بررت الإدارة الأميركية المدعومة من الحكومة البريطانية شن الحرب على العراق بامتلاكه أسلحة دمار شامل وبإقامته علاقات مع مجموعات إرهابية.
هذه الحجج ظهر بهتانها أمام الرأي العام العالمي، ولم يحل السلام والديمقراطية في العراق، كما كان المحافظون الجدد في إدارة بوش قد «بشّروا» به. وكانت النتيجة هي تشويه صورة أمريكا في العالم والتي ازدادت تشوّها بسبب الخيارات الخاطئة التي انتهجتها في العراق بعد انتصارها العسكري.أمام انسداد الوضع وغياب أي حل من الأفق المنظور جرى اتخاذ العديد من القرارات الدولية بخصوص العراق، ولكن أيضا من أجل إيجاد حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. هكذا اعتمدت إدارة بوش «خارطة الطريق» الشهيرة لحل هذا الصراع، ولكن لم يتم تطبيقها بل زاد الدعم الأمريكي لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون ولسياساته القمعية ضد الفلسطينيين.وبقي الشرق الأوسط بؤرة أكثر وأكبر التوترات في العالم. ولا يزال التحديان الكبيران فيه هما القضية الفلسطينية والوضع في العراق.
تركت الحرب الأميركية - البريطانية ضد العراق آثارها على العالم. وعرفت الفترة التي تلتها سؤالان أساسيان. الأول هو: هل كذب جورج دبليو بوش وجزئيا توني بلير عندما بررا قيام الحرب بوجود «خطر داهم» مصدره أسلحة الدمار الشامل العراقية وتعاون النظام العراقي مع الإرهاب؟ والسؤال الثاني: كيف يمكن تفسير تقاعس الإدارة الأميركية فيما يخص تحضير فترة ما بعد الحرب؟
بعد عام من الانتصار العسكري للائتلاف الانجلوسكسوني أساسا اضطر البيت الأبيض ورئاسة الحكومة البريطانية على الاعتراف أن صدام حسين لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل منذ فترة طويلة ولم يقم أية علاقات مع مجموعات إرهابية. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه لو كان قد جرى إحلال السلام والديمقراطية سريعا.
كما ردد خطاب المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية، ما كان لأحد أن يوجّه عندها الاتهامات بالكذب. خاصة أن المواطنين الأميركيين والبريطانيين أظهروا حسّهم الوطني، ودعموا قادتهم عندما أكّدوا أن التدخل العسكري في العراق ضرورة ملحّة.
لكن موجة التأييد والدعم انقلبت إلى موجة احتجاج ومعارضة عندما تكشّف أن شخصية هامة في الإدارة الأميركية مثل وزير الخارجية كولن باول كان ضحية معلومات خاطئة قدمتها له وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ؟ سي.آي.ايه-. مثل هذا الأمر شكك بمصداقية القوة العظمى الأميركية كلها.
ذلك أن «الكذب» من قبل السلطات الحكومية يمثّل أمرا خطيرا في الثقافة الانكلوسكسونية. لكن كان من حظ جورج دبليو بوش أن الحزب الجمهوري كان يسيطر على مجلس النواب ومجلس الشيوخ في أمريكا. أما توني بلير فقد بدا أن مستقبله السياسي كله في مهبّ الريح.
هكذا إذن أصبح جليّا للجميع أن صدام حسين لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل ولم يكن على أهبة امتلاكها ولم تكن له أية علاقة بتفجيرات 11 سبتمبر. لكن ما صعق الجميع أيضا هو التحضير السيئ، إن لم يكن الغياب الكامل لأي تحضير، لفترة ما بعد الحرب.
هذا ما عكسه بوضوح أيضا التوليف بين سلطة للاحتلال مثّلها بول بريمر وحكومة عراقية وسيطة عيّنها الأمريكيون ولم تكن تمتلك أية شرعية. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن «الخيارات الكارثية» في العراق أدّت سريعا إلى اندلاع المقاومة اعتبارا من شهر أغسطس من عام 2003. ولم يؤد القبض على صدام حسين إلى تغيير التوجه.
وفي مواجهة تطورات غير منتظرة وجدت واشنطن نفسها مضطرّة إلى اللجوء للمجموعة الدولية التي كانت قد تجاهلتها كثيرا في البداية. هكذا صدر القرار رقم 1511 في شهر أكتوبر 2003 بالإجماع عن الأمم المتحدة ليعطي شرعية للاحتلال ولكن ليدعو أيضا إلى نقل سريع للسلطة إلى العراقيين. وجرى تحديد جدول زمني اقتضى إجراء انتخابات ديمقراطية لانتخاب برلمانيين بالاقتراع المباشر قبل 31 يناير 2005.
