هذا الكتاب في الأصل مشروع بحثي عن التغير الاجتماعي في البلدان المنتجة للنفط كان المؤلف قد باشر في العمل فيه عندما كان في مجلس أبحاث علم الاجتماع خلال ثمانينات القرن الفائت.

وكان هدف المشروع، الذي ركز على الأثر السياسي والاجتماع ـ ثقافي للثروة النفطية، هو الكشف عن الكيفية التي حاولت من خلالها النخب السياسية استغلال ثروة كهذه من أجل تقوية الدولة، وبشكل خاص عن طريق بذل الجهود لتخصيص تصور بعينه للماضي وللإنتاج الثقافي على نحو أوسع. وكان العراق من بين الدول المنتجة للنفط هو المثال الأكثر أهمية بالنسبة لظاهرة استخدام مال النفط في مشروع (إعادة كتابة التاريخ) ويتناول إريك دافيس في الكتاب الذي تنشر «البيان» جزءا منه على حلقات بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات التي تصدر الكتاب في الأسواق قريبا، ماهية العلاقة بين سلطة الدولة والذاكرة التاريخية ومدى أهمية هذه الذاكرة في تعزيز سيطرة وشرعية النخب السياسية الحاكمة.يناقش المؤلف علاقة السلطة بالذاكرة التاريخية في سبعة فصول تتضمن دراسات موثّقة عن النخبة الثقافية العراقية، وانحدار الدولة الملكية، وتناقضات المجتمع المدني بين عامي 1945 و1958، وثورة 14 يوليو 1958، والصراع على الذاكرة التاريخية، وسطوع نجم ذاكرة الدولة (1968- 1979)، ثم أفولها (1979 ـ 1990)، وفنون المقاومة، وصولا إلى العراق بعد حرب الخليج الثانية.

ويتوقف دافيس عند ظواهر العنف في العراق الحديث، وكيف اعتمد حزب البعث إيديولوجيا قومية تحقق هيمنة الدولة على المجتمع، وتحتوي وجهات نظر المعارضة. هذا فضلا عن تهميش جماعات إثنية وطائفية لتحقيق الهيمنة. وينتهي المؤلف إلى نتيجة محورية مفادها أن العراق لم يكن دولة قوية في ظل حكم حزب البعث.

وانه ليس بإمكان الدول فرض رؤية هيمنية للسياسة على المجتمع من خلال الاصطفاء والتقريب بالمال والترويع الجسدي، إذ ليس بإمكان الهيمنة ان تكون ناجحة إلا إذا عثرت على جذور لها في المجتمع وليس في أجهزة الدولة، ومع أن الدولة البعثية قد بنيت على الأحاسيس الثقافية القائمة في المجتمع العراقي عندما جاءت إلى السلطة.

إعادة كتابة التاريخ

يقول المؤلف: بات جليا من خلال زياراتي للعراق واتصالي الواسع بالمثقفين العراقيين، بأنه ما من دولة عربية نفطية أخرى قد خصصت من مواردها النفطية بقدر ما خصصه هذا البلد لهذه العملية. حيث تزعم صدام حسين، في الواقع، مشروعا رسميا سمي مشروع إعادة كتابة التاريخ.

وتماشيا مع الأفكار الغرامية حول الهيمنة راودني السؤال عن سبب شعور النظام البعثي بحاجة شديدة لإعادة كتابة تاريخ الأمة وإعادة تأويل التراث الثقافي، خصوصا عندما بدا عليه وقد تخلص من كل معارضة محلية خطرة. ثم لماذا جرى تخصيص موارد كثيرة جدا لنشر الكتب والمقالات، وإحياء دراسة الفلكلور.

وتوسيع البحث الأثري، وتشييد النصب وتكليف الفنانين بإقامة التماثيل، وتنظيم المؤتمرات الدولية بخصوص تراث العراق الحضاري، والترويج للمنظمات الثقافية والتاريخية التي جندت المثقفين من كل أنحاء العالم العربي؟

كان العراق من بين الدول العربية المنتجة للنفط هو المثال الأكثر أهمية بالنسبة للظاهرة الرئيسية التي بحثها مشروع مركز أبحاث العلوم الاجتماعية فيما يتعلق بكيفية استخدام الذاكرة التاريخية لبناء دولة ـ أمة والآليات التي تجندها الدولة في محاولة السيطرة على الذاكرة التاريخية.

