حرك موقف هيئة الإذاعة البريطانية «بي.بي.سي» منع بث نداء لدعم غزة تحت يافطة الاعتبارات المهنية وإظهار عدم الانحياز لغطاً واسعاً على أكثر من صعيد: مهني، وأخلاقي، وسياسي.. كما فتحت المشكلة الأبواب على مصاريعها حيال مسألة التعامل الإعلامي مع قضايا الحروب، والنزاعات.

الهيئة في تبريرها تبدو منطقية في ظرف عادي فهي ترى أن حياديتها ونزاهتها يمكن أن «يتعرضا للخطر» إذا بدت بمظهر المتحيز، لكن هذا الأمر يتناقض كلية مع الأرقام المخيفة التي تسبب بها العدوان العسكري الإسرائيلي فأقل الأيام قتلاً كان يسقط فيه نحو 30 شهيداً!.

موقف الـ «بي.بي.سي» أثار ضدها العديد من الفعاليات.. فكثيرون اعتبروا أن رفض نشر نداء من لجنة طوارئ الكوارث المؤلفة من 13 وكالة اغاثة لطلب المساعدة لضحايا غزة يعني أن الهيئة تكون ناصرت بالفعل أحد الجانبين وتخلت عن حياديتها.

الحركة المنددة بالـ «بي.بي.سي» باتت تتصاعد منذ الكشف عنها الخميس الماضي، وبات من بين المنتمين إليها رجال دين مسيحيين، فأسقف يورك الرجل الثاني في الكنيسة الإنجليكانية الإنجليزية جون سينتامو لحق بحملة المنتقدين، وهو يرى أن النداء «ليس من حركة حماس لطلب أسلحة ولكنه نداء من لجنة طوارئ الكوارث لطلب المساعدة»، وهو ما تجابنت «بي.بي.سي» عن القيام به. وهو يشدد على أن الأمر «لا يتعلق بالحيادية ولكن بالإنسانية».

كما احتج مجلس مسلمي بريطانيا الذي يضم جمعيات مسلمة على قرار الـ «بي.بي.سي»، معتبرا انه «تخل خطير عن واجباتها تجاه الجمهور».

ووسط هذا الزخم الغاضب لموقف الهيئة والذي تحول مظاهرات واحتجاجات في الشارع يرى كثيرون أن «بي.بي.سي» ستغير قرارها بفعل الضغط العام.

ولكن، هل يعفي تراجع الـ «بي.بي.سي» عن قرارها الهيئة من جريرة ما فعلت؟ وما كان يمكن أن ينقذه النداء من أرواح لو أنه وصل إلى الناس؟

ساسة وجماعات إغاثة كتبوا رسائل إلى «بي.بي.سي» محاولين إقناعها بإعادة النظر في قرارها لأنه «سيموت أشخاص في غزة لأنهم لن يحصلوا على المساعدات التي ستأتي من المناشدة».

ورغم مرور 48 ساعة على إثارة الضجة ضد موقف الـ «بي.بي.سي» ودعوة وزير التنمية الدولية دوغلاس الكسندر شبكات التلفزيون الرئيسية في بريطانيا لبث نداء منظمات الطوارئ التي تسعى إلى جمع الأموال من أجل إرسال أدوية ومواد غذائية إلى سكان غزة.. لم تستجب الهيئة بعد إلى هذه المناشدات.

وسعت «البيان» على الاطلاع على وجهة نظر «بي.بي.سي» حيال القضية المثارة، لكن مدير القسم العربي في الهيئة حسام السكري نأى بنفسه عن الخوض في هذه القضية على اعتبار أن الموضوع يتعلق فقط في محطات «بي.بي.سي» العاملة في بريطانيا ولا علاقة للمحطات الدولية بها. لكنه أكد أن «بي.بي.سي العربية» حاولت أن «تكون على مسافة واحدة مما يجري لإطلاع مشاهدها على وجهات النظر المختلفة».

