شنّت إدارة جورج بوش مدعومة من بريطانيا في ظل حكومة توني بلير حربا ضد العراق في ربيع عام 2003. لكن التحضيرات لها، وكما تدل مؤشرات عديدة، كانت قد بدأت منذ صيف عام 2002. كان المحافظون الجدد في أميركا قد جعلوا من الإطاحة بنظام صدام حسين أولوية لهم آنذاك.
كان المطلوب من الحرب هو تأكيد التفوق العسكري الأميركي وتثبيت مفهوم الحرب الوقائية. هذا في وقت كانت فيه القوة العراقية قد تضاءلت منذ حرب الخليج الأولى بينما تعاظمت القوة الأميركية. وتشير الدلائل إلى أن إدارة جورج دبليو بوش كانت قد قررت الحرب بعيدا عن إرادة الأمم المتحدة، وباسم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل كان لدى صقور البيت الأبيض «جدولهم الزمني» الذي اقتضى نشوب الحرب قبل صيف عام 2003. ذلك رغم المعارضة الكبيرة لأغلبية دول العالم بمن فيها، بل على رأسها، دول أوروبية «صديقة» مثل فرنسا وألمانيا. انتصرت الولايات المتحدة بالحرب دون صعوبات ودون مقاومة تصوّر كُثر أنها ستواجههم. لكن ذلك الانتصار كان بداية طريق شائك لاحق.
في صيف عام 2002، وحتى ربما قبل ذلك، كان من الواضح أن الإدارة الأميركية قد وضعت مصير الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين في رأس قائمة أولوياتها. ويشير المؤلف هنا إلى ما قاله الصحافي الأميركي بوب وود وارد في مطلع كتابه الذي يحمل عنوان «بوش محارباً» لقد روى هذا الصحافي ما جرى في اللقاء الأول بين الرئيس جورج بوش قبل فترة قليلة من تسلّمه مهام منصبه كرئيس للولايات المتحدة، ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي.آي.ايه» جورج تينيت. وقد تمّ عندئذ تحديد مصادر التهديد الثلاثة الرئيسية ضد الولايات المتحدة في القاعدة وانتشار أسلحة الدمار الشامل وصعود الصين.
بعد عدة أشهر فقط فوجئت الأجهزة السرية الأميركية بتفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. لكنها لم تتردد منذ غداة المأساة في تحديد هوية الفاعلين وتصوّر شن حرب ضد أفغانستان بقيادة طالبان. بنفس الوقت أصبحت واشنطن تنظر إلى الصين كشريك ممكن، وليس كمصدر تهديد أو خصم «ضمنيا».
لقد وجدت أميركا عدوا وصفته بشكل غامض ب«الإرهاب»، بالتالي لم تعد بحاجة إلى دولة تحل محل الاتحاد السوفييتي السابق من أجل «إحياء» الاستقطاب الثنائي على الصعيد العالمي. هكذا بدأت مسيرة تركيز الجهود على «مكافحة الإرهاب» وكبح انتشار أسلحة الدمار الشامل من كيميائية وبيولوجية ونووية.
المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية الذين تمثّل ملهمهم، إن لم يكن رئيسهم، في ديك شيني نائب الرئيس الأميركي، جعلوا إذن من الإطاحة بالنظام العراقي آنذاك بقيادة صدام حسين، أولوية جديدة. كانوا يريدون بذلك تحقيق عدة أهداف بضربة واحدة.
فالإضافة إلى التخلّص مما اعتبروه خطرا كبيرا يوجهون أيضا إنذارا جديا للدول «المارقة» القريبة، مثل إيران وسوريا، والبعيدة مثل كوريا الشمالية. كذلك وأساسا، يمكن لإقامة نظام جديد في بغداد أن يسمح بإعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط.
قامت الحسابات الأميركية على مفهوم إستراتيجي وعلى رؤية للعالم. كان المفهوم الإستراتيجي يعتمد على ركيزتين. الأولى هي تأكيد التفوق العسكري الكامل، كمًا ونوعا، للولايات المتحدة. والركيزة الثانية تتعلق بمفهوم «الوقاية». ذلك على قاعدة مقولة قانونية مفادها أن كل دولة تجد نفسها أمام هجوم «قريب» يكون من حقّها أن تستبق الضربة بعمل «وقائي». ثم إن ميثاق الأمم المتحدة يعترف بحق الدفاع عن النفس. وما يمكن أن يعطي للعمل «الوقائي» شرعيته. لكن كيف يمكن تحديد «قرب» الهجوم؟ يتساءل المؤلف.
ويعتمد المفهوم الإستراتيجي على رؤية للعالم. من المعروف أن جورج دبليو بوش يعتبر نفسه، على خلفية إيمانه المتطرف، مكلّفا بمهمة عليا من أجل اجتثاث الإرهاب، وفيما هو أعمق من ذلك لا يمكن الفصل بين السياسة والدين والنزعة القومية في الولايات المتحدة الأميركية. وبخصوصية أكثر هناك تداخل بين النزعة السياسية المحافظة وبين الأصولية الدينية.