لكن وراء الواجهة، كان السؤال الأهم هو معرفة إذا كان الموديل العراقي «الديمقراطي» سيثبت قدرته على الحياة؟ ما يشير إليه المؤلف هو أنه لا توجد هناك أية سابقة تاريخية تدعو إلى التفاؤل. بل إن سابقة النضال ضد الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى تشير إلى رفض العراقيين لأية قوة أجنبية فوق أراضيهم. لكن في الحالة الراهنة لاح في الأفق أكثر من مرة احتمال تمزيق العراق إلى عدة دول، الأمر الذي قد يفتح في الشرق الأوسط سبيلا لن يكون من السهل السيطرة عليه من قبل واشنطن أو غيرها.
ضمن ذلك السياق أعلنت مجموعة الدول الصناعية الكبرى الثماني دعمها لصيغة معدّلة من مبادرة «الشرق الأوسط الكبير» التي كانت الولايات المتحدة قد أعدّتها مسبقا وأُعيد تعميدها باسم «الشراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك للشرق الأوسط وشمال إفريقيا».
كان المطلوب هو إجراء إصلاحات وإدخال بعض الديمقراطية بغية تحديث حكومات المنطقة. لكن القاعدة العامة في الشرق الأوسط يتم تحديدها من قبل المؤلف ب«الجمود السياسي»، أي بمعنى غياب التوجهات الديمقراطية وغياب الإصلاحات. هذا مع الإشارة إلى أن الجمود في علم يسوده الاضطراب «بسيكولوجيا» وتزايد مستمر في عدد السكان، قد يكون السبيل الذي يؤدي إلى انتفاضات ثورية.
ويعتبر المؤلف أن مسألة الإصلاحات هي أكثر دقة في المنطقة حيث أن الرأي العام ينظر بحذر غالبا إلى الدولة عندما تكون بعيدة عن الشعب وقريبة جدا من «الجمهورية الإمبريالية» الأميركية المتهمة بالانحياز إلى الصراع المركزي في المنطقة، أي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
تتم الإشارة هنا إلى «الوضع البائس الذي انتهت إليه إدارة جورج دبليو بوش، ذلك أنها فتحت السبيل أمام قيام دولتين، فلسطينية وإسرائيلية، تتعايشان.
لكنه عمليا لم يعط ذلك الأمر ما يستحقه من اهتمام ولم يهتم بسخريطة الطريق» التي رسم هو نفسه خطوطها. وأفرط في دعم ارييل شارون في السياسة الأمنية التي انتهجها وصولا إلى حد بناء «جدار أمني» اعتبرته محكمة العدل الدولية في لاهاي لا يقوم على أي أساس شرعي. بل واعترضت عليه المحكمة العليا الإسرائيلية نفسها.
بشكل عام لا تزال عواقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وحرب العراق تترك آثارها على السياسة الأميركية. هكذا تثير مسألة معاملة السجناء في غوانتانامو الكثير من الأسئلة في الولايات المتحدة بسبب ما تتضمنه تلك المعاملة من خرق لمواثيق حقوق الإنسان. ونفس التساؤلات والاستهجان حول عمليات تعذيب السجناء في سجن ابو غريب «مع إعطاء أعلى السلطات، كما يبدو، الضوء الأخضر»، كما يكتب المؤلف ويضيف أن الرصيد الأخلاقي للولايات المتحدة تضاءل كثيرا.
لم يكن جورج دبليو بوش يحظى بأية شعبية هامة خارج الولايات المتحدة الأميركية خلال فترته الرئاسية الأولى. لذلك تمنّى كُثر في أوروبا وغيرها هزيمته أمام خصمه الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية لعام 2004، جون كيري. لكن الناخبين الأمريكيين قرروا أن يعطوا ثقتهم من جديد للرئيس بوش على الرغم من الاعتراف بصورة «شبه رسمية» أن كل ما قيل عن أسلحة الدمار الشامل العراقية وفن تعاون النظام العراقي مع الإرهابيين كان بدون أساس.
بالمقابل بقيت صورة أمريكا في الخارج «قاتمة». وتتم الإشارة إلى عملية استطلاع للرأي جرت في شهر يونيو-حزيران 2005، أي بعد ثمانية أشهر من إعادة انتخاب جورج دبليو بوش. ودلّت على أن صورة الصين كانت أفضل من صورة الولايات المتحدة في الخارج. وكان الفارق بين شرعية الرئيس الأمريكي في داخل بلاده وبين شرعيته الخارجية كبيرا. وكان ذلك يطرح مشكلة كبرى بالنسبة لزعامة القوة العظمى الوحيدة في العالم. هذا رغم أن بوش كان قد تعلّم «الكثير خلال فترته الرئاسية الأولى إذ كان يُجهل كل شيء تقريبا» عن السياسة الخارجية في عام 2000.