إن العواقب المأساوية الفظيعة للحرب العراقية الإيرانية 1980 ـ 1988 وحرب الخليج 1991، والانتفاضة العراقية في مارس ومارس 1991، والقمع الوحشي، قادتني كلها إلى توسيع حدود التساؤل عن الكيفية التي ارتبطت بها سلطة الدولة بالذاكرة التاريخية.

ثم كيف أن العراق الذي حقق في الفترة التي سبقت الحرب العراقية الإيرانية مباشرة نموا اجتماعيا واقتصاديا ملفتا، قد أصبح في حالة يرثى لها في أعقاب حرب الخليج؟ ولماذا بقي صدام وحزب البعث في السلطة؟ وما هي العوامل المساعدة التي تفسر كيف وجدت نفسها، عوضا عن ذلك، بلاد بثروة نفطية كبيرة، وماض حضاري غني، وقاعدة زراعية نامية، وشعب عالي التعليم ـ وهي خصائص ومتطلبات ضرورية لأنظمة ديمقراطية مستقرة ـ عرضة لحكم مستبد وحرمان مادي قاس؟

وما الذي يمكن تعلمه عن بناء الأمة وكيفية تشكيل الحكم الاستبدادي لنفسه وإقامة أوده من تفحص مساعي الدولة العراقية لتوظيف تصورات معينة عن الماضي؟ وهل تشي المجهودات الناجحة للدولة في تعبئة العراقيين لخوض حربين كارثيتين بفرض ناجح للفكر الهيمني على الشعب؟

أم أن مساعي النظام البعثي لإنشاء ذاكرة تاريخية قد قمعت الرؤيتين المتنازعتين على المجتمع السياسي لا غير فأعمت الدولة، مما أدى بها ذلك إلى أن تقع ضحية لغواية بلاغتها المتعلقة بـ «التراث المختلق»؟ وإذا ما أخذت هذه الأسئلة من منظور أوسع، ما الذي يمكن قوله عن العلاقة بين صياغة دولة الأمة الحديثة والتوظيفات السياسية للذاكرة التاريخية واستمرار الحكم الدكتاتوري حتى انهياره في 2003؟

بناء الأمم

في مقدمته لموضوعه يتساءل المؤلف: ما هي العلاقة بين سلطة الدولة والذاكرة التاريخية؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه عن بناء الأمم وقدرة الدول على انتزاع الرضي من المحكومين من خلال دراسة هذه العلاقة؟

ويجيب: على الرغم أن الكثير من المجتمعات العربية تعزو أصولها إلى حضارات قديمة، إلا أنها تبقى محكومة بدول تم تأسيسها حديثا نوعا ما، من قبل القوى الاستعمارية في الغالب. وفي هذا الإطار، فإن الذاكرة التاريخية تصبح أداة مهمة بيد النخب السياسية لتعزيز سيطرتها وشرعيتها.

وحسبما يشير أحد أقوال صدام حسين، يمكن للدولة أن تفرض حكمها بسهولة أكبر، إذا ما أقنعت عامة الناس وخصوصا الشباب سريعي التأثر بالإذعان لرؤيتها حول المجتمع. إن قدرة الدولة على تحقيق الإجماع حول رؤيتها للماضي تسهل إنشاء مجموعة من الأساطير التأسيسية الجوهرانية للشعور بالهوية الجمعية التي ينبغي أن تمتلكها كل الدول القائمة على مفهوم الأمة ـ الدولة.

وإذا ما بدت دولة حديثة كتجسيد للماضي، وكحامل على وجه الخصوص لميراث العصر الذهبي، فإنها ستتمتع بحرية اكبر في الاختيار عند تنفيذ أهدافها. وبقول مختصر، يمكن للذاكرة الجمعية أن تصبح أداة فعالة في ترسانة الدولة للسيطرة الاجتماعية. و بعكس ذلك، تخاطر الدولة بنفسها إذا ما تجاهلت الذاكرة التاريخية، خصوصا أثناء نوبات التغير الاجتماعي السريع.