وما يؤكده المؤلف هو أن جورج دبليو بوش كان مصمما منذ صيف عام 2002 على شن الحرب ضد صدام حسين. لكن كان ينبغي أيضا اتخاذ القرار السياسي. ولم يكن ممكنا في شهر أغسطس 2002 سوى «تسيير آلتين» بنفس الوقت. الآلة العسكرية «الثقيلة» والآلة الدبلوماسية «ذات الوزن الخفيف أكثر» وكان هدفها هو الحصول على دعم منظمة الأمم المتحدة.
من وجهة النظر العسكرية البحتة، لم تكن وزارة الدفاع «البنتاغون» جاهزة للقيام بعملية عسكرية كبيرة قبل شهر يناير 2003. لكن رامسفيلد كان يؤكد باستمرار أنه ليس بحاجة إلى حلفاء على الصعيد العسكري. أما وزارة الخارجية فقد كانت مشغولة بالحصول على الشرعية الخارجية للسياسة الخارجية الأميركية بمجملها. وكان سيّد البيت الأبيض يتمنّى الحصول على حد أدنى من أشكال الدعم الخارجي أمام الرأي العام في بلاده.
بالتوازي مع ذلك كله بدا موقف الولايات المتحدة حيال منظمة الأمم المتحدة متناقضا في البداية. وأثناء حديثه أمام الجمعية العامة بتاريخ 12 سبتمبر 2002 «قلب» الرئيس بوش الحجج المعتادة إذ شكك بمصداقية المنظمة الدولية وليس بشرعية عمل الولايات المتحدة.
وقال بوضوح ان القوة العظمى الأميركية سوف تتدخل في العراق وأنه من مصلحة الأمم المتحدة، من أجل المحافظة على بقائها وأن لا تعرف نفس المصير الذي عرفته جمعية الأمم في فترة ما بين الحربين العالميتين، اللحاق بما قررته «زعامتها»، أي الولايات المتحدة الأميركية.
وحرصت واشنطن فيما يتعلق بالإستراتيجية الدبلوماسية على تركيز النقاش لدى المجموعة الدولية حول أسلحة الدمار الشامل. وتتم الإشارة هنا إلى أنه كانت هناك إمكانية «نظرية» باستخدام حجة الدفاع عن حقوق الإنسان والطلب الصريح من الأمم المتحدة بالموافقة على الإطاحة بالنظام العراقي «المستبد على مواطنيه والخطير على جيرانه». لكن ربما أنه ما كان لبريطانيا أن تتبع أميركا على ذلك الطريق. هكذا جرى الحديث عن أسلحة الدمار الشامل بينما كان الهدف الحقيقي هو الإطاحة بالنظام العراقي.
استمرّت النقاشات أسابيع طويلة بين الدبلوماسيين والخبراء في ميدان نزع الأسلحة حول طبيعة التهديد ومدى درجة الإلحاح الذي تمثله أسلحة صدام حسين على المجموعة الدولية وجول الإجراءات التي ينبغي اتخاذها.
طيلة فترة الأزمة قدّم الأميركيون، ودعمهم البريطانيون، معلومات غير قابلة للتحقق منها بقصد تعظيم الخطر الذي تمثله أسلحة الدمار الشامل المزعومة. ولم يكن هناك أي اقتراح بتعزيز منظومات التفتيش يحظى برضا واشنطن ولندن. وتمّ الوصول إلى وضع يتم وصفه أنه كان يحتوي على مفارقة بأقل تقدير بل وفيه قدر كبير من العبث إذ غدا على صدام حسين نفسه أن يقدّم البراهين أنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل.
ورغم المعارضة الكبيرة التي أبداها أصدقاء واشنطن أنفسهم ضد الحرب وعلى رأسهم فرنسا، كان العدّ التنازلي لتلك الحرب قد بدأ فصقور البيت الأبيض كان لديهم «جدولهم الزمني». وكان القرار هو «التخلّص من صدام حسين قبل حلول صيف عام 2003». ذلك لأسباب تتعلق بتجنب فصل الصيف القائظ بالنسبة للجنود الأميركيين في العراق ثم أن الانتخابات الرئاسية الأميركية كانت تلوح في أفق خريف عام 2004.
عند الساعة الرابعة وثلاثين دقيقة من فجر يوم الخميس 20 مارس بدأت الحرب بضربة استهدفت موقعا على خلفية الاعتقاد أن الرئيس العراقي كان متواجدا فيه. لم يكن الأمر كما تصوره الأميركيون، لكن الخبر رفع مباشرة أسعار البورصات وخفض أسعار البترول.
