في الوقت الذي صعدت قوة الصين وروسيا خلال الأعوام الأخيرة بدت الولايات المتحدة وكأنها تخسر التفوّق الذي اعتبرت أنها كسبته مرة واحدة وإلى الأبد بعد انهيار المعسكر الشيوعي. وخسرته أكثر بعد فشلها فيما أسمته «الحرب ضد الإرهاب».

مشهد العالم اليوم تتبدّى ملامحه بصعود روسي وصيني ثم هندي وبرازيلي. لكن تبقى اليابان هي القوة الاقتصادية العالمية الثانية. أما «المنظومة الدولية الجديدة» فيبدو أنها تتجه نحو قدر أكثر من «التنافر» والتنافس السياسي، وليس الاقتصادي فقط. العولمة لم تلغ هذا التنافس، بل أنعشته أحيانا.

وتمثل الحرب الأميركية - البريطانية في العراق احدى نقاط التوتر الكبرى في العالم. وكان من نتيجتها حتى الآن خسارة القوة الأميركية العظمى للكثير من مصداقيتها. كذلك تشد الأوضاع في روسيا والصين أنظار العالم أيضا باعتبار أنهما قوتان فاعلتان في صياغة العالم خلال القرن الحادي والعشرين. أما أوروبا فيبرز دورها في العالم كتجربة فريدة في تحقيق السلام الإقليمي بعد أن تخلّت عن أي مشروع للهيمنة.

الظاهرة الجديدة التي لفتت إليها أنظار المراقبين خلال العامين المنصرمين حددها المؤلف بالتقارب الروسي ـ الصيني واقترابهما معا من أولئك الذين يشجبون التوجهات الإمبريالية الجديدة لدى أسياد العالم القدامى. وبنفس الوقت الذي تتابع فيه روسيا والصين محاولة التعاون مع الغربيين من أجل المحافظة على استقرار النظام الدولي، فإنهما تدافعان «دون أية عقدة» عن مصالح تتناقض أحيانا مع مصالح هؤلاء الغربيين.

هكذا أعلنت روسيا أنها ترى في مشروع إقامة درع صاروخية أميركية في بولندا تهديدا لها وأكّدت الصين أنها لن تتنازل عن أي جزء من «ترابها الوطني» خاصة في تايوان. وفي المحصلة يبدو واضحا للعيان أن الولايات المتحدة الأميركية هي بصدد خسارة التفوق الذي اعتقدت أنه سيكون مستداما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

وإذا كانت تبقى بالفعل هي لمدة طويلة أيضا القوة الكونية الرئيسية فإنه لا يمكن بنفس الوقت وصفها حقيقة ب«القوة العظمى»، حسب رأي المؤلف الذي يضيف أن «حرية فعلها» قد تقلّصت كثيرا بسبب فشلها الكبير فيما قدّمته ك«حرب ضد الإرهاب».

أما الاتحاد الأوروبي، فيرى المؤلف أنه، بفضل قدرته الاقتصادية وتخلّيه عن كل أشكال الهيمنة، يمارس نوعا من السلطة الهادئة على العالم «يراها أي مراقب نبيه». لكن «حريّة فعله» محدودة بنيويا بسبب هشاشته على صعيد الهوية من حيث تنظيمه السياسي منا من حيث لحمته الثقافية. ذلك أن تقدمه في هذين الميدانين بطيء جدا.

واقع العولمة

إن المشهد العالمي اليوم تتبدّى ملامحه الرئيسية اليوم، كنا يتم تحديدها، بصعود قطبين رئيسيين تمثلهما روسيا والصين، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتبقى اليابان هي القوة الاقتصادية العالمية الثانية، لكنها لم ترد، أو لم تستطع، أن تفرض نفسها كقوة سياسية عالمية. أما القوى الأخرى المرشحة للصعود ففي طليعتها الهند والبرازيل. هذان البلدان هما أيضا مرشحان «احتمالا» لعضوية مجلس الأمن الدولي.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه العولمة واقعا خاصة بفضل ثورة تكنولوجيات الإعلام والاتصال، بدا أن الرؤية الأميركية للعالم ليس أمامها أية فرصة كي تكون مقبولة من كل العالم ولن تحظى بإجماع ال6 مليارات نسمة من ساكنيه. بالتالي لا يمكن للتعددية القطبية التي تلوح في الأفق أن تكون سوى ممهورة ب«التنافر» وليس ب«التجانس».

ويشير المؤلف إلى أن هذا «التنافر» تظهر أجلى تعبيراته في العالم العربي ـ الإسلامي. ويرى في حرب ال33 يوما التي عرفها جنوب لبنان في صيف عام 2006 نقطة انعطاف من خلال المصداقية التي أخذها حزب الله في لبنان كقوة سياسية. وفي غزة «المعزولة» تفرض حماس سيطرتها ويبقى نفوذها كبيرا لكن دون ضجيج ـ في الضفة الغربية.

