموعات الاثنية التي سعى لاجتثاث تراثها من السجلات التاريخية. ولقد سنت كل هذه السياسات من قبل صدام حسين وحلقة داخلية ضيقة من أعضاء حزب البعث.

جذور عدم الاستقرار العراقي

يعود كل من عدم الاستقرار السياسي والحكم التسلطي في العراق بجذورهما إلى تنازع مبدأين على طبيعة المجتمع السياسي في دولة الأمة الحديثة. فلقد تطورت رؤيتان متنافستان، تاريخيا، حول المجتمع العراقي. الأولى كانت مع بروز التوصيف القومي العروبي للعراق في أعقاب الثورة العربية 14-1918، وانهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

وتعود هذه الرؤية للمجتمع السياسي بأصول العراق الحديث إلى ماضيه السامي، وبالتحديد إلى العرب في زمان ما قبل الإسلام وحقبة الإمبراطورية العباسية. وطبقا لهذه الرؤية، فإنه طالما أن الشعب العراقي بلغ العظمة إبان فترات التوحد العربي، لذا فإن مثل هذا التوحد هو من متطلبات التقدم في الحقبة المعاصرة.

أما الثانية وهي الرؤية الوطنية العراقية التي ارتبطت بمعارضة البريطانيين بعد اجتياحهم للعراق في عام 1914و خلال ثورة يونيو ـ أكتوبر عام 1920، فكانت تبحث عن أساطيرها التأسيسية في حضارات العراق القديمة وفي التراث العربي كذلك، ولكن من دون تفضيل للأخير.

يقول المؤلف: إن التأكيد على أمجاد الحضارات السومرية والبابلية والآشورية القديمة يتحدى التشدد القومي العروبي الذي يفترض أن العراق ليس أكثر من مجرد قطر من أقطار الأمة العربية الكبرى، وذلك من خلال اختزال العروبة إلى مجرد مؤثر واحد من بين المؤثرات العديدة في التطور الثقافي والتاريخي للعراق. ولعل كلا من السنة والشيعة العرب وكذلك الأقليات الأخرى يشاطرون بعضهم البعض في هذه الصيغة المعينة من الذاكرة التاريخية.

صراع الرؤى

وخلال القرن العشرين، كان اليسار هو الذي يشدد على أهمية التراث الرافديني للعراق لأنه الأكثر تمثيلا للتنوع الإثني العراقي، ولأنه مهم على نحو خاص بالنسبة للمكونات التي كانت تقصى من السلطة تاريخيا كالشيعة والأكراد والأقليات الأثنية. وفي هذه الفترة الحديثة كان الوطنيون العراقيون يحتفون بالرؤية الاستيعابية للانتفاضات ذات القاعدة الجماهيرية الواسعة كثورة العشرين، والإضراب العام في 1931، ووثبة 1948، وانتفاضة 1952، وثورة 1958.

في حين كان الدعم للرؤية القومية العروبية يميل إلى أن يأتي من الأقلية السنية العربية التي نظرت إلى إلحاق العراق بأمة عربية أكبر على أنه وسيلة لتحويلها من وضع الأقلية إلى وضع الأكثرية إذا ما أخذت بالاعتبار أرجحية التفوق العددي للإسلام السني على الشيعي في العالم العربي الأكبر.

وبخلاف الوطنيين العراقيين كان القوميون العروبيون - يشار اليهما بالوطنيين والقوميين على التوالي يميلون إلى تجنب قضايا التنوع الثقافي وغالبا ما كانوا يقدمون المسائل الثقافية على قضايا المساواة والعدالة الاجتماعية.

ويعاني كلا المفهومين عن المجتمع السياسي العراقي من العيوب. فالرؤية القومية العروبية للعراق على أنه جزء من الوطن العربي الأكبر ذي الغالبية السنية قد عجزت عن أن تتبين حق غالبية الشعب من الشيعة والأقليات الأخرى بالمشاركة في السياسة الوطنية والخطاب الثقافي.

في حين كان الوطنيون «العراقويون» الذين ينحدر جلهم من اليسار عادة ما يتجاهلون الطبقات الوسطى المتحضرة التي تشعر على نحو عميق بالحاجة للاستقرار السياسي وبرغبتها في إعادة إرساء الإحساس بالوحدة للتعويض عن التصدع الثقافي والاجتماعي الذي حصل طوال القرن العشرين تقريبا. وبعبارة مغايرة، لم يكن الوطنيون اليساريون في العادة حساسين إزاء الوحدة الثقافية والاجتماعية التي يشعر القوميون العربيون بأنها ستتحقق عن طريق إنشاء دولة للعرب تتجاوز الفوارق القومية بينهم.

ويخلص المؤلف إلى التأكيد على أن قدرة القوميين العروبيين على الاحتكام إلى ومعالجة الذاكرة التاريخية التي تتجاوب إلى حد بعيد مع مآسي الاضطراب الذي عانت منه الطبقات الوسطى ذات التوجهات القومية العروبية، وبالترافق مع التجاهل النسبي لهذا البعد من أبعاد الذاكرة التاريخية من قبل اليسار، تشكل العنصر الحاسم الذي يعلل كيف تمكن التوجه البعثي في نهاية المطاف من السيطرة على الفضاء الثقافي والسياسي لعراق ما بعد عام 1968.

الصفحات: 397 صفحة

الكتاب: ذكريات دولة

تأليف: إريك دافيس

الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005