لكن الأمور كانت قد تبدّلت كثيرا منذ الإطاحة بالنظام العراقي في ربيع عام 2003. فمهما كانت قوة أمريكا، إن تعبئة ما يقارب ال000 140 جندي وكمّ هائل من الأعتدة لفترة غير محددة لا بد وأن يعيق بشكل ملموس قدراتها على الفعل الخارجي. ثم إن غياب الأمن كان يتعاظم إلى حد أن الجنرالات الأمريكيين أنفسهم أعلنوا صراحة عن قلقهم حيال الوضع في العراق. لكن يبقى الأسوأ هو أن تلك الحرب لم تؤد إلى تقدّم النضال ضد الإرهاب، بل على العكس قد تكون المغامرة العراقية قد أنعشت «بؤرة جديدة» للعنف على الصعيد الدولي يمكن أن تطال خلال السنوات القادمة بلدانا أخرى، غربية وغير غربية.
ويتم تركيز التحليلات المقدمة في هذا السياق على القول أنه يجري المزج دائما بين مفاهيم «الديمقراطية» و«الحرية»، بينما أن الأمور هي أكثر تعقيدا. فالمسألة لا تتعلق اليوم بإقامة انتخابات حرة غير مضمونة النتائج، بل ربما تدفع إلى دوائر القرار العليا بعض المتشددين، كما أظهرت انتخابات الجزائر «المعطّلة» عام 1991. المسألة الحقيقية، كما يحددها المؤلف، هي إصلاح المؤسسات القائمة والبحث عن سبل انخراط شرائح واسعة من جميع الحساسيات السياسية في اللعبة الديمقراطية.
بالمقابل وفيما هو أبعد من المقولات النظرية حول «نهاية التاريخ» بعد سقوط المعسكر الشيوعي، لم تتوسع رقعة الديمقراطية إلا في الاتحاد الأوروبي الموسّع. بنفس الوقت بدت ملامح تقارب جديد بين دول لم تكن تجمعها سابقا أواصر الصداقة. هكذا تقاربت الهند مع الصين التي سوّت مشاكلها الحدودية مع روسيا وشرعت الدولتان بتدريبات عسكرية مشتركة. وتقاربت الهند مع الولايات المتحدة الأميركية التي فتحت أمام دلهي إمكانيات التعاون على صعيد النوويات المدنية. ذلك كله على خلفية المصالح.
لكن يبقى الشرق الأوسط، بالمعنى الواسع للتعبير، هو المنطقة التي يصل فيها التوتر بين الإيديولوجية والمصالح على أشدّه ويتم الحديث في هذا الإطار عن قوس أزمة يمتد من الأراضي الفلسطينية إلى أفغانستان ومرورا بلبنان وسوريا والعراق وإيران. وكانت فترة إعادة انتخاب جورج دبليو بوش لرئاسة الولايات المتحدة قد أثارت بعض «الآمال»، لكن دون أوهام كبيرة، عن إمكانية سعيها الحقيقي لتطبيق «خارطة الطريق» التي أعدّتها. الأمر لم يكن كذلك.
بالنسبة للعراق لم تأت اللحظة التي قد يمكنه فيها تحقيق الوعود المناطة به وهو الغني بالنفط والمياه والبشر. صحيح أنه تزوّد بدستور اقترع عليه في شهر أكتوبر-تشرين الأول 5,15 مليون ناخب عراقي وأقر قيام دولة فدرالية وديمقراطية دينها الإسلام وتضمن حرية العبادة. لكن وككل نص قانوني لا قيمة للدستور إذا لم يتم تبنّيه من قبل الشعب المعنى به للعمل به، والأمر ليس كذلك في العراق حتى الآن.
ونفس المنطق ينطبق، برأي المؤلف، على ما يبدو ك«منظومة دولية جديدة». ويتم التمييز بين «قلبها» و«محيطها» حيث لا تشهد الأحداث بكل منهما نفس الصدى على الصعيد الكوني. ويحدد المؤلف «القلب» بشمال القارة الأمريكية ؟
كندا والولايات المتحدة- والمنطقة الأوروبية-الآسيوية والشريط المحيط بها الممتد من شمال إفريقيا إلى الشرق الأوسط. أما المحيط فيضم أغلبية بلدان أمريكا اللاتينية وإفريقيا ومنطقة المحيط الهادئ ومجمل هذه الوحدات السياسية تشكل مجاميع مستقرة أكثر من المنظومات التي تتعاقب عليها بسرعة أحيانا. ولا تزال الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم. وهي وحدها القادرة على تعبئة قوات عسكرية وإرسالها إلى هذه المنطقة أو تلك، وبهذا المعنى يمكن وصف العالم أنه «وحيد القطب». لكنها لا تستطيع أن تشكل وحدها «النواة المهيمنة» إذ ظهرت حدود قوتها في المغامرة العراقية.
هذه المغامرة التي أظهرت حدود القوة الأميركية وهشاشة العالم الذي نعيش فيه اليوم.ا
لصفحات: 390 صفحة (متوسط)
الكتاب: عشرون عاماً هزت العالم
تأليف: تييري دي مونبريال
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: دونو، باريس ـ 2008