تتفحص هذه الدراسة عمليات بناء الأمة وتشكيل الدولة في العراق الحديث، تلك العمليات غير المكتملة والتي لم تنته بعد لأن العراقيين لم يتفقوا حتى الآن على نموذج مقبول بشكل عام للمجتمع السياسي. إذ في غمار عملية بناء الأمة، هنالك نموذجان متنازعان بخصوص المجتمع السياسي، أحدهما هو النموذج العراقي والآخر هو القومي العروبي.

وكانا يتصارعان فيما بينهما من أجل الهيمنة. وتحاول هذه الدراسة أن تثبت أن عدم قدرة العراقيين على بناء نموذج ناجح للمجتمع السياسي يفسر إلى حد بعيد عدم استقرار البلاد اجتماعيا وسياسيا.

كما أن غياب نموذج مقبول بشكل عام للمجتمع السياسي يرتبط بمشكلة الهوية الجمعية والأساطير التأسيسية. فهل تستند الهوية الجمعية للعراق على العروبة وعلى أساس أنه جزء من دولة عربية قومية اكبر، أم إن التراث العربي للعراق مجرد جزء ـ حتى وإن كان جزءا بالغ الأهمية ـ من التراثات الثقافية المتعددة لدولة الأمة التي تستند هويتها إلى تعددية ثقافية تدعم التنوع الإثني للبلاد؟

الاهتمام المتزايد بالماضي

ويقول المؤلف: إن للذاكرة التاريخية ذاكرتها. ونحن بحاجة إلى تفحص العمليات التي أصبح من خلالها الاهتمام المتزايد بالماضي مكونا رئيسيا من مكونات الخطاب السياسي الوطني مثلما نحن بحاجة إلى أن نعرف لماذا اتخذ هذا الاهتمام أشكالا محددة في فقرات بعينها من دستور الدولة العراقية.

ولماذا استغلته بعض القوى السياسية بينما مال غيرها إلى تجاهله. فنظام البعث الذي استولى على السلطة في عام 1968، لم يكن هو الذي استهل عملية إعادة تفحص الماضي، مثلما لم يكن أول من حاول تجنيد الذاكرة التاريخية لانتزاع القبول والإذعان.

وبالأحرى إن نظام ما بعد عام 1968 البعثي، والذي ادعوه بنظام البعث التكريتي لأن كوادره قد تم تجنيدها وإلى حد كبير من المنطقة المحيطة بمدينة تكريت، مسقط رأس صدام، هو الذي حاول معالجة عملية إعادة تأويل الماضي التي بدأها نظام عبد الكريم قاسم (19581963).

كما إنه هو الذي عمل على تصفية ذلك المجهود. فلقد سيس النظام البعثي الذاكرة التاريخية أكثر مما فعل أي نظام سابق، مستغلا قدرته على التصرف بإيرادات النفط الهائلة خلال السبعينات وبداية الثمانينات للانخراط في إعادة كتابة التاريخ على نطاق غير مسبوق في العراق أو في أي مكان آخر في العالم العربي.

إن «المجتمع المتخيل» الذي تمت صياغته من قبل البعث التكريتي كان اعتماده على الذاكرة التاريخية أكبر من اعتماده على الصياغة الإيديولوجية لمخططات دولة ـ الأمة المعاصرة.

وهذا المخيال الذي يركز دائما على العصر الذهبي للعرب إبان الإمبراطورية العباسية (7501258) لم يكن يقصد منه أن يوحي بالتماثل بين عظمة الماضي والمجد الذي يفترض أن يحققه العراق في ظل الحكم البعثي فحسب، بل قصد منه، أيضا، أن يشجع على انعدام الثقة بين إثنيات العراق الأساسية.

فإحدى استراتيجيات إنجاز الغاية الأخيرة تتمثل في إثارة الجدل على نحو غير مباشر بأن «الشعوبيين»، الذين كانوا يشكلون لب البيروقراطية العباسية، قد عملوا على نخر الإمبراطورية من الداخل متسببين بانهيارها في النهاية، وقد كانت رسالة النظام إلى الأقلية العربية السنية في العراق تتمثل في أن مزدوجي الولاء الذين لم يكونوا محل ثقة في ظل الدولة العباسية، باتوا أيضاً محل شك في الحقبة المعاصرة.

الصفحات: 397 صفحة

الكتاب: ذكريات دولة

تأليف: إريك دافيس

الناشر: مطبعة جامعة كاليفورنيا ـ 2005