وفي العراق لم تتوقف الأمور عن التدهور والحالة المعاشية للسكان تسير من سيئ إلى أسوأ، هذا بالمطلق ولكن أيضا بالقياس إلى السنوات الأخيرة من حكم صدام حسين. ويرى المؤلف في إدانة الرئيس العراقي السابق بحكم الإعدام وتنفيذه قد مثّلا «فشلا سياسيا، ذلك أنه أظهر في لحظاته الأخيرة قوة شخصية وحافظ على قدر هام من الكرامة أمام جلاّدين عاديين»، كما نقرأ.

وينقل المؤلف عن روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي بدلا عن رونالد رامسفيلد، قوله: «إننا لسنا بصدد الانتصار بالحرب في العراق». أما تأكيدات جورج دبليو بوش اللاحقة حول الانتصار، فلا يرى مؤلف هذا الكتاب سوى الدليل على «هشاشة الأحكام التي يصدرها».

ولم يكن أمرا عارضا أن يجد الرئيس الأميركي صعوبات كبيرة من أجل الحصول على قبول الكونغرس بتمويل الحرب في العراق.

مسؤولية الهزيمة

لكن الأغلبية الديمقراطية في هذا المجلس وجدت نفسها أمام معضلة حقيقية فهي لا تريد من جهة أن يتم تحميلها مسؤولية الهزيمة، ولكنها لا تستطيع، من جهة أخرى، تأييد اختيار جورج بوش. إن المؤلف لا يتردد في القول ان الوضع في العراق أكثر تعقيدا مما كان أثناء الحرب الفيتنامية في ظل ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر. بكل الحالات سوف يكون على خلفية الرئيس بوش أن يصحح الأخطاء الكبيرة التي كان قد اقترفها.

في مثل هذا السياق يطرح المؤلف السؤال التالي: كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ ويجيب أن فهم ذلك يقتضي العودة إلى تاريخ العالم العربي ـ الإسلامي منذ قرن حتى اليوم.

ويحدد المحطات الرئيسية في هذا التاريخ بسقوط الإمبراطورية العثمانية وفترة مختلف أشكال الانتداب وتبخّر أوهام العرب بعد اتفاقيتي سيفر (1920) ولوزان (1923) وقيام إسرائيل عام 1948 وآثار الرهانات البترولية ولعبة التنافس بين الشرق والغرب، الخ.

وفي المحصلة تكدّست شحنات هائلة من أشكال الكبت على مدى عدة عقود من الزمن. وكان انهيار الاتحاد السوفييتي الذي شكل «الحدث التأسيسي» للحقبة الحديثة مناسبة للتعبير عن ذلك الكبت. ويشير المؤلف هنا إلى تعابير مشوشة استخدمها الغرب وشكّلت إساءة للمعتقد الإسلامي نفسه. كما يشير إلى أن الأديان جرى استغلالها دائما من قبل كيانات سياسية.

عالم متعدد الاقطاب

وينتهي المؤلف إلى القول ان المنظومة الدولية تحوّلت خلال السنوات الأخيرة تدريجيا وصولا إلى عالم متعدد الأقطاب لكنه يتسم بنفس الوقت ب«التنافر». لكن بدا بنفس الوقت أنه من الممكن التوفيق بين البحث عن حد أدنى من التعاون رغم واقع المنافسة الدولية «السياسية وليس فقط الاقتصادية» وهي منافسة لم تؤد العولمة إلى إلغائها، بل ربما أنها على العكس أنعشتها.

لذلك تطرح اليوم مسألة حدود هذه العولمة. أما حلم السلام بواسطة القانون أو «تعددية الأطراف» فإنه لم يزل بعيدا عن التحقق على المستوى العالمي. وقد يكون الأوروبيون وحدهم هم الذين يسعون إلى تحقيقه على مستوى الجزء من العالم الذي تشكله قارّتهم. و«كم يدل هذا على ثأر رائع تأخذه هذه القارة القديمة التي كانت على وشك الانتحار في القرن العشرين».

في عام 1996 كتب مؤلف هذا الكتاب في عمل له يحمل عنوان: «ذاكرة الزمن الحاضر» ما يلي: «بدأ القرن العشرون من وجهة نظر العلاقات الدولية مع نشوب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وانتهى مع انهيار المنظومة الشيوعية (1989 ـ 1991) لقد كان قرنا قصيرا إذن. لكنه كان القرن الأكثر كثافة في تاريخ البشرية كلها من حيث الاضطرابات الكونية التي عرفها».

وما يؤكده المؤلف اليوم هو أنه لا حاجة لإجراء أي تغيير في هذا القول. ذلك أن سقوط الاتحاد السوفييتي وسيادة العولمة كان وراءها ثورة تكنولوجيات المعلومات. وكانت السنوات العشرون التي أعقبت انهيار المنظومة الشيوعية قد شهدت «اهتزاز العالم» عبر سلسلة من الأحداث الكبرى ذات النتائج العميقة.

وأصبحت العولمة ظاهرة لا نكوص عنها باعتبارها نتيجة سياسية واقتصادية واجتماعية لتطورات تكنولوجية هي أيضا بطبيعتها لا تمحى. لكن الخطأ، كما يرى المؤلف، هو أن يتم الاستنتاج، اعتمادا على هذه الوقائع، أن العالم قد اصبح «مسطّحا»، كما جاء في تعبير شهير للباحث السياسي الأميركي توماس فريدمان. ذلك أن «تنافره» لا يزال واقعا قائما هو الآخر. والأمثلة على ذلك عديدة.