ولكن ما يقوله السكري، وربما مدير عام الـ «بي.بي.سي» مارك تومسون، يصطدم مع وجهة نظر منطقية ترى أن شوارع لندن والمدن البريطانية الأخرى غصت بالمتظاهرين، الذين هم في واقع الأمر ممولي موازنة الهيئة عبر الضرائب التي يدفعونها.. وعليه كان من واجب هيئة الإذاعة البريطانية أن تتماشى مع وجهة نظرهم لا ان تعاكسها تحت شعار الحياد الذي ربما بات هنا في حاجة إلى إعادة تعريف.. ما هي الحيادية؟

تعاطي الإعلام العربي

ولكن، هل يقتصر على التعاطي السلبي على الـ «بي.بي.سي»؟

مجريات التعاطي الإعلامي مع أحداث غزة التي دامت 22 يوماً، أظهرت أن وسائل الإعلام العربية لم تكن عل مسافة واحدة من الأحداث وسفك الدماء الذي يتواصل ليل نهار.. فالتغطية التي قدمتها قناة «الجزيرة» الفضائية القطرية كانت تعبوية، وهي لا تلتقي بأي حال مع التغطية التي قدمتها قناة «العربية» الفضائية السعودية، أو غيرها من وسائل الإعلام التي يزيد عددها على الـ 250 فضائية.

وبعيداً عن الفضاء، كان التعاطي الإعلامي بالإجمال مع القضية الفلسطينية وتطوراتها في الآونة الأخيرة محل انقسام. ودخل الإعلام العربي، بالعاملين فيه أو المتعاملين معه، في تناقض وتباين.. بين انحياز كامل مع المعاناة وبين من يحاول التمسك بما يرى أنه موضوعية.

وفي هذا الموضوع يقول حسام السكري إن التباين بين وسائل الإعلام العربية كان واضحاً وأعاده إلى الانقسام السياسي الكبير بين الحكومات العربية في التعاطي مع الحرب والصراع الحاصل بين إسرائيل وحركة «حماس».

ويرى السكري أن المشاهد العربي بات واعياً أكثر من أي وقت مضى ليعرف على أي قناة يحول تلفزيونه. وتساءل: «لماذا نريد أن تكون وسائل الإعلام على خط واحد؟».

أما الصحافة الغربية والأميركية، على وجه خاص، فكانت منحازة بالكامل لإسرائيل، فهي مكبلة بقيود لوبيات الضغط، وسطوة المال، ما جعلها غير قادرة على كشف فظائعها أو حتى نقدها. والأكيد أن الصحافة الأميركية لم تقدم صورة حقيقية عن الأوضاع التي عاشها قطاع غزة وسكانه.

استهداف الإعلام

ومن المحطات البارزة في أحداث غزة، استهداف آلة القتل الإسرائيلية المراسلين الصحافيين ومكاتب الفضائيات العربية.

وبحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» فإن إسرائيل لم تمنع الصحافيين من تغطية حروبها مثلما فعلت في الحرب الأخيرة.

وكان لافتاً أن المنع وقصف الصحافيين ومكاتبهم، ومن قبل إخراج الصحافيين الأجانب من القطاع، خلق نوعاً من الغضب الإعلامي، فالأصوات بدأت تتصاعد قائلة إن إسرائيل «يجب أن تخجل من نفسها».

ولكن كما ذكرت العديد من التقارير الصحافية فإن الإسرائيليين أدانوا أنفسهم.. في حين نجح الفلسطينيون في نقل ما حدث داخل غزة عبر كاميراتهم.

وبعد الجدل الذي تفجر أثناء عدوان «الرصاص المصبوب» أو بعده ، أو في أعقاب موقف الـ «بي.بي.سي» لابد من التأكيد، كما فعلت المنظمات المعنية بالحريات الصحافية، على أنه لا مبرر يمنح إسرائيل حق منع الصحافة عن إطلاع الرأي العام باستقلالية على الأحداث.. وأن إسرائيل باتت تفقد التعاطف الغربي.

دبي- نضال حمدان