وليس هناك من يجهل أن القوة العسكرية للعراق عام 2003 كانت أقل مما كانت عليه عام 1991. على العكس كانت القوة العسكرية الأميركية قد تعاظمت أكثر فأكثر منذ حرب الخليج الأولى. لكن رغم ذلك كله، ساد لدى الكثيرين التصور أن وحدات الجيش العراقي كانت قد امتلكت الزمن الضروري كي تنصب أفخاخا للقوات الأميركية والبريطانية. وكان متوقعا بشكل خاص أن تدور معارك حامية في شوارع بغداد.
وما يؤكده المؤلف هو أن عملية «الحرية للعراق»، كما أطلق الأميركيون على حربهم، جرى تحضيرها بشكل جيد. وهذا ما يعطي مصداقية أكبر للفرضية القائلة ان الولايات المتحدة الأميركية كانت مصممة على التخلّص من صدام حسين، مهما كانت التعقيدات الدبلوماسية التي قد تترتب على ذلك.
دخل الأميركيون بغداد دون صعوبات. وبتاريخ 9 أبريل كان سقوط تمثال لصدام حسين في وسط العاصمة دليلا على النهاية «الرمزية» للحرب. لم يتردد البعض في مقارنة ذلك المشهد بسقوط جدار برلين يوم 9 نوفمبر 1989. وبتاريخ 14 أبريل- استسلمت مدينة تكريت. بالتزامن مع سير العمليات العسكرية وجّهت واشنطن تهديدات قوية ضد سوريا إذا استقبلت الهاربين من اتباع النظام المخلوع.
وغداة الأزمة العراقية، أعلن معلّقون كُثر موت الأمم المتحدة، ذلك كصدًى لما كان قد قاله جورج دبليو بوش نفسه في شهر سبتمبر 2002 عندما ذكّر بسابقة جمعية الأمم. الأمر الذي لا ينفي في الواقع أن تلك المنظمة تشكّل «منتدًى» مطلوبا في مصلحة أعضائه ال191 من أجل التفاوض أو إضفاء صبغة قانونية على العديد من الأعمال في الحياة الدولية.
ومع نهاية الحرب، بمعنى الإطاحة بالنظام العراقي، برزت فائدة منظمة الأمم المتحدة سريعا من أجل إعطاء إطار قانوني للائتلاف الأميركي-البريطاني الذي غدا قوة احتلال في العراق. والاحتلال هو وضع قائم تتم إدارته مبدئيا على أساس الاتفاقيات الدولية. ومبدئيا أيضا لا يُفترض أن تتخذ قوة الاحتلال قرارات تُلزم البلاد على المدى الطويل بالنسبة لبلاد يتم إخضاعها بصورة مؤقتة. هكذا كانت السلطة التي أدارها الأميركي بول بريمير، في فترة ما بعد الحرب، لا تملك «نظريا» حق سنّ سياسة بترولية.
لكن قرار الأمم المتحدة رقم 1483 الصادر بتاريخ 22 مايو 2003 اعترف لسلطة الاحتلال بسلطات واسعة بما في ذلك ما يخص الميدان النفطي على أن تنقل بأسرع وقت ممكن السلطة إلى حكومة وطنية شرعية. بالطبع كانت الصعوبات بالنسبة للأميركيين والبريطانيين لا تزال في بداياتها.
ويحظى تحليل العلاقات الأوروبية-الأميركية لفترة الأزمة وأثناء الحرب في العراق باهتمام مؤلف هذا الكتاب، ويشير إلى أنه خلال عامي 2002 و2003، وبمقدار ما كان الرأي العام كان الرأي العام الأميركي يلتفّ حول رئيسه كان يتطور العداء ضد ألمانيا وخاصة ضد فرنسا التي كانت هدفا لحملة لا سابق لها، كان البيت الأبيض هو الذي يديرها.
ما يُعاب على فرنسا هو أنها حاولت أن تشكل ائتلافا ضد الولايات المتحدة حول قضية كانت القوة العظمى ترى بها، دون نقاش، مصلحة حيوية. وارتفعت أصوات كثيرة لدى النخب الأميركية تتساءل عن الموقف الذي ينبغي اتخاذه حيال الاتحاد الأوروبي. ويشير المؤلف إلى أنه إذا كان يجري الحديث كثيرا عن مواقف مناهضة لأميركا في أوروبا بعد انتخاب جورج دبليو بوش وبعد 11 سبتمبر.
فإنه بالمقابل لا يتم التعرّض «سوى مرورا» على نزعة العداء حيال أوروبا التي تنامت على الشاطئ الآخر للأطلسي. بكل الحالات إن أسئلة جديدة جرى طرحها بوضوح لدى الطرفين، وكانت مطموسة في الماضي بسبب أجواء الحرب الباردة.
الصفحات: 390 صفحة (متوسط)
الكتاب: عشرون عاماً هزت العالم
تأليف: تييري دي مونبريال
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: دونو، باريسن ـ 2008