في عام 1989، عند سقوط جدار برلين كانت الصين قد بدأت سياسة إصلاحات منذ قرن من الزمن. وكاد الحزب الشيوعي الصيني أن يفقد في تلك السنة سلطته السياسية على البلاد. إن تظاهرات ساحة تيان آن مين لا تزال طرية في الذاكرة. نظر الغربيون آنذاك إلى الوضع الصيني من خلال رؤيتهم الإيديولوجية.

واقتنعوا ب«سذاجة» أن الصينيين يريدون التشبّه بالغرب. هكذا جرت مواجهة الصين بسلسلة من العقوبات. وما تؤكد عليه التحليلات المقدمة هو أن الصين تشكل اليوم، في عام 2008، قوة هائلة رغم وجود عدد من نقاط الضعف، وأنها سوف تساهم إلى حد كبير في صياغة العالم خلال القرن الحادي والعشرين.

ولا شك أن الصين تنتظر من العالم إبداء قدر أكبر من الاحترام حيال السبيل الذي انتهجته منذ ثلاثة عقود، وبقدر كبير من النجاح. أما العالم فإنه ينتظر من الصين قدرا أكبر من الانفتاح «البسيكولوجي» في علاقاتها مع الخارج. والهند كانت في عام 1989 لا تزال هي النموذج الأمثل لما يسمّى ب«العالم الثالث».

ويلفت المؤلف الانتباه إلى أنه بعد عامين من سقوط جدار برلين، أي في عام تفكك الاتحاد السوفييتي (1991)، قامت الهند، البلاد ـ القارّة، التي كانت قد وضعت الاشتراكية في صميم دستورها بعد الاستقلال عام 1947، بسلسلة من الإصلاحات اللبرالية في منظور ولوج سبيل التنمية والحداثة.

الهند قطب حقيقي

على الصعيد الديموغرافي تمثل الهند والصين أكثر من ثلثي عدد سكان العالم. وتبحث الهند بالأحرى عن تعزيز مكانتها السياسية على صعيد إقليمي وليس عالمي. ويبقى التطور الأهم الذي عرفته الهند مؤخرا هو توقيع «الاتفاق النووي المدني» مع الولايات المتحدة عام 2005 والذي أثار تصديقه صعوبات كبيرة على الطرفين.

ويرى بعض المراقبين في هذا الاتفاق العمل الاستراتيجي الأكبر في السياسة الخارجية أثناء الفترة الرئاسية الثانية لجورج دبليو بوش. في المحصلة يؤكد المؤلف القول أنه قد حان الوقت الذي ينبغي فيه الاعتراف بالهند كقطب حقيقي في المنظومة الدولية الجديدة.

لكن لا شك أن مصير روسيا هو الذي شدّ الانتباه العالمي منذ فترة 1989- 1991. ومن الملاحظ، لكن «ليس من المدهش»، أن الأوروبيين يحتفظون بذكرى عن فترة بوريس يلتسين هي بالقطع أفضل من الذكرى التي يحتفظ بها الروس عن نفس الفترة. الغربيون رؤوا أن يلتسين «حفّار قبر» الاتحاد السوفييتي، و«هذا صحيح» وبطل الديمقراطية، و«هذا قول ساذج». أما الروس فيرون أن يلتسين قد حطّ من شأن بلادهم.

هذه الصورة انعكست بعد وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000. فالروس هم الذين أصبحوا يعترفون بالفضل لبوتين ويُبدون الإخلاص له بينما يرى به الغربيون «حفّار قبر» الديمقراطية ويتهمونه بالحنين إلى الحقبة السوفييتية. بكل الحالات، لقد استطاع أن يرسي قواعد الأمن حسبما كان ينتظر الشعب منه.

ودفع باتجاه نمو اقتصادي حقيقي ومدهش. أما ميدفيديف فيقول المؤلف ان الوقت لا يزال مبكّرا من أجل الحكم عليه. ويصيغ عدة فرضيات حول علاقته مستقبلا مع فلاديمير بوتين. ويرى أن هذا الأخير على وعي أنه قد أصبح شخصية تاريخية فإذا تبيّن له أن ميدفيديف، عبر الممارسة، قادر على متابعة نهجه في تحديث روسيا والانفتاح على العالم، فإنه قد يقرر تكريس جهوده لمهمات أخرى.

وإذا حدث «طارئ» لخليفته تبقى فرضية العودة للكرملين مطروحة. وهناك سيناريوهات أخرى مثل ظهور التنافس بين الرجلين، الأمر الذي يتماشى مع الطبيعة الإنسانية. المهم اليوم مراقبة الوضع بكل موضوعية. بانتظار ما يأتي «بالنسبة لروسيا» وبالنسبة للعالم.

الصفحات: 390 صفحة (متوسط)

الكتاب: عشرون عاماً هزت العالم

تأليف: تييري دي مونبريال

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: دونو، باريس ـ 2008